عندما أقر برلمان العسكر الموازنة الجديدة في يونيو 2021م كشفت الأرقام عن كوارث كبرى تعكس حجم التدهور الحاد في الوضع الاقتصادي؛ حيث تبلغ المصروفات  تريليون و837 ملياراً و723 مليون جنيه. بينما تبلغ الإيرادات  1.365 تريليون جنيه، بينما يقترب العجز من نحو 472 مليار جنيه،. وتبلغ الإيرادات الضريبية نحو 983.1 مليار جنيه، بنسبة 73% من جملة الإيرادات، والإيرادات الأخرى (غير الضريبية) بقيمة 380.6  مليار جنيه. أما إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة فتبلغ نحو 1.172 تريليون جنيه.

وأمام هذه السياسات المالية العقيمة التي يعتمدها نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي والتي تقوم على التوسع في الاقتراض والتوسع في فرض الرسوم والضرائب الباهظة، وجهت اثنتان من وكالات التصنيف الدولية الأكثر نفوذا وهما "موديز" (Moody’s) و"ستاندرد آند بورز" (Standard & Poor’s)- ومعهما أقوى بنك استثماري في العالم "غولدمان آند ساكس" (Goldman & Sachs) تحذيرا سريا شديد اللهجة لرئيس الانقلاب مفاده التحذير من هروب رؤوس الأموال من مصر بسبب ظروف التمويل المتقلبة في العالم والتي قد تجعل من مصر الضحية التالية.

وقال الكاتب جان بيار سيريني -في تقريره الذي نشر على موقع "أوريان 21" (Orient XXI) الفرنسي- إن ارتفاع نسب الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية قد يؤدي إلى خروج هائل لرؤوس الأموال من مصر -ومن جزء كبير من الدول الناشئة- وكذلك ارتفاع الدولار، مما يضعف الجنيه المصري ويثقل سداد الديون الخارجية المصرية، التي تفوق قيمتها 130 مليار دولار.

 

مكافأة الأجانب على حساب فقراء مصر

وينتقد الكاتب الإستراتيجية المالية لحكومة الانقلاب في مصر منذ اتفاقية 2016 مع صندوق النقد الدولي، موضحا أنها تهدف إلى منح مكافآت سخية لرؤوس الأموال الأجنبية لجذبها إلى البلاد، وبالتالي تمويل عجز الموازنة العامة للدولة وكذلك العجز في ميزان المدفوعات، وهكذا يصل مجمل احتياجات التمويل إلى رقم مذهل يبلغ 35% من الناتج المحلي الإجمالي، والحال أن هذا الرقم حتى في عام 2020 (أي في ذروة جائحة كوفيد-19) لم يصل إلى 10% في الدول الغربية الرئيسية.

ويعزو أسباب ذلك إلى أن القاهرة تستخدم أحد أعلى معدلات الفائدة في العالم: بين 13 و14% سنويا للقروض بالعملة المحلية، و7 إلى 8% للعملات الأجنبية. وبحسب وكالة "بلومبيرغ" (Bloomberg) المالية الأميركية، فإن أسعار الفائدة الحقيقية المصرية (أي سعر الفائدة الاسمي مقارنة بارتفاع الأسعار) هي الأعلى في العالم.

 

كارثة الديون

ورغم أن سياسة الاقتراض ــ وفقا للكاتب ــ  أتت بثمارها؛ حيث تعد مصر من بين الدول العربية القليلة التي شهدت نموا إيجابيا عام 2020 (بين 2 و3%)، وقاومت الوباء الذي أثر في المقام الأول على السياحة، وهو القطاع الرئيسي في الاقتصاد الوطني (10% من الناتج المحلي الإجمالي)، كما استمرت في جذب المدخرين الأجانب، في الوقت الذي شهدت فيه نصف الدول العربية انخفاضا في تصنيفها؛ ففي أقل من عام، تم ضخ أكثر من 20 مليار دولار لشراء سندات مالية حكومية، وهي المقرض الرئيسي. لكن الكاتب انتقد هذه السياسات وأشار  إلى أن الجانب السلبي لهذه العملية هو تداعياتها على تكلفة الميزانية، حيث تمثل الفائدة التي تدفعها الخزانة المصرية 45% من الإيرادات العامة، أي ما يقرب 10% من الناتج المحلي الإجمالي.

فإذا ارتفع الدولار -كما هو متوقع- سيتعين على القاهرة أن تحذو حذوه، وسيكون ذلك مستحيلا مع المستويات التي وصلت إليها بالفعل. في حين إذا قام الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) -الذي يواجه ارتفاعا في التضخم بأكثر من 2% سنويا- برفع معدلاته بمقدار نقطتين، فسيكون على البنك المركزي المصري أن يتبعه -على الأقل- ويفرض على المالية العامة عبئا لا يطاق.

ويتساءل الكاتب: ما الذي سيتبقى بعد ذلك لدعم أعباء الدولة الأخرى، بما في ذلك الإنفاق العسكري والأمني؟ وبالتالي، ستنتهي إستراتيجية الأموال باهظة الثمن، وسيتعين على المسؤولين المصريين حينها مواجهة أزمة مالية غير مسبوقة.

