"إذا كان قيس سعيد استلهم انقلاب مصر، فلا تستلهموا تجربة ثورتها، وخذوا على يد المنقلب قبل غرق السفينة"، ذلك النداء الذي بات يردده ويكرره بإلحاح كل مراقب وسياسي في مصر، عشية مقابلة أجرتها رئيسة وزراء حكومة الانقلاب التونسية الجديدة مع السفاح السيسي، أكدت فيها اهتمام عصابة الانقلاب في تونس بالاستفادة من قصة الانقلاب بمصر، ونقل تجاربها من خلال التنسيق الثنائي المكثف في المجالات الاقتصادية والأمنية.

يقول الدكتور محمد الصغير، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ووكيل اللجنة الدينية بالبرلمان المصري، ومستشار وزير الأوقاف السابق "بعد انقلاب السيسي انعقد مجلس الشورى المنتخب في ميدان رابعة ، وطالبت مع غيري بصدور قرار بعزل وزير الدفاع المنقلب، فُرفض الاقتراح ومُنعت من الكلمة ،  فهل سيكرر برلمان تونس نفس الخطأ؟".

 

قبل عام

حساب المدون العربي المعني بكواليس ما يجري في دواليب وأروقة الثورة المضادة "مجتهد"، كان قد حذّر في مايو من العام الماضي، أي قبل أكثر من عام، من إجراءات قيس الأخيرة بما أسماه ، الخطة الانقلابية التي تعدّها السعودية والإمارات في تونس لتسليم السلطة لنظام يقمع الإسلاميين، تحت شعار إنقاذ تونس من الفوضى.

ما حدث على أرض الواقع لاحقا كان مختلفا لدرجة تبعث على الريبة، بدا قيس سعيد والسفاح السيسي في حالة وئام غير مفهومة، يثني سعيد على السفاح وسياساته، فيأمر السفاح باصطحابه إلى جولات ميدانية في مناطق متفرقة من أنحاء مصر، يدعو السفاح سعيد إلى الاقتداء بما بات يعرف بـالتجربة المصرية في إنقاذ البلاد، فيبدي سعيد استحسانا للدعوة، ويعلن استعداده لاستقبال السفاح في تونس ودعم عصابة الانقلاب في ملف أزمة سد النهضة دوليا.

تقوم التجربة المصرية التي يروج السفاح السيسي إلى إمكان استنساخها في عدد من دول الربيع العربي، على عدة أركان وسياسات، من بينها استئثار شخص واحد بكل مفاتيح السلطة، فيما يعرف بـ"البونابرتية" أو المنقذ الذي ينهض لكبح الفوضى في البلاد وإعادة الأمن بعد فترة من عدم الاستقرار.

ويعتمد هذا المنقذ على الاقتراض لربط مصالح عصابة الانقلاب بالمجتمع الدولي، والتركيز على مشروعات المقاولات والبنية التحتية لإيهام المجتمع بأن هناك تغييرا ملموسا يحدث يمكن معاينته بصريا، وتوفير فرص عمل سريعة غير مستدامة في مجالات الإعمار، والدعوة إلى محاربة الإسلام السياسي السني، باعتباره مجرد قناع لدعوات الرجعية الدينية إلى الانقضاض على الدولة الوطنية، في الشرق وفي المغرب العربي.

 

عفريت السيسي

ومنذ زيارته إلى مصر، لوحظ تغير واضح في خطاب قيس سعيد تجاه الإسلاميين، حيث تبنى أطروحة ترى أن عوام المسلمين في جهة، والإسلاميين في جهة أخرى، وهي صلب أطروحة عصابة الانقلاب بمصر في دعواتهم إلى "تجديد الخطاب الديني" والتي تعني تسويغ استباحة خصومة الإسلاميين من داخل المنظومة الفكرية الدينية، كي لا يتهم العسكر بمحاربة الدين برمته.

