FILE PHOTO: Members of the Ethiopian National Defense Force are seen during a pro-government rally to denounce what the organisers say is the Tigray People’s Liberation Front (TPLF) and the Western countries' interference in internal affairs of the country, at Meskel Square in Addis Ababa, Ethiopia, November 7, 2021. REUTERS/Tiksa Negeri/File Photo

تترقب مصر ما سيسفر عنه الصراع الأهلي في إثيوبيا، في ظل تقدم قوات جبهة تحرير تيجراي نحو العاصمة أديس أبابا، حيث سيطرت على عدة مدن إستراتيجية في طريقها نحو السيطرة على العاصمة. وتزداد مخاوف آبي أحمد، رئيس الحكومة الإثيوبية، بعدما تمكنت جبهة تيجراي من تشكيل تحالف يضم  9 مجموعات مسلحة من عرقية الأورومو، كبرى العرقيات في إثيوبيا والتي تمثل نحو 35% من شعب إثيوبيا.

الترقب المصري لا يقف عند  النظام العسكري الذي يقوده الجنرال عبدالفتاح السيسي، لكنه أيضا يمتد إلى الشعب المصري كله الذي يهدد الجوع في ظل إصرار إثيوبيا على استكمال بناء سد النهضة وتحويل النيل إلى بحيرة إثيوبية بما يهدد بحرمان دولتي المصب مصر والسودان من حصتهما من مياه النيل.

وتنقل صحيفة "المونيتور" عن اللواء "محمد علي بلال"، نائب رئيس أركان القوات المسلحة السابق، قوله: "لا شك أن أي صراعات أو عدم استقرار في أفريقيا يؤثر على مصر لأننا ننتمي إلى هذه القارة.. وبالفعل تؤثر التطورات في إثيوبيا علينا بشكل مباشر فيما يتعلق بمسألة سد النهضة.. وإذا استمر الصراع لفترة طويلة سيكون من الصعب إيجاد طرف متماسك يتفاوض مع مصر؟ وسيزداد الأمر تعقيدا إذا وصلت جبهة تحرير شعب تيجراي إلى السلطة؟". وأضاف: "لسنا متأكدين مما إذا كانت جبهة تحرير شعب تيجراي تتفق معنا على آليات تشغيل السد لذلك تراقب مصر الصراع في إثيوبيا عن كثب.. وتريد القاهرة الاستقرار في أديس أبابا حتى تتمكن من التفاوض مع حكومة مستقرة".وتابع قائلًا: "أعتقد أن مصر تتشاور حاليًا مع الولايات المتحدة من أجل ممارسة ضغوط على أطراف النزاع لإنهاء الأزمة الحالية".

ووفقا لحسين هريدي، السفير المصري ومساعد وزير الخارجية الأسبق،  فإن نظام السيسي يفضل عودة الهدوء إلى أديس أبابا؛ من أجل مفاوضات بناء تسهم في التوصل لحل يكون قانونيا وملزما يلبي مصالح جميع الأطراف. ويخشى نظام السيسي من أن تؤدي الفوضى القائمة في إثيوبيا إلى عدم وجود طرف يمكن التفاوض معه وبالتالي ينعكس الصراع سلبا على إمكانية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، لذلك تأمل القاهرة في مزيد من الاستقرار في إثيوبيا لتكون قادرة على إدارة قضية سد النهضة بطريقة بناءة تخدم مصالح جميع الأطراف".

وفي حديثه عن مدى قدرة إثيوبيا على تنفيذ الملء الثالث لسد النهضة، قال أستاذ الجيولوجيا والمياه "عباس شراقي"،  إن هناك بعض الإجراءات التي يجب على أديس أبابا اتخاذها قبل تنفيذ الملء الثالث، بما في ذلك تجفيف المياه التي تمر عبر الممر الأوسط لتتمكن من رفعه بالخرسانة. وقال "شراقي": "يخزن كل متر من خرسانة الممر الأوسط ما يعادل نصف مليار متر مكعب من المياه. وعلى سبيل المثال، إذا نجحت إثيوبيا في رفع الممر الأوسط بمقدار 20 مترًا فيمكنها تخزين 10 مليارات متر مكعب. ومع ذلك لا تزال المياه تمر فوق الممر الأوسط وفقًا لصور الأقمار الصناعية".

وأعلنت إثيوبيا أنه من المتوقع أن يبدأ سد النهضة في إنتاج 700 ميجاواط من الكهرباء في عام 2022، مما يرفع قدرة توليد الكهرباء في البلاد بنسبة 14%. ونفى "شراقي" أن تكون إثيوبيا قد نجحت في تخزين 18.5 مليار متر مكعب خلال التعبئة الثانية كما زعمت، قائلاً: "ارتفاع خرسانة الممر الأوسط  يكفي عمليًا لتخزين 8 إلى 9 مليارات متر مكعب فقط".

