"تمخص الجبل عن فأر" هي عبارة يقولها العرب عندما تكون النتائج هزيلة بعد هزات وعواصف بدت كأنها عظيمة، هذا ما يمكن وصفه بموقف الإدارة الأمريكية بشأن اقتطاع 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية التي تقدمها للجيش المصري سنويا والتي تقدر بنحو 1.3 مليار دولار.

الموقف الأمريكي لاقى استنكارا من منظمات حقوقية مرموقة، كما لاقى انتقادات من وسائل إعلام أمريكية رأت أن مواقف أمريكا بشأن الملف الحقوقي في مصر في ظل إدارة جو بايدن الديمقراطي لم تختلف كثيرا عما كانت عليه في عهد سلفه دونالد ترامب الذي وصف السيسي بدكتاتوره المفضل.

وبحسب المعلق بوبي جوش، في تحليله بصحيفة "بلومبرج"  الأمريكية فإن قرار إدارة بايدن تقديم أكثر من نصف الــ300 مليون دولار للمساعدة الأمريكية التي علقها الكونجرس في السابق بسبب السجل الرهيب للحكومة المصرية في مجال حقوق الإنسان هو مجرد إجراء شكلي، مقارنة بما كشف عنه تقرير الخارجية الأمريكية الأخير عن حقوق الإنسان في مصر والذي ضم قائمة طويلة من الانتهاكات،القتل خارج القانون واعتقال المعارضين السياسيين واستخدام العنف ضد المثليين واستخدام العمالة القسرية للأطفال.

وبحسب جوش فإن الإجراء الذي اتخدته إدارة بايدن مع نظام السيسي هو مجرد صفع السيسي بمعكرونة مبتلة؛ ذلك أن المبلغ الذي تم حجبه لا يساوي إلا نسبة 10% من 1.3 مليار دولار التي تقدمها الولايات المتحدة كمساعدات سنوية لمصر. وتمثل نسبة صغيرة جدا مما تتلقاه مصر من مساعدات دولية معظمها تأتي من دول الخليج.

إجراء إدارة بايدن وصفته منظمات حقوقية بأنه “خيانة لالتزامه تجاه حقوق الإنسان وحكم القانون”. وفي بيان مشترك وقعت عليه 19 منظمة يوم الثلاثاء من بينها هيومن رايتس ووتش وأمنستي انترناشونال قالت فيه إن قرار الإدارة “يعطي رخصة للحكومة المصرية مواصلة ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة دون أي خوف من العواقب”.

وكانت هناك انتقادات من داخل حزب بايدن حيث وصف السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي الذي لاحظ تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مصر خلال العامين الماضيين الخطوة بأنه “تطبيق فاتر للقانون” وحذر من استفادة الديكتاتوريين الآخرين من هذا.  ويرى الكاتب أن حجب جزء من المساعدات لن يعجب أحدا لكنه لن يزعج السيسي كثيرا لأنه سيتجاهل هذا المبلغ الصغير، حيث تراجعت قيمة المساعدات الأمريكية للقاهرة منذ انقلاب 2013م، بسبب المساعدات الضخمة التي تلقاها نظام السيسي من دول الخليج. ذلك أن الدعم العسكري الذي تلقاه القاهرة من واشنطن ظل ثابتا لأنه يقوم على استخدام هذه المساعدات في شراء أسلحة أمريكية.

ويبدي الكاتب اندهاشه من الموقف الأمريكي؛ ذلك أنه رغم صعود مصر السيسي إلى المرتبة الثالثة عالميا في شراء السلاح بعد الهند والسعودية إلا أن القاهرة قللت من اعتمادها على المصادر الأمريكية. وبحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الذي يرصد نفقات السلاح ولديه بيانات عن كل الدول تقريبا، فمصر باتت تعتمد في مصادر السلاح على روسيا وفرنسا، حيث تشكل نسبة 41% و28% على التوالي أما نسبة الأسلحة المستوردة من أمريكا فهي 8.7%. ولكي يكون لدى إدارة بايدن فرصة للتأثير على وضع حقوق الإنسان في مصر فعليها في الحد الأدنى حجب جزء كبير من المساعدة العسكرية.

وبحسب الكاتب فرغم تعهد بايدن في منتصف 2020 وقبل الانتخابات الأمريكية بوقف الشيكات المفتوحة على بياض لدكتاتور ترامب المفضل، إلا أنه غير موقفه في فبراير 2021م عندما مررت إدارته صفقة صواريخ بقيمة 200 مليون دولار للبحرية المصرية، مع أن السيسي لم يغير سياسة القمع ضد المعارضة. وخف موقف بايدن تجاه الجنرال في الصيف عندما ساعدت مصر على التوسط بوقف الحرب في غزة بين حماس وإسرائيل. وحصل الزعيم المصري على نقاط أخرى في واشنطن عندما استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت في شرم الشيخ وهو أول لقاء بين زعيمين من البلدين منذ أكثر من عقد. ومع زيادة أسهمه لدى إدارة بايدن فالسيسي بلا شك قادر على تحمل صفعات من فترة لأخرى ولكن باستخدام المعكرونة المبلولة.

Facebook Comments