تحت عنوان "ربما انتصر الطغاة العرب في المعركة، لكن الصراع لم ينتهِ بعد"، أكد الصحفي البريطاني ديفيد هيرست في مقال نشره بموقع "ميدل إيست آي" أن انتصار الطغاة العرب في معركة، وتغلب ثورتهم المضادة مؤقتا، لا يعني أن حرب الربيع انتهت، متوقعا سقوط السيسي، بعدما تراجعت مصر اقتصاديا وتعيش على الديون وينخر فيها فساد العسكر.

وقال إن "الموجة الأولى من احتجاجات الربيع العربي التي اندلعت في عام 2011، قد تكون مرت، لكن جمرة نارها لا تزال تحرق وتشتعل في تلك الشوارع وفي قلوب وذكريات الملايين، بسبب استمرار الأوضاع الفاسدة".

وقال "الآن بعد مرور 10 سنوات، أصبح الحطب الذي أشعل ثورات 2011 أكثر جفافا، لكن جمرها لا يزال يحترق في قلوب وذكريات الملايين، وما حدث قبل 10 سنوات ليس سوى الفصل الأول من صراع هائل وطويل، وهناك فصل آخر قادم بالتأكيد".

واعتبر أن ما جرى كان انتصارا كبيرا لجيل أصغر من الطغاة، وهم الأمراء الذين بدا حكمهم ميكافيليا جدا بشكل يفوق آباءهم وأعمامهم بشكل كبير.

ووصف هيرست هذا العام 2021 بأنه كان بمثابة الجنازة الرسمية للربيع العربي، حيث شهدت تونس والمغرب الإطاحة بآخر الحكومات والبرلمانات، التي إما هيمن عليها أو دعمها الإسلاميون الذين وصلوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.

 وأشار لأنه "لم يبقَ سوى نموذج واحد فقط للدولة العربية، هو نموذج الحاكم المطلق، العسكري أو الملكي، على رأس كيان يتشكل من الشرطة السرية والقوات الخاصة والصحافيين المأجورين، يحكمون شعوبهم بمزيج تام من السيطرة على العقول والقمع، بعدما أصبح الإنترنت في أيديهم أداة للرقابة الجماعية".

 

هل انتهت لعبة الربيع العربي؟

ويتساءل الكاتب، إذن، هل انتهت بالفعل لعبة الثورة التي اجتاحت العالم العربي عام 2011؟ هل كل تلك الآمال والأحلام المفعمة بالحرية والكرامة تبخرت في الهواء؟ هل كانت مغامرة شجاعة، لكنها محكوم عليها بالفشل في النهاية؟

ويضيف "ارتكب كلا الطرفين في ميدان التحرير، من العلمانيين والإسلاميين، أخطاء فادحة، وكلاهما وضعا ثقتهما في جيش خدعهما الواحد تلو الآخر".

وأخطأ حزب النهضة حين دعم انتخاب قيس سعيد، دون أن يتعمقوا قليلا في تاريخه، فكل المعلومات عنه كانت موجودة.

قال "في مصر استمرت التجربة لمدة عام، وبالرغم من كون الرئيس الراحل محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب، فإنه لم يكن في السلطة أبدا".

كما استمرت تجربة تونس عبر حل وسط تلو الآخر لمدة 10 سنوات، لكن في معظم ذلك الوقت، لم يكن حزب النهضة في المنصب ولا في السلطة ومع ذلك، تم لومه على الأخطاء التي ارتكبتها الحكومات الأخرى.

وأنه في ظل الاندفاع لتحميل الضحية المسؤولية على الجريمة، غاب عن المحللين نقطة بارزة ، وهي أنه بغض النظر عما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين قد ماتت ودُفنت، فالدول العربية نفسها في حالة من التردي، بل ويمكن أن أقول إنها تتجه إلى حتفها.

شدد على حقيقة أن الذين دبروا الانقلابات غير قادرين على حكم بلادهم، فهم ببساطة لا يعرفون كيف يحكمونها، وليسوا مؤهلين لذلك.

وكتب هيرست "تذكروا المطالب الثلاثة التي رفعتها ثورة يناير في مصر وهي، عيش – حرية – عدالة اجتماعية" ففي كل واحدة من هذه المطالب باتت مصر في عام 2021 أضعف مما كانت عليه، عندما نفذ السيسي انقلابه العسكري ضد مرسي في عام 2013".

 

الغرب والشرق ضد الربيع

شرح الكاتب البريطاني كيف أن الشرق والغرب وقفا ضد الربيع العربي، فالدول الغربية وقفت ضد الربيع العربي لمجرد أن الإسلاميين فازوا فيه، وزعم الغربيون أن الربيع العربي تحول إلى شتاء إسلامي.

