"باقية وتتمدد" ذلك الشعار كان من إنتاج أروقة المخابرات التي تسوق لتنظيم داعش، وقلَبَ السفاح السيسي بعد انقلاب 30 يونيو 2013 المعادلة وأصبح يزاحم داعش في شعارتها، وشطب على الصيغة الأساسية للعلاقات العسكرية المدنية المصرية، وزاد من سيطرته الشخصية على المؤسسة العسكرية، من خلال زيادة سيطرته الشخصية على الجيش وقوات الأمن، وهي إستراتيجية محفوفة بمخاطر كبيرة.
ويتأهب السفاح السيسي للتغول العسكري أكثر فأكثر فيما تبقى من مفاصل الحياة المدنية في الريف والقرى، وذلك بالتهديد بنزول الجيش إلى القرى والمدن إذا لزم الأمر، لمواجهة ظاهرة التعدي على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة المختلفة من أراضٍ ومرافق مثل الترع والمصارف وغيرها.
ولم يوضح السفاح حدود مشاركة الجيش في هذه الحملة التي ستستغرق ستة أشهر، فيما وجه بمنع الدعم مؤقتا عن المخالفين، أما النتيجة الأهم للتوجيه بتدخل الجيش فهي فتح الباب أمام الوجود العسكري الكثيف مرة أخرى داخل القرى والمدن الصغيرة، وسيطرته على قرارات المحافظين والجهات الحكومية المختلفة.

مش إيد واحدة..!
التهديد بنزول الجيش لسحق الشعب إذا لزم الأمر، أحد أهدافه التمويه على أن قرار إزالة التعديات يستهدف "الغلابة" ولا يمكن أن يتعرض لأولئك "الحيتان الكبار" الذين ستكشف ملاحقتهم عورة النظام الذي يتوحش ضد الفقراء والطبقة الوسطى ويشكل بنفسه مركز توزيع الثروة.
وتحالف الطغم المالية وخصوصا مع صعود نجم الصندوق السيادي التابع للرئاسة الذي بات يتنافس مع اقتصاد الجيش واقتصاد الدولة، وهو ما يجعل هذه الأجهزة، عمليا، تتنافس على الاعتداء على الاقتصاد المصري وتدفيع الثمن للطبقات الأدنى غير القادرة على الدفاع عن حقوقها، كما يمكن أن يفعل حيتان القطاع الخاص.
يريد السفاح السيسي أن يضع الجيش في صدام مباشر مع الشعب؛ فالمشير لم يُعرف بقيادته لأي معركة حربية ضد كيان العدو الصهيوني أو حتى أثيوبيا، وكل حروبه إنما استهدفت صدور المصريين ومنح نفسه على هذه الجريمة ترقيته "مشير"، وهي الرتبة التي لا تُمنح إلا للقائد العسكري الذي خاض حربا ضد العدو وانتصر فيها، وللأسف فإن المؤسسة العسكرية التي قبلت أن تكون أداة السفاح في اغتصاب الحكم بانقلاب عسكري، لا تزال حتى اليوم ترضى بأن تكون أداته وأداة شلته في سحق الشعب لضمان بقائه في السلطة رغم الفشل المُركّب في جميع قطاعات الدولة.
تهديد السفاح السيسي بنزول الجيش لتأديب وقمع وسحل وقتل المصريين، هو تأكيد على الوضعية المتميزة للجيش داخل الدولة ومؤسساتها باعتبارها فوق الدولة وفوق الحكومة وفوق الشعب بالطبع.
وتمادى السفاح السيسي في تهديداته لدرجة أنه وصف المخالفين في البناء والمتعدين على الأراضي الزراعية باعتبارهم أعداء؛ وهو موقف غريب إذ يتعامل السفاح السيسي مع الشعب المصري المسالم عبر الجيش والأدوات العسكرية والبطش السلطوي بينما يتشبث بمسار التفاوض مع أثيوبيا التي تدشن السد وأعلنت الحرب على مصر، وهو ما يؤكد أن الجيوش التي تحكم لا تحارب.
من جانبه، أرجع رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري عمرو عادل، تهديدات وتصريحات السفاح السيسي إلى شقين، من الناحية السياسة أولا، يؤكد هذا القرار القضاء على كل مؤسسات الدولة وخضوعها للمؤسسة العسكرية وثانيا، أن ثروات وممتلكات الشعب أصبحت مستباحة للدولة العسكرية وثالثا، الدولة بمؤسساتها وأفرادها أصبحت فوق الحساب، المسؤول الأول عن فوضى البناء هي المحليات والوزارات، ولكن من يُحاسب هو الشعب.
وأضاف أنه، لم يبقَ مسارا متاحا للشعب إلا المقاومة الشعبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خونة النظام المصري ومؤكدا أنه، لم يعد النظام المصري قادرا على إنتاج الثروة بالاستثمارات بسبب فساده الكبير، ولكنه فقط يعمل على إفقار الشعب بسحب كل النقد منه.
وفيما يتعلق بالشق العسكري، قال الضابط السابق بالجيش المصري "أولا، هل يمكن للجيش أن يقبل ذلك، الإجابة قطعيا نعم، لأنه فعله قبل ذلك في سيناء على مدى السنوات السابقة، وأيضا لم يكن هناك أزمة في قتل الآلاف بالشوارع".
لكن الأخطر في المسألة، وفق عادل "هل يمكنه (الجيش) فعل ذلك؟ هذه هي النقطة التي يجب أن يدركها المجتمع، أن مصر بها ما يزيد على خمسة آلاف قرية، وقدرات أي جيش لا يمكنها التحرك في كل هذه النقاط مرة واحدة، ولذلك فإنه إن تحرك سيبدأ بعدد محدود يستخدم فيها قوة كبيرة لسحق أي محاولات تمرد تسهل بها عمله لاحقا، وتقلل من احتمالات المواجهة، ويزيد من رغبة قطاع أوسع فيما يسمى التصالح، وهذا سينهي العلاقة تماما بين الشعب كله وما تسمى المؤسسة العسكرية".

