مجددا تطفو ظاهرة الانتحار على السطح  في موجة غلاء  غير مسبوقة في ظل تواصل فشل حكومة الانقلاب بقيادة السفيه السيسي ، فقد قام شاب ثلاثيني بإنهاء حياته أسفل عجلات قطار مترو محطة الدقي، بالخط الثاني للمترو شبرا الخيمة المنيب، لتشهد المحطة زحاما شديدا على أرصفة المحطات، وسط قناعة الركاب بأن الشاب ما عاد يستطيع تحمل القهر والفقر والبطالة والغلاء وغياب الأمل.

وقال أحمد عبدالهادي، المتحدث الرسمي باسم شركة مترو الأنفاق إن "شابا ثلاثينيا ألقى نفسه، أمام أحد قطارات الخط الثاني لمترو الأنفاق، وتحديدا بمحطة الدقي، مما أدى إلى دهسه ومصرعه على الفور، كما انشطرت جثته نصفين".

مؤكدا أنه تم انتشال الجثة من على قضبان السكة الحديد، ونقله إلى مشرحة زينهم، وعادت حركة القطارات إلى طبيعتها، موضحا أن حركة القطارات تعطلت لنحو 5 دقائق لحين انتشال جثة الشاب المنتحر من على شريط قضبان السكة الحديد.

 

نتيجة الفشل السياسي والقهر

ما تزال حالات الانتحار وانتشارها بين المصريين هي الموضوع الأبرز بين المراقبين، مؤكدين أن السفاح عبد الفتاح السيسي هو أول المسؤولين عن تزايد هذه الحالات.

وأكد المراقبون أن الفشل السياسي والتدهور الاقتصادي والاجتماعي، والقمع الأمني من أهم الأسباب التي أدت إلى تفشي ظاهرة الانتحار بين الشباب.

وفصّل المراقبون مسببات الانتحار بين الشباب ومنها الشعور بالخطر المستمر من انعدام الأمن والتشرد والجهل وأبناء الشوارع والفقر والفساد والشعور بالظلم وانعدام الأمان الوظيفي وانسحاق الحريات.

آخرون رأوا أن زيادة ظاهرة الانتحار يعود لغياب دور الجماعات الدينية في الشارع بعد قمعها من النظام العسكري، قائلين إن "الجماعات الدينية قبل الانقلاب العسكري كانت تقوم بتوعية المواطنين، وتقريبهم من خالقهم، والاستماع إلى مشاكلهم ومحاولة إيجاد حلول لها أو مؤازرتهم، لكن الآن كل ما يجده الشباب هو التجاهل التام والتنمر من كل المجتمع.

ورأى مراقبون أن انعدام فرص العمل المناسبة لمؤهلات الشباب، جعلتهم غير قادرين على تحقيق أحلامهم، ومن ثم إصابتهم بالإحباط والاكتئاب، خاصة مع رؤيتهم نماذج منعدمة الشهادات والمؤهلات، إلا أنها ذات ثراء فاحش أمثال المطربين والممثلين، مما يزيد من العبء النفسي على الشباب، معتبرين أن ذلك مثالا لانعدام المساواة الاجتماعية.

البعض أكد أنه رغم انتشار تلك الحالات في المجتمع لا يعني أنها محصورة بهذا العدد فقط، مؤكدين أن معظم رسائل الانتحار "تشبهنا، تشبه مشاعرنا وتفكيرنا جدا"، مشددين أن الحروب تنتشر في سوريا والعراق وليبيا واليمن، ومع ذلك مصر الأولى عربيا في حالات الانتحار.

 

الشباب أكثر انتحارا 

وحول معدلات الانتحار في 2015، أكدت منظمة الصحة العالمية وقوع مصر بالمرتبة 96 عالميا، ورصدت المنظمة، والمركز القومي للسموم أن عدد المنتحرين سنويا تجاوز 4250 منتحرا أغلبهم بين الثلاثين والأربعين.

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز" أن معدلات الانتحار بمصر بلغت 4200 حالة سنويا، في ظل انتشار الفقر والبطالة ووجود نحو 45 بالمئة من المصريين تحت خط الفقر.