 ويبدو أن انتصار الثورة المضادة جعلت الغرب يتنفس الصعداء، حيث لم يتوقف عن الخلط بين الإسلام السياسي والراديكاليين العنيفين.

وقال إن "الروس أيضا اعتبروا الربيع العربي بمثابة ثورة ملونة أخرى دبرتها وكالة المخابرات المركزية، مثل تلك التي حدثت في يوغوسلافيا السابقة وجورجيا وأوكرانيا، وسميت الثورة البرتقالية، وكانت تلك الثورات قوية بما يكفي لتفكيك الإمبراطوريات.

كما رأى الصينيون في هذا الانهيار الديمقراطي الذي ارتبط بالهجوم علي الإسلاميين وشيطنتهم في العالم العربي تبريرا لحملتهم المستمرة ضد الإيجور المسلمين، كأن مسلمي الصين أيضا إرهابيين مثل من دعوا للربيع العربي.

أشار لأن علاقة الإيرانيين أيضا المعقدة بالإخوان المسلمين، وعدم ترحيبهم أبدا بالإخوان الفائزين في الربيع العربي والذين يتحدون ادعاء الجمهورية الإسلامية بأنها الممثل الوحيد للإسلام.

 

تونس والاستبداد

أشار هيرست إلى وقوع تونس تحت نفس الظل الاستبدادي الذي حاولت الخروج منه خلال العقد الماضي، حين عزل الرئيس التونسي قيس سعيد رئيس الوزراء وجمد البرلمان وأعلن أنه سيحكم من خلال مراسيم رئاسية في خطوة وصفها مستشاروه بانقلاب دستوري.

وكيف وجد الإسلاميون في تونس أنفسهم منبوذين ومعزولين ويعاملون بازدراء خارج أبواب البرلمان المغلقة، وأشار إلى أنه كان هناك قلة من معارضي سعيد العلمانيين مستعدين في البداية للخروج إلى الشوارع من أجلهم.

وقال الكاتب إنه "كان هناك أمراء عرب أيضا شاركوا في هذا النعي حيث كانت تونس آخر مشهد في عرض الديمقراطيات التي تمكن هؤلاء الأمراء العرب من تخريبها".

واعتبر أن ذلك كان انتصارا كبيرا لجيل أصغر من الطغاة وهم الأمراء، الذين بدا حكمهم ميكافيليا جدا بشكل يفوق آباءهم وأعمامهم بشكل كبير.

وأن المعارضة، سواء كانت علمانية أو إسلامية، أصبحت في غياهب السجون ومات كثير منهم هناك.

وبحسب الكاتب فأولئك الذين لم يتمكنوا من الفرار ينتظرون الإبلاغ عنهم من قبل جيرانهم، حيث إن تغريده واحدة ستكون كافية لتقرير مصير الواحد منهم.

وأولئك الذين فروا أصبحوا أسرى القلق على مصير عائلاتهم التي تركوها في الواقع كرهائن.

 

السيسي يصدر الانقلابات

وانتقد الكاتب البريطاني سياسات الرئيس الأمريكي بايدن مشيرا إلى أنه خلال هذا العام، وفي عهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، تواصلت سياسات عبد الفتاح السيسي، الديكتاتور المصري المفضل لدى ترامب.

وأعرب بايدن عن خالص امتنانه للسيسي على دوره في الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين خلال حرب غزة الأخيرة في مايو الماضي.

قال "بعيدا عن كونه منبوذا دوليا، أصبح الديكتاتور المصري نموذجا يحتذى به في المنطقة، يلجأ إليه سعيّد التونسي واللواء عبد الفتاح البرهان في السودان، لطلب النصيحة".

وأكد "هيرست" أنه كان هناك أفراد من المخابرات العسكرية المصرية في القصر الرئاسي في قرطاج عندما تولى سعيّد السلطة، وأن رئيس المخابرات المصرية اللواء عباس كامل، كان في السودان قبل أيام من انقلاب البرهان في أكتوبر.

وبحسبه يمكن القول إن "السيسي يقوم حاليا بتصدير الانقلابات العسكرية بعد نجاحه فيها".

ولا تزال واشنطن تسانده بالرغم أن بايدن وعد خلال حملته الانتخابية بعدم إعطائه المزيد من الشيكات على بياض.

 

السيسي أفقر 9 ملايين مصري

وتناول هيرست حالة مصر المتدهورة خصوصا من الناحية الاقتصادية ليبين أن حكم السيسي لن يصمد، حيث قال إنه "في 2010، تجاوز النمو في الناتج المحلي الإجمالي 5% بينما بلغ 3.6% في 2020".

