تشير الوثائق الخاصة بالمخابرات الفرنسية التي نشرها موقع "ديسكلوز" للتحقيقات الاستقصائية يوم 22 نوفمبر 2021، لحقائق خطيرة تتعلق بخرق السيادة المصرية تحت سلطة زعيم عصابة الانقلاب السيسي.

لم يكشف التحقيق استغلال المنقلب السيسي عمليات استطلاع للجيش الفرنسي في صحراء مصر لشن هجمات تستهدف قتل مدنيين من المهاجرين هجرة غير منظمة، لكن كشف أن هناك قوات فرنسية ترابط على أرض مصر في منطقة مرسي مطروح وتقوم بالتحليق في الصحراء المصرية بدعوى منع تسلل إرهابيين من ليبيا.

وهذه ليست المرة الأولى التي يسمح فيه السفاح  عبد الفتاح السيسي لقوات أجنبية باختراق أراضي وسيادة مصر، فقد سمح لقوات إسرائيلية بالتدخل في سيناء واعترف السيسي نفسه بذلك في حوار مع قناة أمريكية.

فقد اعترف في برنامج 60 دقيقة 60Minutes على قناة CBS 6 يناير 2019 بسماحه لإسرائيل بقصف سيناء وقتل مدنيين وخرق السيادة المصرية.

وسبق اعترافه تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نتنياهو ذلك بقوله خلال مؤتمر السفراء الإسرائيليين في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا بالخارجية الإسرائيلية 17 ديسمبر 2018، بأنه "لولا الجيش الإسرائيلي لأقام داعش دولته بسيناء بحسب مجلة اسرائيل ديفينس".

أحد هذه الهجمات ضد مدنيين جرت في 6 يوليو 2017، حين قُتل ثلاثة مواطنين في الواحات البحرية بينهم المهندس العامل في رصف الطرق "أحمد الفقي" إثر قصف طائرات مصرية لسيارتهم بصاروخ، بينما كانوا يتزودون بالماء من بئر.

أيضا في 15 أغسطس 2016 نشرت مجلة فورين بوليسي القصة الكاملة لمقتل 12 سائحا مكسيكيا ومصريين في الواحات الغربية سبتمبر 2026 بعد ضربات خاطئة للجيش المصري قيل إنها "لإرهابيين ثم تبين أنها قصف لرحلة سفاري".

 

عملية سيرلي

بحسب الوثائق بدأ التدخل الفرنسي في مصر يوم 13 فبراير 2016، حين وصلت حافلة تحمل فريقا فرنسيا إلى ثكنة عسكرية للجيش المصري بمدينة مرسى مطروح شمال غربي البلاد.

كان ذلك الفريق يضم عشرة ضباط سابقين للجيش الفرنسي، ستة منهم يعملون لصالح متعهدين أمنيين، مجهزين بطائرة استطلاع خفيفة "ميرلين 3"، استأجرتها وزارة الدفاع الفرنسية بكلفة 1.45 مليون يورو لكل خمسة أشهر من الخدمة.

وكان هدف العملية السرية، التي سُميت "سيرلي" تأمين 1200 كيلومتر من الشريط الحدودي الليبي-المصري من اختراقات الإرهابيين، وتغطية نحو 700 ألف كيلومتر مربع من الصحراء بطلعات جوية استطلاعية لرصد تحركات الجماعات الإرهابية المحتملة.

وكانت خروجات الفريق تجري دائما بصحبة ضابط مصري، يقول تحقيق "ديسكلوز"، مهمته تقتصر على ترجمة التسجيلات الصوتية التي تلتقطها الطائرة، والتي كانت في المقابل تستخدمها السلطات المصرية في تنفيذ هجمات ضد مدنيين ينشطون في عمليات التهريب على الحدود.

هذه المعلومات توصل إليها فريق الموقع الصحفي الفرنسي عبر تحليل مئات الوثائق السرية المسربة، أحدها كان تقريرا مُؤرّخا في 20 أبريل/نيسان 2016، إذ يبلغ الفريق قيادته في باريس بأن "الكولونيل المصري يرغب في تنفيذ طلعات جوية فوق "الموزة" للحد من نشاطات المهربين في تلك المنطقة".

