دفعت حالة الغضب الشعبي من سن قانون السائس حكومة الانقلاب إلى تجميد العمل به خشية انفلات الأوضاع في ظل تزايد الغضب الشعبي إلى مستويات كبيرة أجبرت النظام العسكري إلى تأجيل العمل به في ظل تسريبات تؤكد أن الدكتاتور عبدالفتاح السيسي يصر على القانون لأنه يدر إيرادات سنوية تصل إلى 47 مليار جنيه. لا سيما وأن هناك حوالي 13 مليون مركبة، منها ما يقرب من 6 ملايين على الأقل في نطاق القاهرة والجيزة، هؤلاء لو تم تطبيق القانون عليهم سيدفعون رسوم انتظار تقدر بالملايين يومياً.

وقانون السائس تم إقراره في يونيو 2020، وصدَّق عليه السيسي في يوليو 2020 وصدر في الجريدة الرسمية لكنه ظل حبراً على ورق إلى أن حددت محافظة الجيزة في يناير2021 عدداً من المناطق وطرحت إدارتها على شركات خاصة كمناطق انتظار للسيارات موازية للرصيف وبدأ التطبيق التجريبي للقانون في الأسابيع الماضية في أحياء بمحافظتي القاهرة (الوايلي، ووسط وغرب القاهرة وبولاق أبوالعلا، وعابدين، والسيدة زينب، بإجمالي 8 شوارع و3 ساحات) والجيزة (الدقي في 4 شوارع رئيسية هي مكة، الثمار، الثورة، وسليمان أباظة).

 

أسباب تجميد القانون

وبحسب صحيفة "عربي بوست" الإلكترونية فإنه رغم تجميد تطبيق القانون،  إلا أنه لا يزال يثير حالة من الغضب في الشارع المصري بسبب التخبط الذي رافق تطبيقه، قبل أن تفيد تسريبات بتراجع رؤساء العديد من أحياء محافظتي القاهرة والجيزة عن التطبيق التجريبي له بالشوارع التي حددها القانون.

وينقل الموضع عن مصدر أمني أن القانون تم تأجيله فقط والسبب المعلن هو عشوائية التنفيذ، كما صرح رؤساء الأحياء والمسؤولون، لكن السبب الحقيقي هو تقرير أمني تم رفعه للمسؤولين رصد تصاعد وتيرة التذمر بين أفراد الطبقة المتوسطة نتيجة مضاعفة رسوم كل الخدمات التي تقدمها الدولة، واسترشد التقرير بالتدوينات التي نشرها كثيرون على منصات التواصل الاجتماعي وتضمنت ارتفاع نبرة التحدي والتهديد وارتفاع وتيرة الغضب في الشارع.

وعلى الفور صدرت تعليمات عليا من أجهزة سيادية ألزمت محافظي القاهرة والجيزة بإيقاف التشغيل التجريبي لقانون تنظيم انتظار المركبات بعد مذكرة رسمية مرسلة من وزارة التنمية المحلية تخطرهم بإيقاف التشغيل مؤقتاً لحين الاتفاق على آلية للتطبيق.

وتعزو تقديرات موقف الأجهزة الأمنية هذا التأجيل في تطبيق القانون إلى أنه يفتقر إلى الدعم الشعبي؛ مما يصعب معه على شريحة المؤيدين للحكومة الدفاع عنه وبالمثل حذرت الأذرع الإعلامية للسيسي من الغضب الشعبي حيال تطبيق القانون ومنهم المذيع أحمد موسى المقرب من الأجهزة الأمنية والذي استهجن تطبيق القانون في حيّ الدقي بمحافظة الجيزة.

من جهة ثالثة فإن بعض المواطنين أثاروا عدم دستورية القانون؛ لا سيما وأن القانون لن يطبق على جميع المواطنين، بل على عدد من الميادين والشوارع فقط، كما لن يطبق على المناطق الريفية وبالتالي فإن  القانون لا يتسم بأهم سمات التشريع الصحيح وهو العموم والشمول.  لكن القانون على هذا النحو جرى سنه لفئة معينة من الناس دون غيرهم.

علاوة على ذلك أثار آخرون مدى تطبيق القانون على  القاطنين في العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والتي ستنتقل إليهما مقرات الحكومة والوزراء؛ فالعاصمة الأدارية هي مشتى الحكومة بينما العلمين الجديدة هي مصيف الحكومة وكبار المسئولين لأنها تقع على الساحل الشمالي الذي يفر إليه  المسئولون صيفا كل سنة.

