أجلسهم السفاح المنقلب السيسي في بيوتهم بغلق المصانع والشركات وغلاء الأسعار، فذهبوا من وطأة البطالة إلى المقاهي يتبادلون الغضب والسخط على عصابة الانقلاب، فلاحقهم السفاح بقوافل من العمائم التي غرضها الطبطبة وتخفيف الألم، إذ يفاجأ رواد المقاهي الشعبية بشيخ أزهري معمم يتقدم شيخين آخرين، ويطلب الحديث مع الجالسين في شؤون الدين والدنيا.

ومن بين دخان الشيشة المتصاعد، يمكن ملاحظة علامات الدهشة الكبيرة تتقافز على ملامح رواد المقاهي، فتختلط نبرات تعجبهم مع كركرة الشيشة، وتمتزج مشاعر الترحيب بالريبة.

يقطع هذا الاضطراب البادي موعظة لبضع دقائق تتخللها آيات قرآنية وأحاديث نبوية يحض المشايخ بها الحاضرين على حسن الخلق، ثم يجيبون على بعض أسئلة الجالسين والدعاء للسفاح ولي الأمر قبل أن ينصرفوا، تاركين رواد المقهى غارقين في دهشتهم وانقسامهم ودخانهم.

 

فشل الإعلام

وعلى مدار ثماني سنوات فشل إعلام السفاح السيسي، الذي يديره اللواء عباس كامل وذراعه محمود نجل السفاح، في احتواء غضب وسخط المصريين على أوضاعهم الاقتصادية والصحية والتعليمية والغلاء والضرائب، وما بين حين وآخر يحدث تدهور أسرع من المتوقع مع العصابة وأذرعها الإعلامية.

وأصبحت عصابة الانقلاب أمام معضلة التعامل مع حقيقة مفادها "لقد فشلنا" وهو ما يعد سابقة خطيرة تنبئ بوصول إعلام السفاح السيسي لمرحلة عدم التوازن، أو كما يقولون بالمصري "الحيص بيص".

من جهته قال الإعلامي مسعد البربري إنه "يجب أن نفرق بين الإعلام الرسمي الذي يمثل الدولة التلفزيون والصحف القومية وبين الإعلام الذي تهيمن عليه الأجهزة الأمنية وهو قطاع واسع من القنوات والصحف الخاصة".

وأضاف، الأول التابع للدولة فشل، وسوف يستمر في فشله؛ لأنه يفتقر لمكونات وأسس المؤسسات الإعلامية الناجحة القابلة للنجاح، ولن تحل مشاكله بوزارة أو وزير أو غير ذلك، وكذلك المؤسسات القومية، وما جرى من نقاش حوله وكشف ما يعانيه من ترهل وفساد سواء للاستهلاك المحلي أو تصفية حسابات، ليس بجديد.

واستدرك، أما الإعلام الثاني، فهو الإعلام الخاص الذي تهيمن وتسيطر عليه الدولة بكافة أجهزتها السيادية، هو إعلام مؤثر ويعد منصة المنظومة الحاكمة في مخاطبة الجماهير، كما حدث في مداخلة السيسي ومن بعده وزير خارجيته مع أحد الإعلاميين على إحدى القنوات الخاصة.

 

فوائد طاعة الحاكم

وعلق أحد رواد المقاهي بعد انصراف الواعظ بالرفض لكل شيوخ الأزهر جملة معتبرا أنهم علماء سلطة، ويتكلمون بتعليمات أمنية، وأن العظة المقبلة ستكون حتما عن "فوائد طاعة الحاكم"، بينما أبدى الشخص الآخر لامبالاة تجاه الأمر كله.

ولطالما كان الوعظ في المقاهي والشوارع حكرا على الحركات الإسلامية الدعوية بمصر، كجماعة التبليغ والدعوة الحريصة على أخذ تصاريح أمنية قبل التحرك للدعوة، لكن عصابة الانقلاب خطت مؤخرا باتجاه اقتحام هذه الساحات بوعاظها المشتهرين بزيهم الأزهري المعتاد، عقب مبادرات سابقة مثل إقامة أكشاك للفتوى بمحطات المترو، وهي فكرة ماتت بعد ولادتها بأسابيع.

من جهته يقول مستشار وزير الأوقاف الأسبق الشيخ سلامة عبد القوي إن "هذه المبادرة لن تستمر طويلا، كما جرى لأكشاك الفتوى، لأنها جاءت في وقت غير مناسب، فالشارع المصري وتحديدا الفئة المستهدفة وهم شباب المقاهي لديهم انطباعات نمطية سلبية عن علماء الدين، رسختها الأعمال السينمائية والدرامية المصرية مؤخرا".

وتوقع أن تنعكس هذه الانطباعات السلبية على تعاملات الجماهير مع الوعاظ، ومقابلة مقدمهم عليهم في المقاهي بالاستخفاف، مما سيحبط المشايخ ويدفعهم لتأديتها بطريقة سد الخانة دون الحرص على نتيجة.

ويستدعي عبد القوي في هذا المقام سلوك الدعاة المتطوعين الذين كانوا يحتملون الأذى في سبيل الدعوة حسبة لله، وليس انتظارا لمكافأة وظيفية.

Facebook Comments