في توحش عسكري غاشم ما كان يجرؤ عليه أي حاكم لمصر عبر عقود، ينتقم نظام السيسي من الغلابة بعدما قتل الآلاف وسجن عشرات الآلاف وطارد غيرهم، بقوة الدبابة العسكرية، غير عابىء بالانفحار المجتمعي، الذي تحذر منه الدوائر السياسية في الداخل والخارج، ويتعامى عنه السيسي ورفقاؤه من العسكريين. فوجىء المصريون خلال الساعات الماضية بالعديد من القرارات والاتجاهات الحكومية، حول سياسات أشد قسوة وتوحشا ضد قطاعات الشعب المصري الكادحة.
حيث يناقش مجلس نواب العسكر تعديل بعض أحكام قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية رقم 67 لسنة 2010، والهادف إلى خصخصة الخدمات المقدمة للمواطنين في قطاعات الكهرباء والمياه والنقل والصحة والتعليم، إيذانا بتحرير أسعارها.
وتوسع التعديل في أنماط الأعمال المسندة إلى القطاع الخاص في مشروعات التنمية الأساسية والمرافق والخدمات العامة، لتشمل أعمال التصميم والتمويل والإنشاء والتشغيل والاستغلال والصيانة، وإمكانية التعاقد على بعض منها، أو جميعها، بما يشمل ذلك من تمويل وتصميم وإنشاء وتشغيل واستغلال للمشروع وصيانته.

تحرير الأسعار 
وهو ما يتيح للشركات ومن ثم حكومة الانقلاب تحرير أسعار خدمات الكهرباء والمياه والصرف وغيرها من المرافق بداعي الارتباط بأسعار السوق والشركات المنفذة وهو ما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنيين.
وإلى جانب ذلك، أعلن وزير البترول ، طارق الملا الأحد، وقف إنتاج بنزين (80 أوكتان) والذي يُعرف بـ"بنزين الغلابة" بمجرد الانتهاء من التوسعات الحالية في معامل التكرير، لا سيما أنه يعد أقل أنواع البنزين كفاءة، وكثير من الدول تنظر إليه كنوع من التأخر والتخلف عن مواكبة مستجدات العصر.
وأضاف الملا، في ندوة لجمعية البترول المصرية، أن الكثير من دول العالم أوقفت إنتاج البنزين منخفض الجودة، وبالتالي لا توجد دول تستخدم بنزين (80 أوكتان) في الوقت الحالي، وهو ما تسعى الوزارة إلى تفعيله خلال السنوات المقبلة، عن طريق التوسع في إنشاء 7 مشروعات تكرير جديدة، بغرض تحقيق الاكتفاء الذاتي من الوقود بحلول عام 2023.
وكانت وزارة البترول بحكومة الانقلاب فرضت مؤخرا، زيادة ثالثة في أسعار الوقود حتى نهاية العام الجاري، وارتفع سعر بنزين (80 أوكتان) من 6.25 إلى 7 جنيهات لليتر في أقل من 6 أشهر، وبنزين (92 أوكتان) من 7.5 إلى 8.25 جنيهات، وبنزين (95 أوكتان) من 8.50 إلى 9.25 جنيهات.
ويستخدم بنزين 80 سيارات النقل والأجرة والألات الزراعية، ما يعني تضرر ملايين المصريين من القرار وارتفاع أسعار النقل والمواصلات والزراعة ما يفاقم الأزمات المعيشية لملايين المواطنين وخاصة الغلابة منهم.
ومنذ الانقلاب العسكري في 2013، تراجع دعم المواد البترولية في موازنة مصر للعام المالي 2021-2022 من 28.19 مليار جنيه إلى 18.41 مليارا، بنسبة خفض بلغت 35%، علما أنه كان يبلغ 145 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2017-2018، أي أنه تراجع بنسبة تزيد على 87% خلال أربعة أعوام مالية.

 

