قبل خمس سنوات من الآن اجتاحت عاصفة مصرية من السخرية على وقع خطاب السفاح السيسي، الذي طالب المصريين بالتبرع لمصر بجنيه من رصيد هواتفهم النقالة، ليأتي رد المصريين بأن عصابة الانقلاب تحاول تبرير عجزها وفسادها بإلقاء اللوم على المواطن، واليوم يقوم المنقلب قيس سعيد بإعادة ذات السيناريو بحذافيره دون خجل من لقب "غشاش".

ودعا قيس سعيد مواطني تونس، داخلها وخارجها، إلى المساعدة في تعبئة الحاجيات المالية للدولة، ما أثار سخرية واسعة، وقال سعيد "سنعمل على إشراك المواطنين للخروج من هذه الأزمة ،  أتوجه بدعوة كل المواطنين للمساهمة في إيجاد التوازنات المالية المطلوبة".

 

صبح بدينار..!

ولم يشر سعيد إلى طبيعة هذه المساهمة أو وسائل تنفيذها، لكنه أكد أن "هذه الأموال التي يمكن أن نخفف بها وطأة الأزمة المالية، ستكون تحت الرقابة المباشرة لرئاسة الدولة والحكومة"، وشبه ناشطون دعوة سعيد بمبادرة السفاح السيسي الشهيرة "صبّح على مصر بجنيه".

وتفاقمت الصعوبات المالية في تونس إثر انقلاب سعيد على الحكومة والبرلمان في 25 يوليو الماضي، في ظل فشله بإيجاد حلول للأزمة.

ومثلت دعوة سعيد وحديثه المتكرر عن ضرورة التقشف إقرارا صريحا بحدة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد بحسب خبراء في الاقتصاد، وسط تساؤلات عن الخيارات المتاحة أمام حكومة الانقلاب التي تقودها نجلاء بودن لسد عجز الموازنة.

ومثل شؤم الانقلاب بمصر، سجل معدل الفقر في تونس ارتفاعا من 16.7 إلى 20.2%، وتوقع تقرير صادر عن البنك الدولي ارتفاع عدد الفقراء والذين يقفون على حافة السقوط في براثن الفقر من 16.7 إلى 20.1% من إجمالي عدد سكان البلاد.

وشهدت الطبقة المتوسطة تراجعا بعد أن كانت تمثل 70% من المجتمع التونسي عام 2011، وأضحت لا تتجاوز 50% عام 2020.

وتوقع البنك الدولي أن يرتفع الدين العمومي من 72% من إجمالي الناتج المحلي عام 2019 إلى 87% في عام 2020، وهو مستوى أعلى بكثير من المعيار القياسي لعبء الديون في اقتصادات الأسواق الصاعدة البالغ 70% من إجمالي الناتج المحلي.

ويرى مراقبون تونسيون أن دعوة سعيد للمساهمة في تمويل موارد الدولة والتعويل على الذات إقرار صريح باستحالة التوجه للاقتراض من المؤسسات المالية الدولية وحتى من الدول التي تدعم الانقلاب كالسعودية والإمارات.

وحث نشطاء مصريون  التونسيين بمواجهة الانقلاب مبكرا ، وإلا كان حالهم مثل حال المصريين، وتمنى النشطاء أن يستيقظوا يوما وقد أفاضت عليهم مصر من خيرها الذي يسلبه الفاسدون، مذكرين بمظاهر البذخ والمواكب التي يظهر فيها السفاح السيسي عند تنقله، ومتسائلين عن اختفاء دعوات التقشف في مثل تلك المناسبات.

 

إفلاس يتهدد تونس

ويرى النشطاء أن السفاح السيسي لا يختلف عن نظيره في تونس، فكلاهما يحاسبون الشعب بينما المفترض أن الشعب هو من يحاسبهما على تردي الأوضاع، مؤكدين أن الانقلاب فشل في تحقيق أدنى مستويات المعيشة للمواطنين، بل وزاد من سوء الأوضاع إلى حد ينذر بكارثة.

غير أن فريقا من مؤيدي السفاح السيسي تلقفوا تلك الدعوة، وأشادوا بها، مطالبين الشعب ليس فقط بالتبرع بجنيه وإنما بمبالغ أكبر حتى تخرج البلد من كبوتها، ويتغنون بحب مصر والسفاح.

ويرى مراقبون أن سعيد "يغش" من ورقة السفاح السيسي بحملاته لجمع التبرعات أصبح يمارس مهام ما سموه مدير جمعية خيرية، وليس رئيس دولة، مما يفقده أهلية الاستمرار في منصبه، مؤكدين أن أبسط واجبات الرئيس هي إقامة مشاريع تنموية والنهوض بالاقتصاد بخطط حقيقية تعالج المشاكل القائمة وتوفر الرفاه للمواطن.

من جهته قال غازي الشواشي، الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي "يبدو أن بعض الأشقاء رفعوا أيديهم عن مساعدة تونس ماليا، معتبرا أن تراجع بعض الأشقاء في إشارة لدول الخليج عن دعم تونس يعود للضبابية، وهو ما دفع سعيد إلى التشديد على ضرورة التعويل على القدرات الوطنية قبل البحث عن موارد من الخارج".

وأضاف، في تصريح إذاعي "الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، ولن تكون قادرة على القيام بالحد الأدنى المتعلق بإيقاف نزيف المالية العمومية أو ارتفاع الأسعار، والمسؤول الوحيد عن ذلك هو رئيس الجمهورية الذي وضع بيده كل المسؤولية. ومهمة الحكومة الآن تنحصر في تطبيق توجيهات رئيس الدولة وليس وضع السياسات، في حين أن البلاد مهددة بالانهيار والإفلاس والانفلات".

وكتب رفيق عبد السلام، القيادي في حركة النهضة "نادية عكاشة على اتصال مستمر بقرقاش وزير الدولة للخارجية الإماراتية، طلبا لضخ بعض المال في خزينة الدولة التي أوصلها الرئيس قيس سعيد للإفلاس، لكن جواب الرجل «أبشري» على طريقة أهل الخليج، ومعناها لا شيء غير بيع الكلام والأوهام.

وأضاف "سعيد يعد التونسيين بأنه سيجلب لهم الرخاء بعد الانقلاب، والإماراتيون يعدون سعيد بالعطايا بمجرد تنفيذ المهمة، لكن الحصيلة انعدام الرواتب وفقر وإفلاس يتهدد الجميع".

وقبل أيام، تحدث مسؤول كبير في البنك المركزي التونسي عن مفاوضات متقدمة جدا مع دولتي دعم الانقلاب السعودية والإمارات، لتمويل موارد الدولة التي تعاني نقصاً شديدا، دفع وزير التربية للتحذير من عدم تمكن الحكومة من تأمين أجور المعلمين، لكن يبدو أن الدولتين تخلتا ربما عن وعودهما السابقة، وفق بعض المراقبين.

 

Facebook Comments