بدلا من أن يوجه السيسي مليارات الجنيهات نحو تنمية المشاريع والخدمات التي تخص المواطن، أو تنهض بمستوى معيشة الفقراء، الذين يتزايدون يوميا لأكثر من 80 مليون مصري، ينفق السيسي ونظامه العسكري على برامج التجسس المليارات من أجل مراقبة المصريين، على الرغم من اعتقال آلاف المعارضين ورافضي الانقلاب،  وخروج الملايين من مصر هربا من بطش القمع العسكري، ويأتي الإنفاق المالي الكبير من السيسي  على برامج التجسس بعد سلسلة غير نهائية من  الصفقات والعمولات المتعلقة بالأسلحة الفرنسية ، والتي باتت مصر بسببها المستورد الأول للسلاح الفرنسي، غير المناسب لمصر بالمرة كطائرات الرافال الاستعراضية وحاملات الطائرات المنسترال.

وفي هذا السياق، نشر موقع «ديسلكوز» الاستقصائي الفرنسي حلقة جديدة من سلسلة تحقيقات «أوراق مصر Egypt Papers»، تحت عنوان «مراقبة صُنعت في فرنسا».

واعتمد «ديسكلوز»، في هذه السلسلة، التي نُشر منها حتى الآن أربع حلقات، على المئات من الوثائق العسكرية الفرنسية السرية التي حصل عليها من خلال أحد المصادر دون تسميته.

وكشفت الحلقة الجديدة أن ثلاث شركات فرنسية نقلت تكنولوجيا برامج التجسس إلى الحكومة المصرية، وأشرفت على تشغيل شبكة مراقبة تهدف إلى جمع المعلومات بشكل جماعي من شبكات الاتصالات في مصر.

 

فضيحة بالمستندات

ووفقا لمئات المستندات التي حصل عليها «ديسلكوز» في تحقيقه المشترك مع موقع Télérama، فازت شركة Nexa Technologies بعقد قيمته 11.4 مليون يورو عام 2014 لتثبيت برنامج مراقبة على الإنترنت يسمى Cerebro، بينما فازت Ercom-Suneris بعقد تقارب قيمته 15 مليون يورو في نفس العام لتثبيت جهاز تنصت وتحديد الموقع الجغرافي يسمى Cortex vortex، كما تم التعاقد مع شركة الأسلحة الفرنسية العملاقة Dassault Système لتوفير برنامج بحث والوصول إلى المعلومات لربط البيانات المزمع جمعها بقاعدة البيانات الوطنية المصرية.

وDassault Système هي شركة تابعة لمجموعة «داسو» المالكة للشركة المصنعة لطائرات رافال، وكذلك المالكة لطائرات فالكون، التي اشترت منها الرئاسة المصرية أربع طائرات عام 2018، كما أنها تمتلك صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية.

وأضاف تقرير «ديسكلوز» أن مصر قامت أيضا ببناء خادم بيانات (Server) عملاق بالتعاون مع شركة DataDirect Networks الأمريكية، واشترت أجهزة كمبيوتر Dell جديدة، وسيطرت على حركة المرور من كابلات الإنترنت البحرية التي تربط البلاد بأوروبا من أجل تحليل البيانات.

ووفقا لمعاهدات الأسلحة للاتحاد الأوروبي التي تعد فرنسا طرفا فيها، يجب الموافقة على تصدير التقنيات ذات الاستخدام المزدوج من خلال عملية تنظيمية على مستوى الدولة، وبحسب ما كشف «ديسكلوز»، تمت الموافقة على تصدير Cerebro وCortex من قِبل هيئة تابعة لوزارة الاقتصاد الفرنسية مكلفة بتنظيم تقنيات الاستخدام المزدوج.

وبحسب وثائق موقع «ديسكلوز» فإن طلب Nexa أشار إلى الموافقة على «توفير خدمات لمصر تتعلق بتنفيذ نظام اعتراض قانوني للملكية الفكرية في سياق مكافحة الإرهاب والجريمة»، وتضمن العقد 550 يوما للتركيب و200 ساعة للتدريب.

وفي تعليقها لـ«ديسكلوز» قالت شركة Nexa «لو كان لدى الدولة الفرنسية أدنى شك بشأن توريد سيريبرو Cerebro إلى مصر، لكانت قد رفضت تصدير التكنولوجيا وعارضت البيع».

 

أوراق مخزية

وفي حلقة أخرى من أوراق مصر Egypt Papers، نشرها «ديسكلوز» تحت عنوان في خدمة مبيعات السلاح، كشف أن الدولة الفرنسية جنّبت دبلوماسييها وأبعدتهم عن مشهد العلاقات مع القاهرة، فيما تصدر المشهد وزير الدفاع حينها، ووزير الخارجية الآن، جان إيف لودريان.

وقال التقرير في 14 نوفمبر 2013، وخوفا من تفويت ما وصف بأنه منجم تجاري لصناعة السلاح الفرنسي "سافر طاقم عسكري فرنسي إلى مصر لخوض مناورات دبلوماسية، أرسل المستشارون العسكريون للحكومة الفرنسية مذكرة إلى مديرية التعاون الأمني والدفاع في وزارة الخارجية أكدوا فيها على الفرص التجارية مع مصر، قائلين ، لبيع الأسلحة عليك أن تغض النظر عن قمع النظام السياسي».

وأشار التقرير إلى أن المهندس الرئيسي لهذه الدبلوماسية السرية كان جان إيف لودريان، وزير الدفاع في حكومة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، ووزير الخارجية الحالي، وبالفعل أثمرت جهوده على الفور، فبين عامي 2014 و2015، أبرم مندوب المبيعات المتجول (بحسب وصف التقرير) عقودا لتوريد أربع طرادات وفرقاطتين بحريتين، بالإضافة إلى طائرات رافال، وجاءت قيمة تلك العقود بالمليارات من اليوروهات، ليتجاوز في ذلك صلاحيات الدبلوماسيين ووزير الخارجية حينها، لوران فابيوس".

