أثناء مشاركته في احتفالية المولد النبوي التي أقمتها وزارة الأوقاف الإثنين 18 أكتوبر 2021م، جدد عبدالفتاح السيسي، رئيس الانقلاب العسكري، الحديث مرة أخرى عن أهمية تجديد الخطاب الديني. وقال السيسي إن "قضية الوعي وتصحيح الخطاب الديني" أصبحت "أولوية"، من أجل المضي في ما اعتبر "مسارا يؤسس لبناء دولة المستقبل".

وقال السيسي في كلمته إن "بناء وعي أي أمة بناء صحيحا يعد أحد أهم عوامل استقرارها وتقدمها في مواجهة من يحرفون الكلام عن مواضعه ويخرجونه من سياقه وينشرون الأفكار الجامحة الهدامة التي تقوض قدرة البشر على التفكير الصحيح والإبداع، لتنحرف بهم بعيدا عن تأدية الأوامر الربانية من تعمير وإصلاح الكون".

ودعا رئيس النظام المصري إلى "مضاعفة الجهود التي تقوم بها المؤسسات الدينية وعلماؤها لنشر قيم التسامح والعيش المشترك، والإيمان بالتنوع الفكري والعقائدي وقبول الآخر". كما أنه دعا إلى "تصحيح المفاهيم الخاطئة وتصويبها، ونشر تعاليم الدين السمحة للحفاظ على ثوابت وقيم الإسلام النبيلة". وأضاف أن "رسالة الإسلام التي تلقاها النبي الأكرم قد رفعت من قيمة العلم والمعرفة، وصولا إلى الوعي والفهم الصحيح لكل أمور الحياة".

https://www.youtube.com/watch?v=rmvonN1jBJ0

 ومنذ انقلابه المشئوم في 3 يوليو 2013م، أصيب  الجنرال بحالة من الهوس والهستيريا في ملف تجديد الخطاب الديني، ورغم أن الجنرال لم يتلق في حياته تعليما أزهريا وليس متخصصا في أي فرع من فروع العلم الشرعي والفقهي إلا انه عادة ما يتحدث مع علماء الأزهر وهيئة كبار العلماء بنبرة استعلاء، ويتمقص دور الأستاذ المعلم بينما يريد منهم أن  يكونوا تلاميذ نجباء لا يعصونه في يأمرهم ويفعلون ما يؤمرون دون مساءلة أو نقاش أو حتى إقناع.

هذا الهوس من جانب السيسي حول تجديد الخطاب الديني، دفع بعض الموالين له  والذين أيدوا انقلابه الدموي إلى انتقاد هذا التوجه، مطالبين الجنرال بالتوقف عن الاسترسال في هذا الخطاب "الهروبي"؛ محذرين من تفسير الأمر على أن إلحاح الجنرال وتكراره بلا ملل عن  تجديد الخطاب لديني ما هو إلا محاولة للهروب من "الفشل" في شؤون الدنيا ، بافتعال أزمة في أمور الدين.

من جانب آخر، فإن كل شيء منذ الانقلاب العسكري انقلب بالفعل؛ فالأحاديث "الدينية" الكثيرة للجنرال السيسي وشغفه بها أكثر من "السياسية"، وسعيه المستمر في كثير من المناسبات لتفسير أحداث سياسية من منطلق ديني، يمثل "تديين" للسياسة في مصر، وهو ما تعاظم منذ اللحظة الأولى لمجيء السيسي للسلطة، والحرص علي ظهور رموز دينية في المناسبات الرسمية بما فيها المناسبات السياسية والعسكرية.

