كشف البنك المركزي عن ارتفاع ديون مصر الخارجية بقيمة 14.3 مليار دولار خلال العام المالي المنقضي 2020/2021، ليسجل 137.85 مليار دولار بنهاية يونيو 2021م مقابل 123.49 بنهاية يونيو 2020م، بنسبة زيادة سنوية تصل إلى 11.57%.  وكان حجم الديون الخارجية في يونيو 2013م 43 مليار دولار فقط. لكنه  قفز بشدة خلال السنوات السبع الماضية وتضاعف  ثلاث مرات.

وتقدر الفوائد المطلوب سدادها عن القروض المحلية والأجنبية في الموازنة المصرية الحالية(2021/2022) بنحو 579.6 مليار جنيه، وأقساط القروض بإجمالي 593 مليار جنيه، ليبلغ إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة نحو 1.172 تريليون جنيه.

وكان البنك الدولي أصدر بيانا، السبت 16 أكتوبر 2021م ،ذكر فيه أن ديون مصر قفزت من 36.77 مليار دولار في نهاية عام 2010 إلى نحو 131.58 مليار دولار بنهاية 2020، بنسبة زيادة بلغت 257%. بينما بلغت نحو 43 مليار دولار في يونيو 2013، ونحو 46 مليار دولار في يونيو 2014، أي أنها ارتفعت بنسبة تناهز 200% منذ تولي الدكتاتور عبد الفتاح السيسي السلطة رسمياً في 2014م.

وفي إبريل 2021م، قال رئيس لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان "فخري الفقي" إن الدين العام للبلاد تضاعف 5 مرات خلال 10 سنوات. وقال "الفقي"، خلال كلمته في الجلسة العامة أثناء عرض التقرير الذي أعدته اللجنة للحساب الختامي للموازنة المصرية، إن الدين العام في 30 يونيو 2020، بلغ أكثر من 4 تريليونات جنيه (حوالي 255 مليار دولار)، موضحًا أن هذه الزيادة نسبتها 486%، أي نحو 5 أضعاف ما كان عليه الدين العام في 2010؛ ما يعني زيادة كبيرة في نصيب الفرد من الدين العام سنويًا.

وأضاف "الفقي": "رصدت اللجنة ظاهرة تزايد أرصدة الديون المستحقة للحكومة عامًا بعد عام، بلغت في 30/6/2016 تقريباً 226 مليار جنيه، وارتفعت قيمتها 437 مليار جنيه"، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة حدثت في 4 سنوات فقط.

 

تجربة مريرة

مر المصريون مع صندوق النقد بتجرية شديدة الألم والمرار، فعندما اتفقت حكومة السيسي مع الصندوق على قرض الــ12 مليار دولار في  نوفمبر 2016م، شنت الآلة الإعلامية للنظام حملة إعلامية موسعة صورت الاتفاق على أنه "نصر مبين" و"شهادة ثقة"، وادعت أنه سينعش الاقتصاد الوطني ويؤدي إلى تدفق مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية على البلاد، وهو ما يوفر فرص عمل بالملايين ويحد من أزمة البطالة، كما سينعش قطاعات السياحة والصادرات وتحويلات المغتربين. لكن الذي جرى عكس ذلك تماما؛ إذا جاء أول قرار حكومي بعد الاتفاق صاعقا بتعويم الجنيه أمام العملات الأجنبية؛ والذي مثَّل ترجمة حرفية لأهم شروط صندوق النقد الدولي؛ وهو ما أفضى إلى إلى تبخر تحويشة المصريين وضياع أكثر من 50% من قيمة مدخراتهم بين ليلة وضحاها.

كما أفضى اتفاق حكومة السيسي مع الصندوق في نوفمبر 2016م إلى تدهور حاد في معيشة المصريين؛ فالصندوق أفقرهم وأذلهم وأربك معيشتهم، وقذفت سياسيات الصندوق وشروطه التي انصاعت لها حكومة السيسي بعشرات الملايين تحت خط الفقر المدقع والبطالة، وقضت على الطبقة الوسطى التي أسهمت بفعالية كبيرة في ثورة 25 يناير 2011م بما يعطي لاتفاق الصندوق مع النظام بعدا سياسيا يستهدف تكريس الحكم العسكري الشمولي والقضاء على مواطن المناعة الشعبية التي يمكن أن تهدد بقاء النظام ممثلا في الطبقة الوسطى.