الإتاوة
حرص السفاح السيسي الشديد على نهب جيوب الناس، باعتبار ذلك هو الباب الوحيد المتاح أمام عصابة الانقلاب لزيادة إيرادات الدولة؛ فكلما ضاقت الأزمة المالية والاقتصادية على السفاح السيسي لا يجد سوى جيوب المصريين ليغرف منها ما يشاء، لتوفير احتياجات عصابة الانقلاب خوفا عليه من السقوط.
ولذلك فإن سر غضب السفاح السيسي وانفعاله الشديد أن عصابة الانقلاب تعاني من ورطة شديدة لعدة أسباب أبرزها تراجع إيرادات الدولة مع انهيار قطاع السياحة وتعليق النشاط الاقتصادي المحلي والدولي بسبب تفشي جائحة كورونا منذ بداية 2020م.
معنى ذلك أن السفاح السيسي يشن حربا على عشرات الملايين من المصريين؛ وهو ضرب من الجنون لا يقدم عليه إلا معتوه فقد كل مقومات التفكير السليم والتوازن النفسي، فإذا كانت هذه المخالفات قائمة بالفعل منذ سنوات، وتزايدت بشدة في الفترة الأخيرة؛ فلماذا أبدى السفاح السيسي كل هذا الغضب في هذا التوقيت بالذات؟.
يقول الكاتب الصحفي طه خليفة "ليتك تخفف من لغة التهديد بالجيش، ودفعه ليكون بمواجهة بعض الناس، إذا كان هناك مواطنون يخالفون القانون، فالمواجهة الآمنة معهم تكون بالتنفيذ الصارم للقانون، عبر جهة إنفاذ القانون وهى الشرطة المدنية، وأزعم أن الشرطة لديها الخبرة الكافية في هذا الصدد بسبب التفاعل اليومي لها مع الناس، بعكس الجيش الذي هو بعيد عن هذا الاحتكاك، وهو قوة دفاع وحرب وقوة نيران هائلة".
مضيفا "لا يجب إقحام الجيش في كل صغيرة وكبيرة في الحياة المدنية، هذا ليس دور الجيش ولا هى وظيفته ولا هو مؤهل لذلك. تأهيله هو التدريب والدفاع والاستعداد للحرب، بالحاكم المدني المفترض لا يلجأ للتهديد بالقوة العسكرية في تنفيذ سياساته وقراراته وإلا فإن الجيوش ستتحول إلى قوة أمن وشرطة، وليس قوة حرب وقتال".
وتابع خليفة "لا تخوفنا بالجيش ولا تخوف الجيش منا ولا تضعنا أمام الجيش ولا تضع الجيش أمامنا فنحن جميعا الجيش، والجيش هو كله نحن المصريين، نحن لسنا اثنين، بل واحد متحد متوحد.كما أننا لا نقلق من الشرطة المدنية رغم خروقات فردية هنا وهناك، فالشرطة هي الأمن والأمان، ولن نكون يوما كشعب بمواجهتها، وهي لن تكون بمواجهة شعبها".
موضحا أن "المؤسسة العسكرية والأمنية هي لمصر، كل مصر، وللمصريين كلهم دون استثناء لا أحد في مشكلة معها وهى ليست في مشكلة مع شعبها، هذه مؤسستنا، وهي بعد الله تحمينا ونحن نحميها ونحافظ عليها".
وختم بالقول "دولة القانون العادلة والحكم الراشد والحكم بالقبول والرضا العام، وخدمة الشعب وتوفير الراحة لكل المواطنين في حياتهم ومعاشهم والتخفيف عن كاهلهم والاحتكاك بهم والتنمية لأجلهم، هذه وغيرها قواعد أساسية لالتزام المواطنين واستجاباتهم الطوعية للقرارات وتنفيذها دون الحاجة للتهديد بالجيش".
السبب الحقيقي وراء انفعال السفاح السيسي هو أنه كان يتوقع وفقا لتقديرات أجهزته الحكومية أن يدر قانون التصالح في البناء نحو 300 مليار جنيه بعد 6 شهور فقط من إصدار لائحته التنفيذية، لكن المواطنين زهدوا في التقدم للتصالح ولم يحقق القانون سوى نحو 2.2 مليار جنيه فقط حتى 11 أغسطس 2020م؛ الأمر الذي أصاب السفاح السيسي بحالة من الهستيريا والجنون ودفعه إلى شن حرب على الشعب والتهديد بنزول الجيش في كل قرى مصر ومدنها.
وأمام حالة الفشل المركب والغضب المتصاعد والديون الباهظة والإتاوات التي ترتفع كل يوم والجحيم الذي يعاني منه الشعب فهل يتدخل الجيش للإطاحة بالسفاح السيسي وفقا لصلاحياته الدستورية التي منحتها له التعديلات الأخيرة التي أجراها السفاح في 2018م؟.

Facebook Comments