في المقابل فإن "المؤسسات الدينية" تحولت بدورها للظهور كأنها "مؤسسات سياسية"، فأضحت البيانات الصادرة من الأزهر تصر على تأكيد أن 30 يونية "ثورة"، وأنه لا مجال للمصالحة السياسية مع الإخوان، وأن وزارة الأوقاف دشنت ما سمي "مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية" ليرد على الصحف الأجنبية والحركات السياسية الإسلامية، وينفي تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

والغريب أن مجلة فورين بوليسي، رصدت في تقرير مبكر لـ"روبرت سبرنجبورج" -وهو أستاذ العلوم السياسية بقسم شؤون الأمن القومي في الكلية البحرية الأمريكية وباحث متخصص في العسكرية المصرية- في سبتمبر 2014 هذا "التديين للسياسة"، يقول الكاتب إنه "يتوقع أن يستخدم السيسي الدين لإضفاء صبغة شرعية على حكمه الدكتاتوري، وهو ما لم يلحظه المراقبون الغربيون" على حد قوله.

وقال: "أصبحت المؤسسات الإسلامية في مصر في عهد السيسي أكثر من مجرد أدوات دعم للنظام؛ بل أضحت جزءًا من الطغيان نفسه، ومن المفارقات في حملة السيسي ضد التطرف الإسلامي، أن هذه الحملة نفسها هي نوع من التطرف الديني".

المشكلة أن هؤلاء الذين هاجموا التيارات الإسلامية وقالوا "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، لا يجدون غضاضة الآن في استخدم الدين لدعم السياسات الجديدة المتبعة وتبرير القمع باسم الله، كما كانت تفعل الكنيسة في دعمها لملوك الغرب في العصور الوسطى، ولا يعترضون على "تديين" السياسة، ما يصبغ هالة دينية "شرعية  زائفة" على كل ما يصدر عن السيسي أو الحكومة.

خطورة هذا "التديين" للسياسة وإسباغ الشرعية على تصرفات سياسية، من الطبيعي أن نتفق أو نختلف عليها، أنه يعطي المتطرفين من أنصار تنظيم داعش نفس "الشرعية" الدينية في تفسيرهم الديني لما يفعلونه من قطع للرؤوس على أنه "حلال" باعتبار أنهم "دولة" أيضًا. أما الأكثر خطورة هو: ماذا ستفعل هذه المؤسسات الدينية التي تدفع باتجاه "تديين السياسة" لحاكم بعينه، وتمارس هي دور "تسييس الدين"، حينما يتغير النظام السياسي الحالي -كما هي سنة الكون- ويأتي نظام أو حاكم جديد مختلف؟ وكيف تبرر مواقفها السابقة أمام أتباعها؟ والنتائج المترتبة على هذا وأبرزها انهيار صورة هذه المؤسسات الدينية وهيبتها في أعين الناس؟

الأمر الآخر أن ما تحتاجه المجتمعات العربية والإسلامية عمليا ليس تحرير السياسة من الدين، وإنما تحرير الدين من قبضة السياسة، لأنها هي من تستخدمه عمليا في تبرير القمع والفساد، وكل ذلك في معرض رفضها الإصلاح السياسي الحقيقي، ذلك أن أية قوة إسلامية لا يمكن أن يكون بوسعها الادعاء بأنها تمثل الدين في ظل كثرة الحركات واختلافها في تفسير النصوص وتباين طروحاتها.

من جانب ثالث، ثمة فرق بين من يطرح رؤاه الدينية ويعرضها على الجمهور بقوة الإقناع، وبين من يفرضها بسطوة الأمن والمال، ومؤخرا بسطوة الفضائيات الممولة من المال المسروق من جيوب الناس، بل يفرضها من خلال مصادرة المساجد برمتها، والحيلولة دون سماع الناس أي رأي يخالف الرأي الرسمي. وقد رأينا السيسي يقول على الملأ إنه "مسؤول عن القيم والأخلاق، وعن الدين أيضا".

الخلاصة أننا بحاجة إلى تحرير الدين من قبضة السياسة، أكثر من حاجتنا إلى منع استغلال الدين في السياسة، لأن أحدا في التاريخ لم يكن بوسعه ادعاء الحق المطلق في النطق باسم الدين.

Facebook Comments