"تقليل الإنفاق" على الغلابة

وفي سياق العصف بحقوق المواطنين والطبقات الفقيرة والموظفين، وتحت شعار تقليل الإنفاق الحكومي، غير المطبق إلا على المواطن الفقير والغلابة فقط ويُستثنى منه قصور السيسي وطائراته ومنتجعاته الفارهة، قرر رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي مؤخرا، حظر التعيينات والترقيات في الجهاز الإداري للدولة، عدا الوظائف القيادية في الحكومة، بموافقة جهات وسلطات الاختصاص، أو إجراء أي تسويات أو تعديلات وظيفية، إلا بعد صدور قرار بذلك من رئيس مجلس الوزراء، ما لم يكن تنفيذا لحكم قضائي واجب النفاذ، وذلك لمدة 6 أشهر اعتبارا من 12 أكتوبر الجاري.
وأرجع مدبولي القرار إلى ترشيد الإنفاق العام في الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة، والهيئات العامة الاقتصادية، في ظل استمرار التداعيات السلبية لجائحة كورونا على موارد الموازنة، بحيث تسري قواعد الترشيد الواردة في القرار بنسبة 25% على الأقل من الاعتمادات المدرجة في الجهات الحكومية، شريطة ألا تؤثر على الخدمات التي تؤديها، أو الدور المنوط بها.
وحظر القرار الصرف على المنح التدريبية، ومكافآت التدريب، والمنح الدراسية في الداخل أو الخارج، وكذلك الصرف على اعتمادات الخدمات الاجتماعية، بخلاف الإعانات الاجتماعية الشهرية، أو الموسمية والرياضية والترفيهية للعاملين.
كما حظر زيادة عدد الاجتماعات، أو حضور الجلسات واللجان في الجهات الحكومية، عما تم في السنة المالية 2020-2021، مع خفض قيمة بدل حضور الجلسة أو الاجتماع الواحد بنسبة 50%.
ونص القرار على تجميد نسبة 25% على الأقل من الاعتمادات المالية لأوجه الصرف ببنود وأنواع الباب الثاني بموازنات الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2021-2022، و50% من المُدرج للخدمات الاجتماعية، بخلاف الإعانات الاجتماعية والمعاشات الضمانية، والرياضية لغير العاملين، والإعانات لمراكز الشباب، وحظر الصرف على الجوائز والأوسمة إلا بموافقة رئيس مجلس الوزراء.
كما حظر الصرف على الاشتراكات في الهيئات المحلية والدولية، والمساهمات بأشكالها كافة، إلا بعد موافقة وزارة المالية، والجهات ذات الاختصاص.

 

عصف بحقوق العمال

ويمثل القرار عصفا بحقوق الموظفين والعاملين بالدولة، يضاف إلى التوجيه الحكومي السابق في 24 سبتمبر الماضي، حيث وجه مجلس الوزراء خطابا إلى جميع الجهات الحكومية من وزارات وهيئات وشركات، يتضمن تعليمات سرية بفرض عقوبات إدارية على الموظفين الذين يرفعون دعاوى قضائية ضد الحكومة، سواء في مجلس الدولة أو محاكم أخرى وتسوية أي نزاع من خلال لجان فض المنازعات الحكومية بوزارة العدل، والتنبيه على المرؤوسين بعدم رفع دعاوى قضائية ضد أي جهة حكومية، واتخاذ إجراءات عقابية ضد من يقوم بذلك.
وجاءت التعليمات استكمالا لخطة حكومة الانقلاب إزاء تقليص عدد الموظفين في الجهاز الإداري للدولة، في ضوء برنامجها للإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، وسبقها تصديق السيسي على تعديل تشريعي يقضي بعدم جواز إصدار قرارات بشغل درجات أو وظائف خالية، أو التي تخلو أثناء السنة المالية، في أي من جهات الدولة بأي طريق، إلا بعد موافقة الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ووزارة المالية.
وتعول حكومة الانقلاب على آلية المعاش المبكر لخفض عدد الموظفين الحكوميين، وحظر التعيينات نهائيا على أبواب الموازنة المختلفة للجهاز الإداري، وقصرها على الاحتياجات الفعلية للجهات الإدارية، والحد من الإعلان عن الوظائف في الحكومة، إلا في حدود الحاجة الفعلية لها، وفي أضيق الحدود، ما تسبب في الاستغناء عن مليوني موظف تقريبا خلال الأعوام المالية الأربعة الماضية،
وتطال القرارات الإدارية الأخيرة جميع الخدمات المقدمة للمواطنين ما يمثل ضغطا اقتصاديا وإداريا جديدا على ملايين المصريين من المدنيين، فيما ينعم العسكريون في المزايا والزيادات بالرواتب والمعاشات والمكافآت وغيرها من التسهيلات التي من كثرتها حظر السيسي على الإعلام نشرها أو الحديث عنها.

تقليص الدعم التمويني
وبطريقة غير مباشرة ألمح السيسي وأجهزته لتقليص الدعم التمويني خلال الفترة المقبلة، وذلك خلال افتتاحه توسعات عمرانية بمنطقة حدائق أكتوبر، حينما تحدث عن أن مواطنا بمحافظة المنيا استخرج بطاقة دعم تمويني باسم، عبد الفتاح السيسي، يصرف بها التموين، مدللا بذلك على الفساد بمنظومة التموين والدعم، وهو ما تلقته الأذرع الإعلامية للنظام بمزيد من الأحاديث والانتقادات لمسلسل الفساد بالدعم التمويني، تمهيدا لتقليصه أو منعه خلال الفترة المقبلة.
وكانت وزارة التموين أعلنت مؤخرا انتهائها من دراسة التسعير الجديد لرغيف الخبز المدعم، وفق توجيهات السيسي الذي سبق وتحدث عنها في وقت سابق، عن عدم قبوله باستمرار تسعير الرغيف بنفس السعر لأكثر من ثلاثين عاما، ساخرا من أن سعر عشرين رغيفا يساوي سعر سيجارة واحدة.

Facebook Comments