ورغم أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء رصد زيادة كبيرة بأعداد المنتحرين وأنها قفزت من 1160 حالة، أكدت وزارة الداخلية أن معدلات الانتحار الموثقة رسميا لم تتجاوز حاجز 310 حالة سنويا، وسط انتقادات حقوقية بعدم شفافية الأرقام والتعتيم وغياب الشفافية وضعف حرية تداول المعلومات بمصر.

الكاتب الصحفي عماد عنان، أرجع في مقال له ظاهرة الانتحار بمصر لما تعيشه من قمع سياسي وتراجع اقتصادي وانتهاك حقوقي وتردٍ أمني وتخاذل داخلي وخارجي، إذ يقبع الشباب المصري ملتحفا بثياب اليأس من غد أفضل.

وأشار إلى دور القهر السياسي، في الظاهرة، قائلا "القهر السياسي وسياسات القمع وتضييق الخناق على الحريات والظلم وغياب العدالة، والتي تعاني منها مصر السنوات الأخيرة وحدها كفيلة بأن تدفع الشباب دفعا وبقوة إلى اختيار الموت، لاسيما بعد حالة اليأس والإحباط".

معتبرا أنه نتيجة للقهر السياسي الذي تعرض لها شباب مصر الثورة عقب وأد التجربة الديمقراطية في 2013 والانقلاب العسكري وقتل الأبرياء.

 

الشعور بالإحباط

‏من جانبه، أكد الاستشاري النفسي والتربوي والاجتماعي الدكتور محمد الحسيني أن "أعلى معدلات انتحار على مستوى العالم مسجلة ، بسبب الشعور بالإحباط والباقي لأمور أخرى".

موضحا أن "هذه الأمور قد تقود للتفكير في الانتحار وأن معدلات الإحباط في مصر عالية جدا".

من جهته، قال أستاذ علم النفس، إن "الانتحار ليس خطوة وقتية أو أمرا مفاجئا؛ ولكن يخطط له بالدماغ فترة من الزمن مصحوبا بحوارات محبطة مع النفس عن المستقبل، بجانب بعض الاضطرابات النفسية وخاصة مع المسؤولية التي يشعر بها كثير من الشخصيات بمتطلبات البيت والإيجار وأمور المعيشة والإنفاق وما يترتب عليها من عجز و إهانة شديدة وجميعها مبعثها الإحباط الذي يؤدي للانتحار".

وحول مدى تحميل الوضع الاقتصادي مسؤولية دفع الأفراد للتخلص من حياتهم، أكد الأكاديمي المصري، أن "الوضع الاقتصادي لو تحدثنا بموضوعية ومهنية تامة؛ فإنه ليس السبب الأعظم لهذا الأمر، وأن البيئة الإجمالية في مصر غير مناسبة والوضع الاقتصادي جزء منها".

وتحدث الحسيني، عن دور التاريخ النفسي التراكمي الذي تبنى عليه نفسية الإنسان كأن يبدأ الأمر برفع أعلى مستوى من السعادة والشعور بالحرية مثلما حدث مع معتصمي رابعة العدوية، ثم سحب البساط مرة واحدة ما يسبب السقوط الذي ينتج عنه يأس نهائي يقود للانتحار أو لتحد شديد يساعد على الصمود أو حالة لامبالاة قريبة من الموت.

واتخذ السفاح السيسي قرارات اقتصادية واجتماعية وسياسية عنيفة خلال سنوات انقلابه الماضية، كان قرار واحد منها في أوقات مضت كفيلاً بتفجير ثورة شعبية، خاصة أن حصيلة تلك القرارات كانت مزيدا من الإفقار لمحدودي الدخل، والقضاء على ما كان يعرف بالطبقة المتوسطة والعصف بها، وإلحاق الأسر التي كانت تنتمي إليها بفئة محدودي الدخل، وترحيل قطاعات كبيرة منها إلى ما بعد خط الفقر.

Facebook Comments