انتهز رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي فرصة الاحتفال بالذكرى الـ48 لانتصار أكتوبر 1973م، وراح يجاهر بخطيئة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ويحرض زعماء العرب وملوكهم وحكامهم من أجل المضي قدما على خطى الرئس الأسبق محمد أنور السادات الذي يعد أول من اعترف من العرب والمسلمين بالكيان الصهيوني ووقع اتفاق تطبيع معهم في مارس 1979م، حيث وصفه السيسي بصاحب الرؤية الثاقبة.

 

دعوة للتطبيع

الغريب في دعوة السيسي ثلاثة أمور:

الأول أن دعوته إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني يتجاهل الدور الإسرائيلي القذر في دعم وحماية سد النهضة للإضرار بأمن مصر القومي، وهم حلفاء السيسي الأهم في المنطقة؛ ففي يوليو 2019م، نشر موقع "ديبكا" الاستخباراتي الإسرائيلي رفض حكومة نتنياهو طلب مصر بعدم نشر نظام الدفاع الجوي المتطور "سبايدر أم آر" لحماية سد النهضة الإثيوبي، مؤكدا أن إثيوبيا انتهت بالفعل من نصب النظام الإسرائيلى حول السد وقامت بتشغيله. وبرأي مراقبين، شجعت تلك الخطوة إثيوبيا على رفض جميع المقترحات المصرية لملء السد على مدى فترات أطول، وراحت تتعنت وتتلكأ في المفاوضات بعد أن حققت هدفها ببناء السد بالكامل، وحان وقت الملء، مع إقامة حائط من منظومات الدفاع الجوي إسرائيلية الصنع حول السد.

الثاني، أن دعوة السيسي حكام العرب للتطبيع مع الصهاينة لم ترتهن بشرط إقامة دولة فلسطينية كما اعتدنا من حكام العرب، لكن السيسي في خطابه دعا إلى التطبيع من خلال الثناء الكبير على خطوة السادات التي مثلت طعنة لفلسطين وشعبها ومقداساتها من جهة وطعنة للموقف المصري الذي بدا ولا يزال في صورة الخائن العميل المنبطح أمام الصهاينة والأمريكان.

الثالث، أن اللغة التي تكلم بها السيسي خطيرة، تتجاوز حالة التطبيع الذي تمارسه الأنظمة وتقهر شعوبها عليه، ولم يتوقف عند الإشادة بخطوة السادات في السلام مع إسرائيل، ولكنه دعا إلى تجاوز الأدبيات، وهي ليست مجرد دعوة إلى التطبيع، بقدر ما تنطوي هذه اللغة على حميمية أكبر مع الكيان الصهيوني. وبحسب المحلل عزت النمر، لو أخذنا هذه الدعوة وهذا الحديث على محمل الجد، نكون أمام خطرين عظيمين: أولهما أن السيسي ونظامه لا يقيم وزنا للثوابت الوطنية وحقوق العروبة، وأنه على استعداد لتقديم خدمات مجانية لإسرائيل. والشر الأكبر هو أن يكون هذا الحديث مقدمة لتنازلات واتفاقات قدمتها مصر تمت بالفعل في زيارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأخيرة، وهذا الحوار هو تمهيد للإعلان عن صفقات قذرة في هذا الاتجاه".

مبلغ الخطورة أيضا أن حالة النرجسية التي تهيمن على السيسي قد تجعله يقدم لإسرائيل أكبر مما تطلب، وربما أكثر وأخطر من أي توقع، وهو يعتبر ذلك عبقرية أو سبق كما اعتبر سلفه الأول، وبالتالي فإن تكلفة بقاء السيسي ونظامه يمثل كارثة كبرى على مصر وشعبها والمنطقة كلها.

وبحسب مزاغم السيسي فإن مشروع السادات التطبيعي مع الكيان الصهيوني أثبت واقعيته وجدواه بعد أكثر من أربعين سنة، على حد قوله، وهو ما تبعه توقيع اتفاقيات سلام منفردة مع الأردن والإمارات والبحرين والسودان والمغرب. وتنص مبادرة السلام العربية، التي أطلقها ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز، في أثناء القمة العربية ببيروت عام 2002، على إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليا على حدود 1967، وعودة اللاجئين الفلسطينين، وانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل. لكن محمد بن زايد، رئيس الحكومة الإماراتية وولي عهد أبو ظبي، ومحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، والسيسي، يقودون تحالفا إقليميا يستهدف تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون رهن ذلك بإقامة دولة فلسطينية أو عودة اللاجئين أو حتى وضع القدس باعتباره مدينة عربية محتلة.

وقال السيسي في الندوة التثقيفية الـ34 للقوات المسلحة: "قرار الرئيس السادات  ومبادرته للسلام، هو القدرة على قراءة وتجاوز أدبيات مستقرة في عصره"، لافتا إلى أنه استطاع بجرأة تجاوز أدبيات ولغة وثقافة ومبادئ العصر، وأنه كان على قناعة أنها لن تستمر بعد حرب 6 أكتوبر ولا بد من تجاوزها بمفاهيم جديدة، وهذا هو الواقع الذي أصبح موجودا، والذي يؤكد أن هذه قراءة سابقة لعصرها". وتوجه بدعوته إلى الحكام العرب قائلا: "أتمنى كما أن الرئيس السادات تجاوز كثير من القضايا في منطقتنا، أن يستطيع الحكام والمسؤولون عن إدارة الأزمات فيها، أن يتجاوزوا أدبيات ومفاهيم مستقرة وينطلقوا لأعماق أفضل، ذلك (في إشارة إلى التطبيع مع إسرائيل)، متسائلا: "لا أدري هل هذا الحديث سوف يؤخذ به أم لا أعرف!".

 

ربيب الأمريكان

ويعتبر السيسي هو أول وزير دفاع تلقى تعليمه العالي في الولايات المتحدة الأمريكية American Trained Officers فهو إلى جانب صدقي صبحي تخرجا من كلية الحرب الأمريكية بولاية بنسلفانيا الأمريكية.

وقبل انقلابه في 3 يوليو 2013م، كان السيسي على تواصل يومي مع وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل، حيث كان يخبره أولا بأول بأدق تفاصيل المشهد المصري وتطوراته وهو ما كشفه الكاتب الأمريكي كير كيباتريك، مدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في القاهرة خلال الفترة من 2010 حتى 2014م.

ورغم أن السيسي لم يخض حربا قط في حياته إلا أنه حصل على رتبة مشير، وهي أعلى رتبة عسكرية على الإطلاق لا يحصل عليها إلا من خاض حربا كبرى ضد العدو وانتصر فيها، وهي الرتبة التي منحه إياها المؤقت عدلي منصور. فأعظم إنجازات السيسي على الإطلاق هى توجيه سلاح الجيش إلى صدور الشعب المصري حيث قتل ولا يزال الآلاف منهم الذين رفضوا اغتصابه للحكم بانقلاب عسكري. حيث أطاح بالرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة وأجهض المسار الديمقراطي. ثم القضاء على ثورة 25 يناير  التي كانت تطالب بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، وارتكب السيسي عشرات المذابح الجماعية المروعة أبرزها ماسبيرو والعباسية وفض اعتصامي رابعة و النهضة ورمسيس وغيرها.

Facebook Comments