ما علاقة الإفراج عن باتريك جورج بأول تقرير إيطالي يتهم محمود السيسي بقتل “ريجيني”؟

- ‎فيتقارير

قررت  محكمة جنح أمن الدولة طوارئ قسم ثاني المنصورة، مؤخرا، إخلاء سبيل باتريك جورج زكي الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وتأجيل محاكمته إلى جلسة 1 فبراير 2022، على ذمة القضية رقم 1086 لسنة 2021 جنح أمن دولة طوارئ، والمتهم فيها بـنشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لهذا الغرض، بسبب مقال رأي نشره في يوليو 2019، بعنوان "حصيلة أسبوع في يوميات أقباط مصر".

القرار الذي جاء مفاجئا ، أثار الكثير من التكهنات، في ظل تغاضي حكومة السيسي عن المطالبات السابقة لمنظمات حقوقية بالداخل والخارج استمرت لنحو 22 شهرا، بضرورة الإفراج عن باتريك.

وكان  قرار نيابة أمن الدولة إحالة باتريك إلى محكمة استثنائية لا يجوز الطعن في أحكامها،  أثار انتقادات موسعة.. خاصة وأن باتريك المحبوس احتياطيا بلا مبرر قانوني منذ 22 شهرا وبلا  تحقيقات، منذ اعتقاله بمطار القاهرة الدولي أثناء عودته من روما في 8 فبراير 2020، لا لشيء إلا تناوله في مقال رأي أخبارا عامة تلقاها في شأن أوضاع مسيحيي مصر.

وبحسب أسرة باتريك، فإنه تعرض خلال فترة احتجازه لأنواع من التعذيب والاعتداءات عليه، وصلت إلى حد تجريده من ملابسه وصعقه بالكهرباء بمقر جهاز الأمن الوطني في القاهرة، ما دفع منظمة العفو الدولية إلى مطالبة السلطات المصرية بـإطلاق سراحه على الفور، نظرا لمحاكمته أمام محكمة طوارئ لمجرد عمله الحقوقي، وآرائه السلمية".

 

أول تقرير إيطالي عن محمود السيسي

القرار المفاجئ لمحكمة أمن الدولة بإخلاء سبيل جورج، قرار مفاجئ -مع ترحيبنا الكبير به ونيله حقوقه الكاملة في حرية الرأي والتعبير- إلا أنه يشتم منه ارتباطه بتصعيد سياسي وإعلامي كبير من قبل إيطاليا والعديد من الدوائر الأوربية في الفترة الأخيرة، والتي عبر عنها تقرير وزارة الخارجية الهولندية الصادر الأسبوع الجاري والذي وصف السيسي بالمنقلب وأن حكمه قمعي، بجانب انتقادات البرلمانيين الفرنسيين لنظام حكم السيسي، وأيضا انتقادات الدوائر الأمريكية والبريطانية لسجل مصر الحقوقي.

وعلاوة على ذلك، ترافق إخلاء سبيل الباحث باتريك زكي، مع صدور تقرير برلماني إيطالي ، يوجه اتهاما صريحا لمحمود السيسي بقتل الطالب الإيطالي ريجيني.

وحمَّل تقرير لجنة برلمانية إيطالية، أجهزة أمن الانقلاب المصرية، مسؤولية خطف وتعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، عام 2016 في القاهرة، وطالب بإحالة مصر للمحكمة الجنائية الدولية لخرقها اتفاقية مناهضة التعذيب.

وفي وقت تحدث تقرير آخر بشكل مباشر عن تورط "محمود" نجل عبدالفتاح السيسي في هذه القضية الشائكة.

حيث نشرت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية، الأسبوع الماضي، مقالا بعنوان:"اللجنة البرلمانية حول مقتل ريجيني، مصر مسؤولة عن مقتل ريجيني،  ويجب أن يُحاكم الجناة في لاهاي".

وقال التقرير إنه "بعد مرور 3 سنوات على بدء التحقيقات، تمت الموافقة بالإجماع على التقرير المتعلق بالتحقيق في مقتل ريجيني".

