رغم اعتقال سلطات السيسي القمعية للإخوان المسلمين وقتل الآلاف منهم وهجرة الآخرين من المنتمين للإخوان المسلمين والمتعاطفين مع الجماعة خارج مصر، منذ انقلاب يوليو 2013، إلا أنهم يظلوا مصدر القلق في عقلية النظام الهش، بل إنهم الشماعة الأولى التي يعلق عليها السيسي ونظامه أسباب الفشل الذريع في العديد من القضايا، سواء غرق المدن والشوارع بسبب أمطار محدودة، أو التسبب في فشل النظام في أزمة سد النهضة، أو غلاء الأسعار أو المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المتفجرة بمصر، حتى وصل الأمر لتحميلهم سبب تسمم الوجبات المدرسية التي يوردها الجيش إلى المدارس، في 4 محافظات حتى الآن، حيث لم يأتِ الاتهام هذه المرة من أذرع إعلامية أو لجان إلكترونية هذه المرة، بل جاء الاتهام على لسان وزير التربية والتعليم بحكومة الانقلاب طارق شوقي.

ما يؤكد أن التوجه لتحميل الإخوان المسلمين ومعارضي السيسي المسئولية عن أية مشاكل في قطاع التعليم أو الصحة أو التموين، يبدو توجها للنظام، وهو تفسير ومبرر  مقبول لدى رأس النظام وسبيلا لنجاة المسئول عن الجريمة، للفرار من المسئولية الجنائية والسياسية، وهو توجه كارثي يدمر مصر ويهوي بها إلى أحقر المراتب والأماكن والمستويات الحياتية.

فبدلا من أن يُعاقب وزير تعليم الانقلاب المسئولين عن التوريد أو يطلب التحقيق مع المصنع المورد  للأغذية ، التابع للجيش، يكون الاتجاه لاتهام المحبوسين والمطاردين والشهداء من الإخوان بأنهم هم السبب.

وجاء تبرير وزير تعليم الانقلاب للجريمة التي تهدد ملايين التلاميذ بمصر، لتلافي الانتقادات المجتمعية والسياسية للوزير وتقصيره في مهام وزارته، وذلك بعد توالي ظهور حالات تسمم بين طلاب مدارس ثلاث محافظات، كانت أولاها محافظة كفر الشيخ، ثم أسيوط وقنا، إثر تناولهم وجبات مدرسية فاسدة.

وأوقف المحافظون في المحافظات التي حدثت فيها حالات التسمم، توزيع الوجبات المدرسية، وفتحوا تحقيقا في الواقعة مع الموزعين على المدارس، وحللوا الوجبات، وأعلنوا على مدى أيام عن وجود وجبات فاسدة وعصائر منتهية الصلاحية.

ونشرت الأذرع والمواقع تفاصيل حادثة التسمم، ونقلت تصريحات المسؤولين التي تؤكد وجود الوجبات الفاسدة، لكن وزير تعليم الانقلاب طارق شوقي خالف الجميع وأنكر الوقائع، وتفاخر بتوزيع 12 مليون وجبة يوميا.

وعبر مداخلة هاتفية مع أحمد موسى على قناة "صدى البلد"، لمّح شوقي لاتهام "جماعة الإخوان المسلمين" بترويج الشائعات، ودفع مبالغ مالية للطلاب والأهالي لادعاء الإعياء والذهاب للمستشفى، واتهمهم بمحاولة التشويش على "إنجازات الدولة"!

وتستهدف تصريحات شوقي تحصين الجيش من المساءلة القانونية عن إفساد موازنة مصر المقدرة بـ  9 مليار جنيه مخصصة للتغذية المدرسية بالأمر المباشر، وبعد ذلك يجري تسميم الطلاب بها.