كما أشار بعض المواطنين إلى أن القانون يعد مخالفة صريحة للدستور، فالقانون رقم 121 لسنة 2008 "قانون البناء الموحد" يلزم العقارات الجديدة بوجود جراجات لمركبات الملاك أسفل هذه العقارات ومخالفة القانون يحاسب عليه مالك العقار وليس المواطن بتحصيل رسوم منه. إضافة إلى ذلك فإن المدن الجديدة التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية تعد حرمة خاصة يحافظ عليها الدستور، لأن الهيئة ألزمت هذه المدن بالبناء على مساحة 60% حسب المنطقة، على أن يستفيد المواطن من بقية المساحة في ركن سيارته أو مبيتها وخلافه.

 

ترجمة لإملاءات صندوق النقد

ويتفق خبراء على أن قانون السائس ما هو إلا ترجمة لإملاءات صندوق النقد الدولي ، حيث طالب بأن تكون لدى كل محافظة قدرة مالية خاصة بها بعيداً عن الموازنة العامة للدولة. معنى ذلك أن هناك المزيد من التشريعات التي تعزز ه ذا التوجه ولكنها ستزيد الأعباء المالية على المواطنين الذين باتوا يئنون من موجات  الغلاء التي لا تتوقف.

"السائس" أو منادي السيارات هو الشخص الذي يتولى صف السيارات بالشوارع والساحات بشكل عشوائي ودون سند قانوني، وغالباً ما يكون من العاطلين الذين يسيطرون بـ"البلطجة" على منطقة معينة يطلق عليه سائقو المركبات "عفريت العلبة"، حيث يستغل وأقرانه- وأغلبهم من أرباب السوابق الجنائية  أو"رد سجون"، وآخرون يجدون في المهنة ملاذاً سريعاً  لـ"الارتزاق"، ويباغت المواطنين ويتطفل عليهم ويرشدهم إلى مكان الركنة دون أن يتدخل لتقديم مساعدة حقيقية وسط غياب كامل من إدارات الحكم المحلي التي لا تتدخل لمنع الظاهرة.

ومع ارتفاع شكاوى الناس من "السائسين" تدخلت الدولة، لكن ليس لإنقاذ المواطنين وإنما لتحصيل تلك الأموال بدلاً من السائسين، حيث ناقش مجلس النواب السابق مشروع قانون من شأنه تنظيم ساحات انتظار المركبات بأنواعها المختلفة في الشوارع بإعداد ساحات انتظار.

وكشف مصدر بوزارة التنمية المحلية أن هناك ما يقرب من 6 آلاف موقف عشوائي للسيارات في المحافظات، لا تحصل الدولة منها على أي رسوم، ما يهدر على الدولة أكثر من 80 مليار جنيه سنوياً، مضيفاً أن الحكومة المصرية تستهدف تحصيل نحو 983 مليار جنيه (62.811 مليار دولار) من الضرائب خلال العام المالي الحالي 2021-2022، مقابل نحو 830.8 مليار جنيه (53.086 مليار دولار) كانت متوقعة خلال العام المالي 2019-2020، بنسبة زيادة تبلغ نحو 18.3%.

وانتشرت قائمة بأسعار صف السيارات أعلنها بعض رؤساء الأحياء بالجيزة في  الإشارة للبدء بتنفيذ القانون في  بعض شوارع حي الدقي وتحصيل الرسوم وفقاً للائحة التي تم اعتمادها، وهي: 10 جنيهات الانتظار المؤقت للسيارة الملاكي، و20 جنيهاً  الانتظار المؤقت للسيارة نصف النقل، و30 جنيهاً الانتظار المؤقت للحافلات الكبيرة، لكن الأزمة تفجرت بسبب تحديد سعر مبيت السيارة أسفل العقار بـ300 جنيه شهرياً.

المثير للشكوك أن الشركة الفائزة كما قال مصدر بالحي ــ بحسب عربي بوست ــ هي "الشركة الوطنية" دون إيضاح هل هي الشركة التابعة للقوات المسلحة التي تحمل نفس الاسم وتدير مشروعات محطات تموين السيارات بالبنزين، أم  هي شركة أخرى؟ أم أن المصدر خشي من الحديث عن هيمنة بيزنس العسكر على مفاصل كل شيء في مصر؟!

Facebook Comments