 

خطف وتعذيب وقتل 

وحسب التقرير، فإن مسؤولية خطف وتعذيب وقتل ريجيني، تقع على عاتق عناصر جهاز الأمن الوطني المصري، كاشفا أن عناصر الجهاز كذبوا على الدبلوماسيين الإيطاليين، عندما كان ريجيني في حوزتهم بالفعل.

وناشد التقرير الحكومة الإيطالية بإصدار قانون يمنع عملاء الأمن الوطني في القاهرة من التهرب من العدالة.

ووفق الصحيفة الإيطالية، فإن التقرير يكشف أن مكتب المدعي العام في روما ليس وحده المقتنع بتورط جهاز الأمن المصري في اختطاف وتعذيب وقتل ريجيني، لافتا إلى أن البرلمان الإيطالي ليس لديه أدنى شك في هذه الاتهام.

 

المحكمة الجنائية 

كما أنه حسب الصحيفة، فبالإضافة إلى المسؤولية عن قتل ريجيني، فإن الأجهزة المصرية لم ترغب أبدا في إنقاذه، وفي خلال 9 أيام من سجن وتعذيب الطالب الإيطالي، كذبت هذه الأجهزة على أجهزتنا الدبلوماسية والاستخباراتية، بل حتى على الأجهزة الدبلوماسية والاستخباراتية لدول أجنبية أخرى.

واقترح التقرير، إحالة سلطة الانقلاب في مصر إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لخرقها اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.

كما دعا التقرير إلى إعداد تشريع إيطالي جديد للتغلب على المأزق الذي وضع عملية محاكمة الجناة في طريق مسدود، ويمكن أن يكون هذا التشريع في صورة قانون يمنع الدول الأجنبية من التهرب من المحاكمات بحجة عدم الإخطار بحضور الجلسة.

وذُكر في تقرير اللجنة البرلمانية أيضا أنه لا يساور اللجنة أدنى شك في أن المسؤولين عن اختطاف وتعذيب وقتل ريجيني هم في الحقيقة ممن يحيطون بالسيسي .

وجاء في التقرير أن "المسؤولين عن اغتيال ريجيني موجودون في القاهرة، وهم داخل الأجهزة الأمنية، وربما أيضا داخل المؤسسات".

 

دلائل تورط ابن السيسي

وحسب التقرير، يبدو أن هناك صراعا خفيا بين مختلف الأجهزة المخابراتية في مصر، ومن الممكن أن جهاز الأمن الوطني قام بقتل ريجيني، سعيا لاستعادة هيبته، وخصوصا في ظل موقف وزير الداخلية بسلطة الانقلاب آنذاك مجدي عبدالغفار بنفي أي علم عن ريجيني والتصريح بأن هذه ليست أساليب الأجهزة الأمنية المصرية، على الرغم من أنه اتضح بعد ذلك أن الوزير المصري كان متواجدا في مقر جهاز الأمن الوطني، وبالتحديد خلال الساعات الأولى التي تلت مقتل الطالب الإيطالي.

 

وثائق مزيفة 

لكن في الحقيقة، يوجد في الوثائق المرفقة بالتقرير ما هو أكثر من ذلك، حسب وصف الصحيفة، التي قالت  "في الواقع، هناك تقارير تشير إلى أنه في الساعات التي أعقبت اختطاف ريجيني، توجه اهتمام الدبلوماسية إلى الأمن الوطني، لكن للأسف دون طائل".

وبالتزامن، نشرت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية مقالا تحت عنوان "الصراع على السلطة بين السيسي ونجله وراء جدار الصمت في القاهرة"، قال "لقد كان لمحمود، الابن الأكبر لرأس النظام المصري، دور ما في النهاية التي وصل إليها الباحث الإيطالي".

في إطار التقارير التي كانت الأجهزة الإيطالية تعدها باستمرار وتسلمها إلى الحكومات الإيطالية المتعاقبة، هناك شخصية هامة كان يتم تسليط الضوء عليها بين الحين والآخر بشكل مختلف، وهي شخصية "محمود" نجل السيسي.