 

أسباب الصراع

يتعين التنويه إلى أن الحرب الأهلية الدائرة بين الحكومة المركزية برئاسة آبي أحمد من  جهة، وجبهة تحرير شعب تيجراي وبعض الفصائل من عرقية الأورومو من جهة أخرى لا علاقة لها بسد النهضة؛ فالجبهة تدعم المشروع بوصفه مشروعا وطنيا وليس مشروع آبي أحمد، لكن الصراع يرتبط بشكل وثيق برفض الجبهة لاحتكار آبي أحمد للسلطة وعمله الدؤوب على تهميش المنتمين لإقليم تيجراي والذيين ظلوا يحكمون إثيوبيا لعشرات السنين، كذلك يرفضون محاولته إلغاء النظام الفيدرالي وتكوين دولة مركزية. وترغب الجبهة في فك الحصار الذي تضربه قوات الحكومة المركزية على الإقليم بعد أن عرقلت الحكومة وصول المساعدات الإنسانية لسكان المنطقة.

ومن ناحية أخرى، ترفض "جبهة تحرير شعب تيجراي" تسليم أي جزء من الأراضي لإريتريا، وتطالب بانسحاب الجنود والمليشيات الإريترية من المنطقة لا سيما وأن الجبهة تتهم "أحمد" بالتقارب مع إريتريا على حساب مصالح وشعب تيجراي. وبعد أشهر قليلة من توليه السلطة، وقع "أحمد" اتفاق سلام مع إريتريا في 2018 وحصل على جائزة نوبل للسلام في 2019، ولكن ذلك أثار غضب سكان منطقة تيجراي، وبدأت "جبهة تحرير تيجراي" في التجهيز لتجدد الصراع مع الجيش الإثيوبي.

وفي 4 نوفمبر 2020، نفذت "جبهة تحرير شعب تيجراي" هجوماً على القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي في مدينة ميكيلي عاصمة تيجراي، ما دفع "أحمد" إلى إرسال قوات من الجيش الإثيوبي إلى تيجراي. ونجحت تلك القوات بعد 3 أسابيع من المعارك في إحكام قبضتها على المنطقة، ما أجبر قادة "جبهة تحرير شعب تيجراي" على الفرار إلى الجبال القريبة.

وأعلن "أحمد" على الفور وقف الأعمال العدائية في 28 نوفمبر2020، ما دفع قوات "جبهة تحرير شعب تيجراي" إلى العودة تدريجيًا إلى المنطقة حتى تمكنوا من السيطرة الكاملة عليها في يونيو 2021م، وهكذا تجدد الصراع مرة أخرى.

 

تداعيات الحرب

وبسبب الحرب الأهلية الدائرة حاليا في إثيوبيا، يواجه نحو 5 ملايين شخص نقصا حادا في الغذاء ويحتاجون إلى مساعدات عاجلة، فيما يقف نحو 350 ألف شخص على شفا المجاعة.  وعانت تيجراي من مجاعة بين عامي 1983 و1985 أسفرت عن مقتل أكثر من مليون شخص وشردت أكثر من مليوني شخص داخليًا، وفقًا لتقارير المنظمات الأمريكية المعنية بالمساعدات الغذائية.

وتعد منطقة تيجراي موطنًا لـ7 ملايين شخص من بين 122 مليون نسمة في إثيوبيا، وهي ثالث أكبر مجموعة عرقية في البلاد بعد الأورومو وأمهرة. وتنقسم إثيوبيا إلى 10 ولايات إقليمية بموجب نظام فيدرالي يمنح كل مجموعة عرقية الحق في إدارة منطقتها وتحديد مصيرها. ويحاول رئيس الوزراء "آبي أحمد" التراجع عن ذلك، وقد وصف ما فعلته تيجراي – حين أجرت انتخابات إقليمية في سبتمبر 2020 – بأنه تجاوز للخط الأحمر.

ولمواجهة تقدم "جبهة تحرير شعب تيجراي" والقوات المتحالفة معها نحو العاصمة، اتخذت الحكومة الإثيوبية العديد من القرارات أبرزها فرض حالة الطوارئ على الدولة بأكملها لمدة 6 أشهر. كما دعا "أحمد" الإثيوبيين إلى تسجيل أسلحتهم والاستعداد للدفاع عن أنفسهم والأحياء التي يعيشون فيها والتبرع بأموالهم للجيش الإثيوبي. ودعا "أحمد" الجنود المتقاعدين للانضمام إلى صفوف الجيش الإثيوبي مرة أخرى لمواجهة قوات تيجراي.

وبحسب تصريحات "جيتاتشو رضا"، المتحدث باسم "جبهة تحرير شعب تيجراي"، فإن "قوات الجبهة تخطط للإطاحة بالحكومة الحالية ومحاكمتها وتشكيل حكومة مؤقتة والدعوة إلى حوار وطني". وإجمالا، يبدو أنه لا نهاية قريبة للصراع الحالي في إثيوبيا بالرغم من دعوات مجلس الأمن إلى وقف إطلاق النار. وفي غضون ذلك، ستظل مصر تتابع الأوضاع عن كثب لتقدير تداعيات هذه التطورات على ملف سد النهضة.

Facebook Comments