 

تعتيم إعلامي

وفي السياق نفسه، ووسط مطالبات شعبية وسياسية لمحاسبة المتسببين بالأزمة، ووقف توريد الوجبة المدرسية، في ظل عجز الجيش عن تأمين الوجبة لتلاميذ المدارس، تقدمت النائبة في البرلمان الانقلابي عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي، سناء السعيد، ببيان عاجل إلى وزير التربية والتعليم بحكومة الانقلاب بشأن حدوث حالات تسمم وإعياء شديد للمئات من التلاميذ في المرحلة الابتدائية عقب تناولهم الوجبة المدرسية، وذلك في مدارس مركزي البداري والقوصية بمحافظة أسيوط.

وتساءلت السعيد عن إجراءات الوزارة حيال سلامة الوجبات المدرسية، ولا سيما أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها التلاميذ للتسمم والإعياء بسبب تناولها، مشيرة إلى جمع تلك الوجبات بواسطة محافظة أسيوط بعد تسليمها للمدارس في قرى مركز ساحل سليم، الاثنين الماضي ، إثر ظهور حالات إعياء جديدة بين التلاميذ.

وأظهرت التحقيقات في وقائع تسمم التلاميذ، أن الوجبة المدرسية الموزعة في محافظة أسيوط مكونة من "عصير وبسكويت" فقط، ومصنعة بمعرفة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة ، ممثلا بشركة "سايلو فودز" للصناعات الغذائية، الذي تعاقدت معها الوزارة بـ"الأمر المباشر" لتوريد منظومة التغذية المدرسية في جميع المحافظات، بدءا من العام الدراسي 2021-2022، استجابة منها لتوجيهات السيسي.

وسبق أن تقدمت السعيد بطلب إحاطة إلى وزير التربية والتعليم، عن مدى جودة الوجبات المدرسية المقدمة إلى التلاميذ في المدارس، بعد حدوث حالات تسمم في بعض المدارس بمحافظة كفر الشيخ قبل أيام قليلة، نتيجة تناولهم الوجبة المدرسية، الأمر الذي يعرض حياة التلاميذ للخطر.

 

تكرار التسمم

وشركة "سايلو فودز" هي المعنية بتصنيع الوجبات المدرسية في مصر، وشهد السيسي افتتاحها هذا العام في مدينة السادات بمحافظة المنوفية، بغرض تولي عملية إمداد وزارة التربية والتعليم بالوجبات الغذائية لإجمالي 13 مليون طالب تقريبا بمراحل التعليم الأساسي المختلفة، ما يدر أرباحا طائلة على الشركة المملوكة بالكامل للجيش.

يذكر أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع للجيش، قد تورط في واقعة تسمم نحو 2243 تلميذا في محافظة سوهاج بصعيد مصر، إثر تناولهم وجبات مدرسية منتهية الصلاحية وردها الجهاز في عام 2017، ما أثار تساؤلات مشروعة عن تغوّل الجيش في قطاعات عديدة، واختيار شركاته لتولي توريد التغذية للتلاميذ في المدارس والمعاهد الأزهرية بـ"الأمر المباشر".

وإجمالا فان من أمِنَ العقاب أساء الأدب، وهو ما يتحقق بالفعل مع شركات الجيش التي تعمل في مجالات الأغذية ومستلزمات الطب والأدوية والعلاج، حيث تتعاظم مخاطر عملها ، حيث يجري تحصينها من المساءلة والمحاسبة، في وقت تستفرد فيه بقطاعات العمل والإنتاج في المال الغذائي مما يهدد صحة المصريين ويعرض حياتهم للمخاطر.

ويبقى الشعب هو المتضرر الأول من تغول الجيش على اقتصاد مصر، سواء بالتسمم الغذائي أو القتل على أبواب المستشفيات العاجزة عن خدمة مرضاها، ويبقى التعتيم هو سيد الموقف سواء بحظر النشر أو سجن من يصور الحقيقة أو يقولها، باتهامات نشر الإشاعات والأكاذيب، حتى تصبح مصر أمام هزيمة تفوق هزيمة 1967، سواء من عدو خارجي أو بالقتل الداخلي والانهيار المجتمعي التام على يد السيسي وجنوده.

Facebook Comments