نظمت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب حملة مساعدات لمنكوبي سيول أسوان تحت لافتة صندوق "تحيا مصر" وعنوان عريض" "تحت رعاية (…) السيسي.. وزارة الداخلية ترسل مساعدات لمحافظة أسوان"؛ وفرضت السلطة على جميع وسائل الإعلام التابعة لها (فضائيات ــ  صحف ــ  مواقع ــ كتائب إلكترونية) إبراز خبر الحملة وكواليسها والإشادة بدور وزارة الداخلية بهذا الشأن.

الخبر بهذه الصيغة مع إرفاق صورة رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي على شاحنات صندوق "تحيا مصر" أثارت كثيرا من الألغاز والتساؤلات حول دخل وزارة الداخلية بهذا الأمر؛ فإغاثة المنكوبين هو دور أساسي للدولة والحكومة؛ فلماذا تقاعست الحكومة وفضل النظام أن تكون الإغاثة عبر وزارة الداخلية وصندوق تحيا مصر؟

بالطبع نظم نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي حفلة كبرى على الخبر والطريقة التي تم بها إغاثة منكوبي السيول في أسوان؛ حيث تعامل نظام السيسي مع أهالي المحافظة المنكوبين بوصفهم منكوبي دولة صديقة أو شقيقة، وليس بوصفهم مواطنين مصريين يجب على الدولة إغاثتهم دون المن عليهم، لكن النظام استغل اللقطة من أجل الدعاية للسيسي باعتباره المنقذ وليس بوصفه المسئول الأول الذي يجب عليهم أن يغيب المنكوبين. وتساءل أحمد بدوي: "‏تحت رعاية الرئيس السيسي إرسال مساعدات لضحايا السيول في محافظة أسوان! فيه رئيس في الدنيا لما تحصل في بلده كارثة يبعت مساعدات تحت رعايته؟! هو احنا مش هنفوق بقى من الملهاه العبثية اللي عايشين فيها دي!!". وتعجب المصور الصحافي حسام السيد: "‏لدولة أسوان الشقيقة مثلا! والرئيس السيسي بيروق عليهم من جيبه مثلا!.

وكانت محافظة أسوان جنوب مصر تعرضت لعاصفة وموجة أمطار غزيرة، بدأت فجر السبت، واستمرت لعدة ساعات، مما أسفر عن سيول، تسببت في هدم وتضرر 500 منزل للمواطنين، ومنشآت حكومية، وجرفت مقابر، وأدت لإصابة مئات بلدغات الأفاعي والعقارب.

 

تلميع صورة الداخلية

الهدف واضح وضوح الشمس وهو تجميل صورة وزارة الداخلية والتي تحظى بسمعة بالغة السوء لأسباب كثيرة؛  أبرزها أن الفلسفة التي تقوم عليها الوزارة هي التعامل مع المصريين بوصفهم عبيدا لا يصلح معهم حتى يستقيموا على أمر الحكومة والسلطة إلا البطش والقمع، ويتلقى الضباط وهم بكلية الشرطة دورات حول طرق التعامل مع المواطنين تتحدث عن القانون واحترم القانون؛ لكنهم بمجرد تخرجهم والبدء في التطبيق العملي فإن قواعد التعامل مع المواطنين  تعتمد في مجملها على الشدة دون اكتراث للقوانين أو حتى حقوق الإنسان. أضف إلى ذلك السجل السيئ للوزارة في انتهاكات حقوق الإنسان وتحول التعذيب إلى منهج دائم دون خوف من العواقب؛ فلم يتم محاكمة ضابط واحد بسبب التعذيب أو انتهاكات حقوق الإنسان إلا نادرا للغاية في قضايا أفضت إلى قتل مواطنين حظيت باهتمام إعلامي واسع؛ لكن حتى هذه المحاكمات دائما ما تكون صورية لتهدئة الرأي العام، وتكون أحكامها مخففة للغاية، وغالبا ما يقضي الضباط المدانون هذه الأحكام في مقرات مرفهة تشمل كل وسائل الترفيه والتواصل مع الأهل والأقارب.

من جهة ثالثة فإن وزارة الداخلية تحظى بسمعة سيئة للغاية في ملف مكافحة المخدرات؛ لأن مقرات وأقسام الشرطة والسجون باتت أكبر أوكار تجارة المخدرات على الإطلاق. وقيادات الوزارة تعلم ذلك، وتعلم أن من يقف وراء تجارة المخدرات في مصر جهات نافذة في مؤسسات الدولة العليا؛ وهؤلاء فوق الدستور والقانون ولا يمكن أن تصل إليهم يد العدالة في ظل نظام قام على انقلاب عسكري وداس على الدستور والقانون وقتل الرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة. لأنهم في الوقت الذي تمردوا فيه على الرئيس الشرعي ودبروا انقلابهم كانوا يدوسون على الدستور والقانون بكل عنف يستوجب المحاكمة وفق كل الشرائع والقوانين السماوية والوضعية على حد سواء.

 

احتكار الدولة للعمل  الإغاثي

الدلالة الأهم من الصيغة التي جرى بها إخراج خبر القافلة الإغاثية وشاحنات صندوق "تحيا مصر" التي وضعت عليها صور ضخمة للسيسي، تبرهن على أن النظام ماض في احتكار العمل الإغاثي رغم أنه بالأساس عمل مدني تقوم به مؤسسات المجتمع المدني، لكن نظام السيسي أمم العمل الأهلي والإغاثي لحساب السلطة التي باتت تهيمن على كل شيء.

السيسي يريد بهذه القافلة الإغاثية أن يتصدر اللقطة و يحظى بأكبر قدر من الشو  الإعلامي رغم أن علاقته بالعمل الخيري في مصري تكاد تنعدم، فصورة السيسي في أذهان المصريين مرتبطة بجابي الضرائب الباهظة (نحو 80% من موارد الدولة من الضرائب) وجامع الرسوم المرتفعة والمسئول عن الغلاء الفاحش الذي ضرب كل صور الحياة في مصر وحوَّل حياة المصريين إلى جحيم لا يطاق؛ وبالتالي فإن السيسي يريد بهذه اللقطة الإعلامية ترميم صورته وشعبيته المتآكلة ليظهر حتى لو على حساب غيره في صورة من يتصدر أعمال الخير في البلاد. فهو هنا يشرف على عملية عطاء وليس عملية جباية كما هو معتاد، رغم أن إغاثة المنكوبين واجب الدولة، وهي لقطة أشرفت على إخراجها أجهزته المخابراتية والأمنية كجزء من الدعاية للسيسي والنظام ككل. والدليل على ذلك أن هذه القافلة مولتها تبرعات موسرين وخيرين من أبناء الشعب المصري، لكن الدعاية للسيسي؛ فهل كان ثمن القافلة من جيبه الخاص حتى يتم الدعاية له وتجميل صورته المشوهة؟!

معنى ذلك أن السيسي يوظف تبرعات المصريين سياسيا للدعاية لنفسه ونظامه، وهو سلوك مشين عاب القرآن فاعله بوصفه من الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويحب أن يرى على أكتاف الآخرين بلا مجهود منه. من جهة ثانية، فإن الهدف هو تكريس وضعية صندوق تحيا مصر باعتباره رأس العمل الخيري في مصر حتى لو كان ذلك على حساب باقي منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية في مصر التي أغلق الآلاف منها وجرى تأميم الباقي لحساب السلطة العسكرية.

Facebook Comments