وتضيف الصحيفة، لا يعني ذلك أن دوره لم يكن واضحا، كقائد للعملاء السريين في مصر من حيث منصبه في المخابرات العامة المصرية، فمن المؤكد أنه لا يمكن أن يكون غائبا عن الملابسات التي أدت إلى مقتل ريجيني.

وتضيف الصحيفة، لكن النقطة التي لم يتم التطرق إليها البتّة هي العلاقة بين محمود ووالده، فوفقا لبعض الاستنتاجات التي تم التوصل إليها من الجانب الإيطالي، فإن المعركة في الواقع، والتي دارت رحاها في قمة هرم السلطة بالقاهرة، كانت في هذه الحالة تحمل سمات الملحمة العائلية، حيث يقف الابن ضد الأب، أي نوع من الصراع الذي قد يصل إلى محاولة قتل الأب أو قتل الملك.

في الحقيقة، والحديث للصحيفة، فإن العملية التي نفذها الابن الأكبر لـلسيسي، قد تكون جرى التخطيط لها بالتعاون مع مخابرات غربية أخرى، والأخطر من ذلك بالطبع أن كل ذلك جرى دون إبلاغ الأب بذلك.

 

محاكمة قتلة ريجيني 

 وحقيقة أن السيسي الأب ظل في الظلام من حيث عدم إحاطته بما جرى، قد خلقت توترا كبيرا داخل القصر الرئاسي المصري، وكان من الممكن أن يكون سبب التباطؤ والألعاب المزدوجة التي قامت بها القاهرة أمام الحكومات الإيطالية المتعاقبة بمرور الوقت، وفق الصحيفة.

وتضيف "لاريبوبليكا" "كان السيسي الأب حريصا قبل كل شيء على عدم إظهار ذلك أمام الرأي العام، وخاصة بين أركان نظامه، من أنه قد تم إبعاده عن مثل هذه المناورة الدقيقة، وكان عليه أن يُخفي أنه قد تم تجاهله لفترة طويلة من قِبل سلطته، وفي هذه الحالة من قِبل ابنه محمود، وإلا تم قراءة ذلك على أنه ضَعف من جانبه، وهو ما لا يريده".

ودللت الصحيفة على قولها  "ليس من قبيل الصدفة أن محمود السيسي نفسه قد تم تقليص دوره في ذلك الوقت، فيما يتعلق بقيادة جهاز المخابرات العامة، وكان الدافع الرسمي للقرار الذي تم اتخاذه في عام 2019، هو احتجاجات سبتمبر من ذلك العام، والتي لم تتم السيطرة عليها بشكل جيد".

ونقلت الصحيفة عن تقرير صادر عن أجهزة المخابرات الإيطالية، قولها إن "هناك في الواقع صراع قوي داخل أسرة السيسي، وإنها محاولة مفترضة من الابن الأكبر محمود للصعود على سلم السلطة في القاهرة".

ويضيف التقرير "للأسف، كان ريجيني المسكين هو الضحية، وكذلك المطالبات الإيطالية بالحصول على تفسيرات، حيث كان الجانب المصري غير راغب في تقديمها، وعلى وجه التحديد حتى لا يخرج هذا الصراع الداخلي للعلن، لدرجة مقاطعة كل خطوة من خطوات التحقيق، حتى فيما يخص مجرد إعادة المتعلقات الشخصية لريجيني".

يشار إلى أنه في الشهر الماضي، عقدت في روما، جلسة محاكمة 4 ضباط كبار بالأمن الوطني غيابيا؛ بتهمة قتل وتعذيب ريجيني، لكنها عُلّقت لأجل غير مسمى بعد أكثر من 7 ساعات من المداولات.

وأرجعت المحكمة قراراها إلى خوفها من احتمالية عدم معرفة المشتبه بهم بأنهم متهمون، ما يجعل الإجراءات باطلة.

والمتهمون الأربعة بحسب المدعي العام الإيطالي هم: اللواء "صابر طارق" وهو ضابط في جهاز الأمن الوطني، والعقيد "آسر كامل محمد إبراهيم" وهو مدير التفتيش بمديرية أمن الوادي الجديد وعمل أيضا بجهاز الأمن الوطني، والعقيد "حسام حلمي" .