«الأكثر خطورة أن الاتفاق مع صندوق النقد أسهم في ربط القرار الاقتصادي المصري بالخارج، حتى بات الصندوق يشرف بشكل مباشر على الموازنة العامة المصرية والإنفاق الحكومي ولا يتم اعتماد الموازنة إلا بضوء أخضر من مقر الصندوق في واشنطن».

وشهدت الموازنة العامة للدولة خلال سنوات مع بعد الاتفاق مع صندوق النقد خفضا للدعم المقدم للسلع الأساسية وزيادة الضرائب والرسوم بمعدلات قياسية، كما جرى فرض القيمة المضافة لأول مرة، ما أفضى إلى موجات من الغلاء الفاحش، إضافة إلى الشروع في خصصة شركات مربحة إذعانا لشروط الصندوق.وتسببت القرارات الحكومية التي تم تنفيذها بالتنسيق مع صندوق النقد في زيادات قياسية في أسعار السلع بما فيها الغذائية، وزيادات أخرى في أسعار الوقود خاصة البنزين والسولار والغاز، وهو ما أدى إلى رفع أسعار كل شيء، بداية من تذاكر المواصلات العامة وحتى كلفة نقل المحاصيل الزراعية. وكذا تم رفع فواتير الكهرباء والمياه والنظافة وغيرها من الخدمات العامة، واجراء زيادات في الرسوم الحكومية، بما فيها شهادات الميلاد والوفاة والزواج والطلاق، وصاحب كل ذلك زيادات في تذاكر مترو الأنفاق والقطارات، وهي وسائل مواصلات الطبقات الفقيرة والوسطى.

 

تحذيرات من التداعيات

وأمام هذه السياسات المالية العقيمة التي يعتمدها نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي والتي تقوم على التوسع في الاقتراض والتوسع في فرض الرسوم والضرائب الباهظة، وجهت اثنتان من وكالات التصنيف الدولية الأكثر نفوذا وهما "موديز" (Moody’s) و"ستاندرد آند بورز" (Standard & Poor’s)- ومعهما أقوى بنك استثماري في العالم "جولدمان آند ساكس" (Goldman & Sachs) تحذيرا سريا شديد اللهجة لرئيس الانقلاب مفاده التحذير من هروب رؤوس الأموال من مصر بسبب ظروف التمويل المتقلبة في العالم والتي قد تجعل من مصر الضحية التالية. وقال الكاتب جان بيار سيريني -في تقريره الذي نشر على موقع "أوريان 21" (Orient XXI) الفرنسي- إن ارتفاع نسب الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية قد يؤدي إلى خروج هائل لرؤوس الأموال من مصر -ومن جزء كبير من الدول الناشئة- وكذلك ارتفاع الدولار، مما يضعف الجنيه المصري ويثقل سداد الديون الخارجية المصرية، التي تفوق قيمتها 130 مليار دولار.

وينتقد الكاتب الإستراتيجية المالية لحكومة   الانقلاب في مصر  منذ اتفاقية 2016 مع صندوق النقد الدولي، موضحا أنها تهدف إلى منح مكافآت سخية لرؤوس الأموال الأجنبية لجذبها إلى البلاد، وبالتالي تمويل عجز الموازنة العامة للدولة وكذلك العجز في ميزان المدفوعات، وهكذا يصل مجمل احتياجات التمويل إلى رقم مذهل يبلغ 35% من الناتج المحلي الإجمالي، والحال أن هذا الرقم حتى في عام 2020 (أي في ذروة جائحة كوفيد-19) لم يصل إلى 10% في الدول الغربية الرئيسية.

ويعزو أسباب ذلك إلى أن القاهرة تستخدم أحد أعلى معدلات الفائدة في العالم: بين 13 و14% سنويا للقروض بالعملة المحلية، و7 إلى 8% للعملات الأجنبية. وبحسب وكالة "بلومبيرج" (Bloomberg) المالية الأميركية، فإن أسعار الفائدة الحقيقية المصرية (أي سعر الفائدة الاسمي مقارنة بارتفاع الأسعار) هي الأعلى في العالم.

Facebook Comments