وأورد الموقع أنه في هذا الصدد قد طُلب من الدبلوماسيين الفرنسيين التزام الصمت بشأن القمع الذي لا ينتهي، ويعطي الفرصة للجماعات الجهادية المحلية للتجنيد والاستقطاب، وأن ذلك طُبق حتى في الاجتماعات السرية للجنة المشتركة بين الوزارات لتصدير المعدات الحربية، والتي كانت منهمكة في ذلك الوقت في النظر في طلبات تصدير السلاح إلى مصر.

وضرب الموقع مثلا باجتماع يوم 26 مايو 2016 والذي كان مخصصا لبحث طلب بيع 25 ناقلة جنود مصفحة مزودة بأبراج للمدافع بقيمة 34.4 مليون يورو، فقد عارضت وزارة الخارجية طلب التصدير، بسبب الخوف من استخدام المدرعات في القمع الداخلي، غير أن مكتب وزير الدفاع تجاهل تلك المخاوف، وأكد أن تلك المدرعات مخصصة للوحدات المنتشرة في سيناء وتساهم في الحرب على الإرهاب.

وفي تقرير ثانٍ عن الحلقة الأولى من السلسلة «سيرلي»، كشف «ديسكلوز» تحت عنوان مرتزقة السماء المزيد من التفاصيل عن العملية الاستخباراتية السرية المشتركة بين مصر وفرنسا، التي بدأت في فبراير 2016 في منطقة قريبة من مدينة مرسى مطروح.

وقال الموقع إنه "منذ عام 2010 دأبت كل من وكالة الاستخبارات الأجنبية الفرنسية ووكالة الاستخبارات العسكرية الفرنسية على التعامل مع شركة CAE Aviation الواقعة بالقرب من مطار لكسمبورج، وذلك في العمليات ذات الطابع الاستخباري الجوي، والتي تتطلب نوعا محددا من طائرات المراقبة مختلفة عن الطائرات بدون طيار، بحيث تتيح التحليق على ارتفاعات كبيرة وتقتصر مهامها فقط على المراقبة وليس الاستهداف".

 

إحكام المراقبة

وأردف الموقع أن ذلك جعل CAE Aviation هي المرشح الأول لتلبية الطلب المصري من الجانب الفرنسي بمساعدته في إحكام المراقبة على الحدود الغربية الممتدة 1200 كيلومتر، موضحا أن هذه العملية لم تقتصر فقط على استجلاب الطائرة من الشركة، وإنما شملت كذلك فريقا فرنسيا مكونا من طيارين اثنين وأربعة تقنيين.

وأضاف الموقع أن الفريق وصل إلى مصر في فبراير 2016 برفقة أربعة عسكريين من الجيش الفرنسي، وأنهم تلقوا تعليمات بالخروج من محل إقامتهم من أجل تنفيذ المهام فقط وحظر التعامل مع أي عناصر محلية، موضحا أن «الفريق بالطبع لم يستغرب تلك التعليمات، فجميعهم من العملاء السابقين».

وأضاف أن العمليات عادة ما كانت تستغرق ما بين خمس وست ساعات، وفيما كان يشارك في كل رحلة جوية طيارين اثنين وآخرين تقنيين، كان يبقى تقنيان آخران في القاعدة لتلقي ومعالجة المعلومات الآتية من الطائرة.

وطبقا للتقرير، فإن المهمة العسكرية المشتركة بين البلدين، التي سُميت «سيرلي» كان هدفها توفير معلومات استخباراتية عن المسلحين الذين يشكلون خطرا إرهابيا على مصر من خلال حدودها الغربية، لكن أعضاء فريق الاستخبارات الفرنسي لاحظوا استخدام الجانب المصري للمعلومات لاستهداف مهربين لا علاقة لهم بالإرهاب، وقد أبلغ أعضاء الفريق الفرنسي رؤساءهم بهذه التجاوزات عدة مرات.

واعتبر التقرير أن القوات الفرنسية تورطت في استهداف 19 هدفا مدنيا خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2018، وذلك بتوفيرها معلومات استخباراتية مكنت الجانب المصري من تنفيذ هذه الهجمات.

أحد هذه الهجمات التي استهدفت مدنيين جرت في 6 يوليو 2017، حين قُتل ثلاثة مواطنين في الواحات البحرية إثر سقوط صاروخ عليهم.

وكان المهندس العامل في رصف الطرق، ويُدعى أحمد الفقي، قد توجه بسيارة دفع رباعي ومعه ثلاثة عمال من الواحات إلى أحد الآبار في منطقة المناجم، وعند وصولهم نزل أحد العمال لملء المياه وانتظر الثلاثة الآخرين في السيارة، وخلال هذه اللحظات مرت طائرة على ارتفاع منخفض، وضربت السيارة بصاروخ ووابل من الطلقات، ما أسفر عن مقتل الثلاثة، بينما لم يُصب العامل الرابع بأذى.

هذه الجرائم البشعة من قبل السيسي بحق المصريين ، سواء بقتلهم بطرق وحشية تستوجب المحاكمة العاجلة لأركان النظام الوحشي، أما فيما يخص البرامج التي يجلبها السيسي للتجسس على المصريين، فينبغي أن تتحرك المنظمات الحقوقية عليها كمسار قضائي ضد فرنسا وضد السيسي بالغرب، لتجاوزها الأخلاقي وتهديدها للأمن المجتمعي.

Facebook Comments