انتقدت "لوموند"، كبرى الصحف الفرنسية وأكثرها انتشارا، دعم حكومة بلادها برئاسة إيمانويل ماكرون للطغاة والمستبدين العرب من خلال صفقات السلاح المشبوهة لكل من السعودية والإمارات ومصر. واتهمت الصحيفة الحكومة الفرنسية بانتهاك القانون الدولي من خلال دعمها لبعض الأطراف في اليمن ومصر وليبيا، وبيع الأسلحة للسعودية والإمارات، وهو ما أدى إلى تفاقم النزاعات ومقتل الكثير من الأبرياء.

وأبدت الصحيفة ــ في تقرير لها نشر الجمعة 24 ديسمبر 2021م ــ اندهاشها من الموقف الفرنسي؛ فبالرغم من علم باريس بالانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي ـ بحسب لوموند ــ  إلا أنها واصلت دعم السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر بمبيعات الأسلحة.

وأكدت الصحيفة الفرنسية أن الطاغية عبدالفتاح السيسي وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان مسئولون عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مصر واليمن وليبيا؛ لكنهم في ذات الوقت من العملاء الكبار لشركات الأسلحة الفرنسية، مثل "إيرباص" و"أركوس" و"داسو" و"آم بي دي آ" و"نافال غروب" و"نكستر" و"سافران" و"تاليس".

ولكشف مدى بشاعة ما يقوم به الطغاة العرب، نوهت الصحيفة إلى أن عدد الوفيات المبشرة وغير المباشرة بسبب الحرب في اليمن قد تجاوز 370 ألف حالة بنهاية 2021م بحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وفيما تتواصل الحرب بين الحوثيين والحكومة التي يدعمها التحالف بقيادة السعودية والإمارات، يستمر -وفقا للصحيفة- تجاهل دعوات مجلس الأمن الدولي المتكررة للأطراف المتنازعة باحترام القانون الدولي، كما تتجاهل فرنسا وبريطانيا تحذيرات الأمم المتحدة بخصوص مبيعات الأسلحة التي تطيل أمد الصراع.

وتشير لوموند إلى ان المذكرة "السرية" التي نشرها موقع "ديسكلوز" المتخصص في التحقيقات الاستقصائية لا تكشف علم الحكومة باستخدام الأسلحة الفرنسية في حرب اليمن فحسب، بل تؤكد أيضًا كذب الحكومة على البرلمان والمواطنين الفرنسيين. ويكرر وزراء الحكومة الفرنسية أنها تحترم التزاماتها الدولية، ولا سيما المادة 6 من معاهدة تجارة الأسلحة، لكنها تقوم بعكس ذلك، إذ قامت ببيع أجهزة سيطرة واعتراض سمحت باعتقال وتعذيب نشطاء حقوق الإنسان في اليمن ومصر، وفقا لموقع ديسكلوز.

وناقشت الصحيفة في تقريرها المبررات الواهية التي تستند عليها الحكومة الفرنسية؛ وتؤكد أن زيارة إيمانويل ماكرون إلى السعودية والإمارات تعتبر استهانة بمعاناة الشعبين اليمني والمصري، وترسل إشارة واضحة على عدم احترام القانون الدولي الإنساني، والسير على خطى الحكومتين الروسية والصينية بذريعة حفظ الاستقرار والأمن. وترى الصحيفة أن هذه السياسة الفرنسية تساهم في القضاء على آمال ملايين الناس الذين يطمحون لتحقيق مستقبل أفضل لأبنائهم. وحسب لوموند، فإن مبررات حفظ الاستقرار والأمن غير مقبولة، خاصة بعد فشل الحرب على الإرهاب بأسلحة أوروبية وأمريكية في تحسين حياة المدنيين في منطقة الشرق الأوسط.

وبعيدا عن تقرير لوموند الأخير، كان موقع "ديسكلوز" الفرنسي قد نشر تحقيقا استقصائيا يوم 21 نوفمبر 2021م، حول العلاقات الاستخبارية الخفية بين الحكومة الفرنسية ونظام الجنرال عبدالفتاح السيسي؛ مؤكدا على الوجود العسكري الفرنسي على الأراضي المصرية تحت لافتة التعاون العسكري والمخابراتي في الحرب على الإرهاب منذ 2016م، تحمل اسم "عملية سيرلي" (Mission Siri). وبحسب محللين فإن الوجود العسكري الفرنسي الغامض في صحراء مصر الغربية هو امتداد للوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء بهدف بسط نفوذ باريس على القارة الإفريقية، والقضاء  على الحركات الإسلامية بدعوى التشدد والإرهاب ودعم الحكومات الديكتاتورية لتأمين المصالح الفرنسية.

