قدَّم نظام  الجنرال عبدالفتاح السيسي استعدادا كبيرا للتعاون والانبطاح أثناء جلسات الحوار الإستراتيجي المصري – الأمريكي التي انعقدت في العاصمة الأمريكية واشنطن يومي 8 و9 نوفمبر 2021م، والتي قادها وزيرا الخارجية أنتوني بلينكن وسامح شكري.

في المقابل كان النظام العسكري في مصر والذي هيمن على الحكم بانقلاب عسكري في 3 يوليو 2013م ونسف به المسار الديمقراطي الذي كان في طور التشكل بعد ثورة 25 يناير 2011م، كان هذا النظام يتوقع في المقابل موقفا أمريكيا دعما للمواقف المصرية في ملف سد النهضة الإثيوبي بوصفه الملف الأكثر تهديدا للأمن القومي المصري؛ لكن إدارة بايدن خذلت السيسي؛ لأنها ببساطة لم تبلور إستراتيجية واضحة ومتماسكة بشأن هذا النزاع، حسبما يرى "فيديريكو دونيلي"، الباحث في "المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية".

ويفسر دونيلي الموقف الأمريكي بأن إدارة بايدن مترددة في استخدام نفوذها على واحد -أو أكثر- من المتنافسين في أزمة السد، بينما يبدو موقف الصين مختلفا، إذ يمنح إثيوبيا دعمًا دبوماسيًا كبيرًا، وهو موقف ينبع من احتياج بكين للطاقة التي سيولدها سد النهضة في تزويد المنطقة الصناعية الشرقية، المملوكة لها، على بعد نحو 32 كيلومتر من العاصمة أديس أبابا؛ ولذلك تركز إدارة "بايدن" على الأزمات الداخلية في السودان وإثيوبيا بدلاً من المساعدة في أزمة سد النهضة، حسبما يرى "دونيلي"، مشيرا إلى أن "الهدف الأساسي للبيت الأبيض حاليًا هو تجنب التصعيد الذي قد يجر القرن الأفريقي بأكمله إلى الفوضى".

ونوه الباحث بالمعهد الإيطالي إلى أن "الشعور العام هو أن التطورات المستمرة للأزمة الإثيوبية الداخلية سيكون لها حتمًا آثارًا كبيرة على قضية سد النهضة، وفي هذه الحالة، سيزيد نجاح رئيس الوزراء (آبي أحمد) في مواجهة التحديات الداخلية من تعقيد المفاوضات بشأن السد".  بينما "إذا غادر (رئيس الوزراء الإثيوبي) منصبه أو وصل الصراع الداخلي إلى طريق مسدود، فسيكون هناك مجالاً لإحياء المحادثات بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن سد النهضة كما يتوقع "دونيلي"، مشيرا إلى إمكانية متابعة الولايات المتحدة موقف الاتحاد الأوروبي في تعزيز الآليات المالية لتمكين مصر من تعويض إثويبيا في مقابل حل أزمة سد النهضة نهائيًا.

 

مصالح متبادلة

وبحسب المعهد الإيطالي، فإن الدعوة للحوار جاءت أمريكية بهدف إعادة ترتيب أوراق العلاقات بين واشنطن والقاهرة، لافتا إلى أن القاهرة مهدت لاسترضاء واشنطن بعدة إجراءت منها إطلاق  استراتيجية حقوق الإنسان وإلغاء الطوارئ وي المؤشرات التي كانت مرضية نسبيا للإدارة الأمريكية. وبحسب المعهد فقد ناقش الطرفان التعاون الدبلوماسي والعلاقات الاقتصادية الثنائية، والدور الإقليمي للقاهرة، والمخاوف بشأن سد النهضة الإثيوبي، والانقلاب العسكري الأخير في السودان، إضافة إلى حالة حقوق الإنسان في مصر.