ويرى الكاتب ــ بحسب ترجمة شبكة الجزيرة نت ــ أن استئناف التضخم لا يساعد في حلحلة الأزمة، ويقلص هامش مناورة البنك المركزي المصري الذي كان يرغب في خفض أسعار الفائدة، لكنه أبقاها مرة أخرى عند مستواها المرتفع في 16 سبتمبر2021، ومن المتوقع أن يرتفع المؤشر العام للأسعار بنسبة 6.6% في 2021-2022 تحت ضغط التعرفة العامة للطاقة التي زادت بنحو 9% بعد التخفيض الكبير في دعم الكهرباء والوقود الذي تقرر قبل الصيف.

وهكذا يدفع المستهلكون مقابل الهدايا المقدمة للمضاربين الأجانب، وتقترح "ستاندرد آند بورز" إصلاح تمويل العجز المزدوج، واللجوء إلى استدانة أقل، وتفضيل الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يتمتع بميزة عدم إمكانية السداد. وحاليا، يمثل هذا الاستثمار 2% بالكاد من رؤوس الأموال الدولية الوافدة إلى مصر.

وهنالك سبب وجيه لذلك، إذ طوّق الجيش المصري القطاع الاقتصادي ولم يترك مجالا كبيرا للقطاع الخاص، وطنيا كان أو أجنبيا، بغض النظر عن المحروقات التي تستحوذ عليها شركة "إيني" الإيطالية.

ويضيف الكاتب أن مؤشر مديري المشتريات الذي يتتبع القطاع الخاص يتراجع منذ 4 أشهر، إذ لم ينس الجنرالات محاولة الرئيس الأسبق حسني مبارك وابنه تعزيز رواد الأعمال من القطاع الخاص بالخصخصة وبمزايا متعددة، لكن ثورة 2011 أطاحت بـ"الرأسمالية الصديقة"، وقام الجيش بهجوم لاحتلال قطاعات جديدة. وعلى أقل تقدير، منع المدنيين من العودة إلى مواقع قيادية في الاقتصاد المصري.

 

الدور المحوري للجيش

الحل الآخر -وفق الكاتب- هو تقليل ميزان العجز التجاري الذي وصل إلى مستويات قياسية (ناقص 46 مليار دولار عام 2019) وذلك عبر تعزيز الصادرات. ووفقا لستاندرد آند بورز، إن قاعدة التصدير ضعيفة بشكل كبير؛ إذ تبلغ بالكاد 13% من الناتج المحلي الإجمالي عند إضافة الخدمات (السياحة، وقناة السويس، إلخ) إلى المنتجات. وحاليا، تصدّر مصر بشكل رئيسي الأسمنت والأدوية ومنتجات الحرف اليدوية، في الوقت الذي تجاوزت فيه مدخرات العمال المهاجرين المرسلة إلى مصر (31.47 مليار دولار) عائدات الصادرات (25 مليار دولار باستثناء الهيدروكربونات).

ويشير الكاتب بسخرية إلى أن مصر تكسب من عمالة أبنائها في الخارج أكثر مما تكسبه من التصدير، ولإضافة المزيد من السلع الأكثر ربحا إلى هذه القائمة المتواضعة، يتعين الاستثمار في أنشطة جديدة، لكن السياسة المالية الباهظة للنظام لا تسمح بذلك، ولا تتمتع الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة بصلاحية الوصول إلى الائتمان المصرفي، وغير قادرة على تحمل الفائدة الربوية التي يتم فرضها بتوجيه من البنك المركزي المصري، في وقت تستثمر فيه الدولة في العقارات، وتركز جزءا كبيرا (غير معروف) من رأس المال المقترض لبناء عاصمة جاهزة شرق النيل.

أما بالنسبة للجيش، فهو يسعى قبل كل شيء إلى الحصول على أرباح المنافذ الوطنية التي غزاها بفضل المهارات الخاصة للجنرالات والدعم في جميع المجالات من الحكومة، ولم يتبق إذن الكثير من اللاعبين لتعزيز مبيعات التصدير. وفي ظل هذه الظروف، من الصعب رؤية كيف يمكن أن تنخفض حصة الدين الخارجي من 90% من الناتج المحلي الإجمالي اليوم إلى 84% عام 2024، كما تتوقع الحكومة المصرية.

ويبدي الكاتب اندهاشه من توقعات حكومة الانقلاب بتحقيق نسبة نمو قوية (+5.5% سنويا) وتستعين بوصفة سحرية قدمتها أكثر من مرة، وهي "الإصلاحات الهيكلية".  وفي الربيع، تبنى مجلس الوزراء رسميا برنامجا كبيرا للإصلاح الهيكلي، وهو "برنامج الإصلاح الهيكلي الوطني" من دون تحديد محتواه بدقة، مما ولّد شعورا بالإحباط لدى خبراء صندوق النقد الدولي، ومنذ ذلك الحين، لم يعاود الحديث عنه واقتصرت الإصلاحات على خفض الدعم، بينما تتعرض البلاد لخطر أزمة اجتماعية خطيرة مع بطالة في صفوف الشباب تجاوزت 25%.

Facebook Comments