ومنذ 2014م،  تلاحقت صفقات السلاح الفرنسية لنظام السيسي حتى تصدرت باريس قائمة الدولة المصدرة للسلاح للقاهرة واشترى النظام 54 طائرة رافال وفرقاطتين وقطع أخرى بأكثر من 9 مليارات يورو. وتتهم صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية في تقرير لها نشرته في  نوفمبر 2021م، حكومة بلادها بالتواطؤ مع نظام مصر الدكتاتوري في عمليات قتل خارج نطاق القانون، وقالت إن وزارة الدفاع الفرنسية تهربت من هذه التهم فور نشر هذه المعلومات، وطالبت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والمنظمات الشريكة لها الحكومة الفرنسية السماح للعدالة بالتحقيق بشكل كامل في الاكتشافات الجديدة حول التعاون الاستخباراتي بين فرنسا ومصر، دون إعاقة عمل القضاة والمحققين، الذين يحاولون تسليط الضوء على التواطؤ المحتمل للشركات الفرنسية.

وتعزو "لوموند" في تقرير سابق لها في نوفمبر 2021، أسباب الدعم الفرنسي لنظام السيسي الدكتاتوري والتورط في انتهاكاته لحقوق الإنسان إلى أربعة أسباب أولها، صفقات السلاح الضخمة  التي أبرمها نظام السيسي مع الشركات الفرنسية حتى تحولت فرنسا إلى أكبر مصدر للسلاح لمصر في المنطقة. والسبب الثاني هو تعاظم الأنشطة الإرهابية خصوصا بعد إعلن تنظيم الدولة إنشاء دولته في 2014م. والملف الثالث هو مكافحة الهجرة غير النظامية. والرابع هو تطابق التوجهات حيال الملف الليبي ودعم باريس والقاهرة للجنرال  خليفة حفتر. وهي الملفات التي دفعت العلاقات بين البلدين إلى قلب الشراكة الإستراتيجية. وبعد طلبية شراء 30 طائرة رافال جديدة في أوائل 2021م تأسف "إيمريك إيلوين"، مسؤول الدفاع عن الأسلحة في منظمة العفو الدولية، واعتبر ذلك مكافأة فرنسية لنظام السيسي على انتهاكات حقوق الإنسان باستمرار.

وحتى ندرك حجم الجريمة التي ارتكبها نظام السيسي من خلال التعاون  مع المخابرات الفرنسية في مراقبة الحدود المصرية الليبية، فإن السفير بسام راضي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية في مصر، كان قد صرَّح في 16 يوليو 2020م  عبر مداخلة هاتفية لبرنامج "يحدث في مصر" على فضائية "أم بي سي مصر" الذي كان يقدمه شريف عامر ــ أن مصر دمرت 10 آلاف سيارة دفع رباعي على الحدود الليبية المصرية محملة بالإرهابيين والمقاتلين الأجانب خلال ست سنوات. وقدر هو نفسه عدد الذين قتلوا بأربعين ألفا قائلا «لو كل سيارة بها 4 يكون قد تم قتل نحو 40 ألفا وصفهم بالإرهابيين والمهربين والمقاتلين الأجانب. لكن الفقرة الأخيرة حذفت من تقارير المواقع الموالية للنظام.

تؤكد كل هذه الأدلة والمعطيات أن مصر في عهد السيسي باتت مستباحة لكثير من القوات الأجنبية؛ إسرائيل تعربد بطائراتها فوق سيناء ليل نهار وهو اعترف به السيسي. وقوات فرنسية بصحراء مصر الغربية لدعم حفتر بدعوى مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، واتفاقية " CESMOA" التي تسمح بالوجود العسكري الأمريكي على الأراضي والأجواء المصرية في حالة الحرب بخلاف القواعد الأمريكية في مصر منذ عهد السادات ومبارك.

Facebook Comments