واستند المعهد الإيطالي في تحليله لدلالات عودة الحوار المصري الأمريكي على آراء باحثيه الخبراء في شؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ومنهم "أليسيا ملكانجي"، التي اعتبرت أن إعادة إطلاق الحوار جاء في لحظة حاسمة في العلاقات المصرية الأمريكية، بعدما اتخذت إدارة "بايدن" موقفًا أكثر تشددًا تجاه ملف حقوق الإنسان، وفرضت شروطًا جديدة على مساعدتها الأمنية لمصر، ما دفع القاهرة إلى تحسين سجلها نسبيا في هذا الملف. لكن دور القاهرة ونشاطها الدبلوماسي في تحقيق الاستقرار بالمنطقة -كما في غزة وليبيا- أعاد تأهيل مصر كشريك أساسي للولايات المتحدة.

وتذهب ملكانجي إلى أن مصر تظل بحاجة إلى دعم اقتصادي وعسكري وسياسي من الولايات المتحدة لاستعادة دورها الإقليمي التاريخي، ولذا يمكن أن تدفع إدارة "بايدن" إلى تخفيف اهتمامها بقضية حقوق الإنسان مقابل استعادة القاهرة لدورها الإقليمي المفيد لواشنطن، بحسب الباحثة بالمعهد الإيطالي.

 

تراجع حقوق الإنسان

وترى الباحثة "إيمي هوثورن" أن إدارة "بايدن" تزعم أنها مركز حقوق الإنسان في العالم. لكنها في تعاملها مع مصر همّشت هذه الحقوق من أجل تعزيز العلاقات. وتعتبر "هورثون" عودة عقد الحوار الاستراتيجي -رفيع المستوى- بين البلدين مكافأة لمصر، وأحدث مثال على نهج إدارة "بايدن"، "ففي حين تقول الولايات المتحدة إنها أثارت ملف حقوق الإنسان في هذا الحوار، لم يذكره بيان الخارجية الأمريكية إلا بشكل عابر، لتجنب استعداء مصر"، على حد قولها.

الدافع الرئيسي للبيان، بحسب باحثة المعهد الإيطالي، هو إشادة الولايات المتحدة بمصر، بالإضافة إلى إعلانات الدعم الاقتصادي، وبيع طائرات هليكوبتر أباتشي بمليار دولار أمريكي. وتفسر ذلك بأن فريق "بايدن" يرى أن الاقتراب من النظام المصري سيخلق نفوذًا يمكن للولايات المتحدة استخدامه لانتزاع "تنازلات حقوق الإنسان الضئيلة جدًا"، لكن "هورثون" تؤكد أن الإدارات الأمريكية السابقة جربت هذه الاستراتيجية سابقا دون نجاح، وأن "التشدد مع مصر يبدو أكثر فاعلية فيما يخص ملف حقوق الإنسان"، مشيرة إلى أن "المخاوف من أن يعرض ذلك المصالح الأساسية للأمن القومي الأمريكي للخطر مبالغ فيها".

وينتهي تقييم الباحث "أوفير وينتر" للحوار المصري الأمريكي،  إلى أن تبادل المصالح الإقليمية تفوق على ملف حقوق الإنسان، مؤكدا أن "واشنطن بحاجة للقاهرة، كما هي القاهرة بحاجة لواشنطن"، لا سيما في سياق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فمصر هي الوسيط الوحيد بين إسرائيل وحركة حماس، كما أنها العائق الأخير في وجه تهريب الأسلحة من شمال سيناء إلى غزة، والفاعل الرئيسي المحتمل لتنفيذ عملية إعادة إعمار القطاع. ويرى "وينتر" أن موقع مصر الجغرافي الاستراتيجي، وتأثيرها السياسي، والاعتراف الواسع بدورها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -بما في ذلك من قبل معظم الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة- يساعد واشنطن في مساعيها لتحقيق الاستقرار في المنطقة. (وفقا للتصورات الأمريكية).

Facebook Comments