في مثل هذه الأيام من عام ١١٨٧م تم فتح القدس على يد البطل صلاح الدين الأيوبي، وتعتبر قضية تحرير المسجد الأقصى من أكثر القضايا الدينية التي تشغل مئات الملايين من المسلمين حول العالم، كما تعتبر الحلم الذي يراود كل شاب مسلم، لاسيما الشباب الفلسطيني الذين ذاقوا الويلات من سلطات الاحتلال الصهيوني المغتصب لوطنهم.
ويعتبر القائد صلاح الدين الأيوبي بمثابة الأب الروحي للمقاومين الذين حملوا عبأ تحرير المسجد الأقصى على عاتقهم، كما تعتبر شخصيته من أكثر الشخصيات التاريخية التي تحظى بحب وتقدير معظم المسلمين حول العالم.
ومن روحانية تحرير القدس على يد صلاح الدين تستلهم المقاومة زادها للتحرير الثاني، وبعد وقف إطلاق النار، وفشل الجولة الرابعة للعدوان الصهيوني على غزة؛ حققت حماس وفصائل المقاومة والشعب الفلسطيني في معركة سيف القدس نتائج ذات بعد إستراتيجي وسياسي، وأحدثت تغيرا في المعادلات على الأرض، ولكنها أثارت في الوقت ذاته تساؤلات عديدة حول المسارات الممكنة والمجدية لتحرير فلسطين.

لم يكن عربيا..!
على عكس الشعوبية الفجة والعنصرية للعرب وما جاء في فيلم "الناصر صلاح الدين" ولد القائد يوسف بن أيوب الدويني التكريتي أو ما بات يعرف بلقب الملك الناصر صلاح الدين في مدينة تكريت العراقية عام 532 للهجرة الموافق لعام 1138 للميلاد لعائلة كردية عريقة يُرجح بعض المؤرخين أن نسبهم يعود إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهالي مدينة دوين الأرمينية، وقد ولد صلاح الدين في الليلة التي غادر والده قلعة تكريت عندما كان واليا عليها.
امتلك الناصر صلاح الدين شخصية قوية وقرار راجحا بعيدا عن العواطف مما أكسبه ثقة عمه أسد الدين شيركوه الذي بدأ يعتمد عليه بالكثير من معاركه التي خاضها تحت راية القائد نور الدين زنكي، لاسيما تلك التي خاضوها في مصر ضد الوزير الفاطمي المتمرد والإفرنج الصليبيين.
يرى المؤرخون بأن "نجم صلاح الدين الأيوبي قد لمع مبكرا في سن الشباب إبان حكم الدولة الفاطمية، ومحاربة تمرد الوزراء فيها، حيث كانت دولة الفاطميين تمر بأسوأ حالاتها، ولم يكن للخليفة الفاطمي فيها من السلطة من شيء سوى الدعاء له على المنابر في الوقت الذي كانت فيه السلطة الفعلية بيد الوزراء الذين أعلنوا العداء فيما بينهم سعيا وراء السلطة والنفوذ".
بعد هروب الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي من مصر و لجوئه إلى دمشق بعد طرده من قِبل ضرغام بن عامر اللخمي والذي نصب نفسه وزيرا خلفا له، قرر الملك نور الدين زنكي إسناد مهمة إعادة سلطة شاور المسلوبة إلى القائد أسد الدين شيركوه والذي كان بن أخيه صلاح الدين أحد أتباعه المخلصين.
أدرك صلاح الدين الخطر الصليبي المتربص بالدويلات الإسلامية الضعيفة لاسيما بعد وفاة الملك نور الدين، لذلك أخذ على عاتقه مسألة توحيد المسلمين وجمعهم تحت راية واحدة بهدف قتال الصليبين واسترجاع بيت المقدس من قبضتهم وجعل ذلك الأمر الهدف الأسمى في حياته.
وقد نجح في ذلك بعد الكثير من المعارك التي خاضها ضد الزنكيين و الحشاشة ومما عزز من موقفه وأكسب لمعاركه الشرعية زواجه من أرملة الملك نور الدين زنكي لتبدأ بذلك حقبة جديدة من التاريخ بظهور الدولة الأيوبية التي نجحت في كسر شوكة الصليبيين وتحرير بيت المقدس.
وعلى درب صلاح الدين، فتحت نتائج وإنجازات معركة سيف القدس أفقا واسعا نحو المعركة الكبرى لتحرير فلسطين، وأثارت تساؤلا لدى البعض عن مدى قدرة حماس وفصائل المقاومة على تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، في ظل النموذج العسكري الذي تعتمده المقاومة، والذي أثبت حضوره كنموذج للصمود في مواجهة العدوان الصهيوني المتكرر على غزة.

بات قريبا
بين وجهات النظر المختلفة حول مسار تحرير فلسطين وقدرة حماس وفصائل المقاومة على تحرير الأرض، فإن هناك مؤشرات تؤكد أن تقدما في معركة التحرير طويلة النفس يتحقق يوما بعد، وأن التحرير بات قريبا مهما رآه كثيرون بعيدا؛ ويؤكد ذلك مجموعة من المؤشرات المعتبرة.
يؤكد ذلك محاولة هروب الأسرى الستة الناجحة من سجن جلبوع وكسر أنف الاحتلال الصهيوني، إضافة إلى ما قاله رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار إن "الشعب الفلسطيني بات أقرب لتحرير مدينة القدس المحتلة بفضل المقاومة".
وقال السنوار إن "معركة سيف القدس أحدثت تحولا إستراتيجيا في الصراع مع الاحتلال" في إشارة على ما يبدو إلى كون فصائل المقاومة فرضت عبرها على الاحتلال معادلة القصف بالقصف.
وأضاف "بتنا للقدس والعودة والتحرير أقرب بفضل المقاومة ومعركة سيف القدس هي المواجهة الأخيرة بين الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة وإسرائيل".
وتابع السنوار "شعبنا بكل مكوناته صنع النصر يوم ربى أبناءه على حب الوطن والاستعداد للتضحية والفداء والبذل في سبيل حريته".
وخاطب السنوار العشائر الفلسطينية بالقول "أنتم من صنعتم هذا النصر يوم ربيتم أبناءكم على هذه المعاني الجميلة، فكان لنا جيل من كتائب القسام وسرايا القدس وشباب المقاومة كافة، الذين صنعوا هذا النصر الذي أحدث تحولا إستراتيجيا في الصراع مع هذا الاحتلال".
وأضاف "صنعتم النصر، يوم احتضنتم المقاومة وبما صبرتم و تحملتم من حصار وقهر، وتابع لم تغير قناعتكم كل حملات التشويه والتطبيع فظلت القدس يانعة في قلوبكم".
وشن كيان العدو الصهيوني عدوانا على قطاع غزة استمر 11 يوما في الفترة ما بين 10 و21 مايو الماضي، وأسفر عن استشهاد وجرح الآلاف من الفلسطينيين، فيما ردت الفصائل الفلسطينية على العدوان بإطلاق آلاف الصواريخ تجاه كافة المدن المحتلة.

Facebook Comments