وشكلت الديون الخارجية 15.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2010 بينما شكلت 34.1% في 2020 وشكل الدين العام المحلي 76.2%من الناتج المحلي الإجمالي في 2010 بينما ارتفع هذا الرقم إلى 81.5% في 2020.

كما قفز الدين الخارجي من 33.7 مليار دولار في 2010 إلى 123.5 مليار دولار في 2020 بحسب سجلات البنك المركزي المصري.

وقد تفاقمت هذه الأرقام مع الجائحة، واتسع عجز الحساب الجاري من 11.2 مليار دولار إلى 18.4 مليار دولار في السنة المالية المنتهية في يونيو/ حزيران 2021 بعد انخفاض السياحة وتزايد العجز التجاري من 36.47 مليار دولار إلى 42.06 مليار دولار.

ونقل عن ممدوح الولي، الخبير في الاقتصاد والرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام "إن مصر تكافح تحت جبل من الديون".

وتشكل فاتورة فوائد الديون الخارجية والمحلية ما نسبته 44% من الميزانية، أي ضعف الرواتب وثلاثة أضعاف الدعم وأربعة أضعاف النسبة المئوية لاستثمارات الحكومة.

ويقول "سيكون لانهيار الاقتصاد المصري تداعيات حقيقية، فلا أحد يثق بالبيانات الرسمية حول معدلات الفقر، والتي ارتفعت بحسب الأرقام الرسمية إلى 32.5% ثم تراجعت قليلا إلى 29.7 % في الفترة من 2019 إلى 2020".

ولكن حتى الأرقام الأخيرة ما زالت أعلى بكثير مما كانت عليه عندما تولى السيسي السلطة في 2014.

وفي عام 2009، قالت الأمم المتحدة إن "21.6% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وقد ارتفعت هذه النسبة الآن إلى 30% وفقا للبنك الدولي، ويعني ذلك أن السيسي أفقر 9 ملايين مصري على الأقل".

ولا عجب إذن أن تنشأ في محافظات الصعيد، التي يتفشى فيها الفقر، مافيا قوارب التهريب التي تنظم رحلات الهجرة الخطرة إلى ليبيا ومن هناك إلى إيطاليا، وأصبح ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​الآن مسرحا لمآس متواصلة.

وبينما ينفق السيسي الأموال على مشاريع بنية تحتية مشكوك في جدواها الاقتصادية، مثل توسيع قناة السويس أو جسر روض الفرج المعلق (يتم الترويج لها محليا من خلال الزعم أن العالم يتحدث عنها) فإن فقراء شعبه يهاجرون.

كل هذا بعد أن تم ضخ عشرات المليارات من الدولارات في خزائن مصر وجيوب الجيش من قبل السعودية والإمارات والكويت.

 

تباينات عربية فاحشة

ويؤكد الكاتب أن المنطقة تعاني بأسرها من سوء الحكم ففي 2020، كشفت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن 69 مليون شخص يعانون من الجوع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نتيجة الأزمات المتزايدة والاضطرابات الاجتماعية، وانعدام المساواة وتغير المناخ والتداعيات الاقتصادية للجائحة.

وعلى سبيل المثال، فإن العراق  الذي يتمتع بالنفط والموارد الطبيعية ، يعاني فيه 25% من السكان من الفقر، بينما تصل نسبة البطالة إلى 14%.

وكان أكبر إنتاج للعراق هو 5 ملايين يتيم أي نحو 5% من الرقم العالمي، لكن يستمر أمراء الخليج في العيش في رفاهية لا مثيل لها.

وخلال مداولات المحكمة التي تنظر في قضية الطلاق بين حاكم دبي “محمد بن راشد آل مكتوم” وزوجته السابقة الأميرة “هيا”، استمعت المحكمة إلى أرقام صادمة حيث أنفق الزوجان مليوني جنيه إسترليني (2.68 مليون دولار) على الفراولة.

بينما يبلغ المصروف السنوي لكل واحد من طفليهما (جليلة 14 عاما وزايد 9 أعوام) 10 ملايين جنيه إسترليني (13 مليون دولار) بالإضافة إلى إمكانية الوصول إلى أسطول من الطائرات بما في ذلك طائرة “بوينج 747” بينما بلغ عدد الطاقم الذي يقوم على خدمة الطفلين والأم نحو 80 موظفا.

وشدد هيرست علي أن "هذه التفاوتات الفاحشة هي الأشياء التي تصنع منها الثورات".

https://www.middleeasteye.net/opinion/arab-spring-despots-won-battle-struggle-not-over

 

Facebook Comments