وقد حذر بعض رموز حركة النهضة من ذوي البصائر من ذلك الوئام المقلق، الذي نشأ بين السفاح المصري والتونسي، مثل عبد الكريم الهاروني، الذي وصف خطاب سعيد منذ زيارته للسفاح السيسي بأنه خطاب أيديولوجي ينال من وحدة المجتمع التونسي والمذهب المالكي، ويخالف أصول العمل الدستوري في تونس، ويهدف إلى إقصاء الإسلاميين.

اعتبر النائب السابق ورئيس مرصد رقابة، عماد الدليمي أن "ما حصل في تونس من انقلاب دستوري تأثر كثيرا بأجندة إقليمية خليجية إماراتية سعودية مصرية، بالتنسيق مع فرنسا، لتغيير الأوضاع السياسية في تونس، في إطار حسابات إقليمية، بعضها مرتبط بالوضع التونسي وإفشال التجربة التونسية، التي كانت نموذجا لسنوات عدة، ولا تزال نموذجا يحتذى به من قبل العديد من الشعوب العربية".

 

إبعاد الإسلاميين

وقال الدليمي "هناك أجندة أخرى تتعلق بمحاولة إبعاد الإسلاميين عن الحكم، والتخلص من وجودهم، وأعتقد أيضا هناك حسابات تتعلق بالمصالح الاقتصادية المتمثلة في مشاريع إعادة إعمار ليبيا بعد هيمنة تركيا على المشهد الليبي، وهو ما يعكس التحركات الإقليمية التي حصلت والاتصالات العديدة في إطار الوضع التونسي".

ولكنه استبعد أن تلقى التجربة التونسية مصير نظيرتها المصرية قائلا "كان هناك التقاء بين غضب شعبي عارم وأجندة إقليمية، وتم إعداد العملية وفق خطة ممنهجة فيها تشابه مع ما حدث في مصر قبل أحداث 30 يونيو، لكن الوضع مختلف إلى حد ما في تونس، وأعتقد أن المآلات سوف تكون مختلفة؛ لأن هناك تمسكا في تونس بعدم المساس بالحريات، والعودة السريعة إلى المسار الديمقراطي والشرعية الدستورية، وأعتقد أن الأجندة الخارجية سوف تواصل التأثير في مستوى رئاسة الجمهورية، لكنها لن تحدد مستقبل تونس في المرحلة المقبلة".

من جهته؛ قال رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري، الدكتور عمرو عادل، إن "المنطقة تعاني من استبداد هيكلي بالسلطة، ليس فقط في رأسها، أي أن طبيعة تكوين مؤسسات السلطة استبدادية، وبالتالي هي تعادي الشعوب، والصراع بين الشعوب وبين السلطة، والسلطة مركزها العسكر في كل بلادنا، والشعوب القوة الضاربة لها هم  الإسلاميون، كما أن المعركة واحدة في كل بلدان المنطقة، مهما اختلفت أشكالها من صراع مسلح كما في ليبيا واليمن وسوريا أو غيرها".

وأضاف أن "مصر دولة محورية في منتهى الأهمية، وأي تغيير بها يسمح للشعب حقيقة بالاستقلال سيغير الكثير من التوازنات الإقليمية، ولذلك السيطرة على مصر وتحويلها لعصا غليظة ضد كل محاولات التحرر بالمنطقة قرار إستراتيجي، لذلك نجد تغافلا مؤلما من القوى الدولية عن كل تجاوزات النظام المصري".

واستدرك "لذلك لن تجد مكانا في المنطقة به صراع بين الشعب والسلطة إلا وتدخل فيه النظام المصري لصالح السلطة، فهو صراع في كل الإقليم، وغير مسموح بنجاح أي نموذج يتقاسم فيه الشعب السلطة، فمع كل التنازلات المؤلمة التي قامت بها النهضة لم يُترك لها أي مساحة".

Facebook Comments