والمقصود بـ"الموزة" هو المنطقة الممتدة بين واحة سيوة ودلتا النيل، وهي منطقة تعبرها شاحنات مأهولة بشباب لا تزيد سنهم على 30 عاما، ينشطون في التهريب المعيشي.

في تقرير آخر يقول الفريق الفرنسي "لم نرصد أي معطيات في ما يخص احتمال وجود إرهابيين، بالأخص مع تعذر تنفيذ طلعات جوية فوق سيناء أو داخل الأجواء الليبية"  بل ويخلص التقرير إلى أن كل العمليات التي نُفذت كانت تلبية لرغبات الجانب المصري.

الجانب المصري صار أكثر تطلبا حسب موقع "ديسكلوز"، مشيرا إلى أن المصريين طلبوا ربط الطائرة مباشرة مع نقطة استقبال بالثكنة المصرية ، لتسريع عملية التعامل مع التهديدات المحتملة.

عناصر الفريق الفرنسي رفضوا الأمر، لكن قيادتهم وافقت عليه بعدها في 3 سبتمبر أصبحت ضربات الطيران المصري ضد المهربين أكثر بروزا للعيان حسب تقرير آخر للفريق، في إشارة إلى استهداف شاحنات مدنية بقصف جوي.

في يوليو 2020 أعلنت الرئاسة المصرية أنها "دمرت 10 آلاف عربة كانت تُستخدم في أنشطة التهريب، و40 ألفا من المهربين والإرهابيين على غير الحقيقة.

إذ أكد تقرير لـ"المعهد الأوروبي من أجل السلام" أنه "لم تكن هناك أي أدلة عن وجود عناصر إرهابية داخل النصف الشرقي لليبيا، ولا دليل على ارتباط نشاطات التهريب بجماعات إرهابية في ليبيا".

 

جرائم إنسانية

ويقول التقرير إن "الرئيس الفرنسي ماكرون كان على علم كامل بما يقع على الأراضي المصرية من انتهاكات، بل كانت عناصر من قواته العسكرية تساعد الجيش المصري تحت سلطة الانقلاب في ارتكاب هجمات ضد مدنيين على الحدود مع ليبيا وهذا ما يكشفه تحقيق "تسجيلات الرعب" الصحفي، الذي نشره موقع ديسكلوز الاستقصائي، في حلقته الأولى المعنونة بعملية سيرلي.

ما يعني أن ماكرون والسيسي مشتركان في جرائم قتل مدنيين، فبحسب الوثائق الفرنسية تم تنفيذ 19 عملية قصف جوي من 2016 حتي 2019 قتل فيها قرابة 40 ألف مدني من الشباب الذين يسعون للهجرة غير الشرعية عبر الصحراء وبينهم مهربون لكن ليس منهم إرهابيين.

ويؤكد هذا الموقع الاستقصائي قوله نقلا عن تقرير فريق العملية إن "محاربة الإرهاب كانت تحل في المركز الثالث لأولويات الجانب المصري بعد محاربة المهربين والهجرة، كما فضلت إدارة ماكرون الإمعان في المشاركة، بعد أن زارت وزيرة الجيوش الفرنسية السابقة سيلفي غولارد القاهرة، وعبّرت عن رغبة بلادها في توسيع عملية سيرلي وتدعيمها مثنية على نتائجها المتميزة".

مع هذا أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للسيسي وسام "جوقة الشرف" أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمهورية الفرنسية عام 2020 مع أنه مجرم وقاتل كما يقول الفرنسيون.

وقتها أثار ذلك التوشيح عاصفة غضب من خطوة ماكرون، التي قُرئ فيها تواطؤ الجمهورية المدافعة عن حقوق الإنسان والديمقراطية مع الانتهاكات التي يرتكبها النظام المصري لهذه الحقوق.

وأعلن المثقف الإيطالي كورادو أوجياس تنازله عن نفس الوسام رافضا اشتراكه مع شخصية متهمة بقتل مواطنه جوليو ريجيني، كما كتبت إيما بونينو، وزيرة الخارجية الإيطالية السابقة الموشحة بـجوقة الشرف سنة 2009، عريضة احتجاجية تقول فيها "أحس بالإهانة أن أتشارك نفس الوسام مع شخص بتلك السمعة".

Facebook Comments