رغم الإعلان عن وفاة كل من المحامية تهاني الجبالي والإعلامي وائل الإبراشي في يوم واحد، الأحد 09 يناير 2022م، جراء إصابة كل منهما بفيروس كورونا، إلا أن جهاز المخابرات العامة فاجأ الجميع بنعي الأولى (الجبالي) وتجاهل الثاني (الإبراشي)؛ فما السر وراء هذا السلوك رغم الخدمات الكثيرة التي كان يقدمها الإبراشي لنظام السيسي وأجهزته الأمنية؟ ولماذا نعت الأولى وتجاهلت الثاني؟

التفسير الأول، هو أن الجبالي كانت محسوبة على الجهاز، بمعنى أنها كانت تعمل لحساب المخابرات العامة طوال السنوات الماضية منذ تخرجها من كلية الحقوق ــ جامعة المنصورة سنة 1973م، وقد يكون هو من وقف وراء تعيينها في أعلى محكمة مصرية (الدستورية العليا) سنة 2003م بقرار من الرئيس الأسبق حسني مبارك، كأول امرأة تعين قاضية في مصر، رغم أنها قبل هذا التعيين في هذا المنصب الحساس كانت مجرد محامية تربطها علاقات وثيقة بسوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق الذي تمت الإطاحة به بسبب ثورة الشعب عليه في يناير2011م. وكانت الجبالي قد عملت لمدة 30 سنة في مجال المحاماة قبل تعيينها بالمحسوبية في المحكمة الدستورية العليا منذ تخرجها، وأثار قرار تعيينها في القضاء – رغم عملها في المحاماة – حالة من الجدل الواسع في الأوساط القضائية في مصر، نظراً للتشكيك في مؤهلاتها القانونية لشغل هذا المنصب.

نعي المخابرات للجبالي يمثل كسرا للبروتوكولات المتعارف عليها، لذلك ربط نشطاء بين هذا الإجراء النادر ومواقف الجبالي في دعم انقلاب السيسي وأركان الدولة العميقة في يوليو 2013م على الرئيس الشهيد محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، ودور المخابرات في تأجيج المواطنين على الرئيس الراحل بنسج المؤامرات وتعطيل المصالح واختلاق المشاكل، خصوصاً عبر وسائل الإعلام من قنوات وصحف، وهو الأمر الذي لم يكن خافياً على أحد خلال تلك الفترة.

من جانب آخر، فإن جهاز المخابرات لم ينع من قبل سوى ثلاثة أشخاص، هم الكاتب الراحل نبيل فاروق الذي جسد في أعماله الروائية بطولات المخابرات المصرية من خلال شخصية خيالية تدعى "أدهم صبري"، والفنان الراحل محمود عبد العزيز تقديراً لدوره في مسلسل "رأفت الهجان"، والصحافية سامية زين العابدين، أرملة لواء الجيش الراحل عادل رجائي. كما أفردت الفضائيات المملوكة لجهاز المخابرات مساحات كبيرة من بثها للحديث عن وفاة الجبالي ودورها في خدمة الوطن وفقا لتصورات الجهاز والقائمين عليه. في الوقت الذي يراها كثير من الناس رمزا من رموز الفساد والمحسوبية ودعم الطغيان والاستبداد في مصر لتحقيق مصالحها الخاصة التي حظيت من خلالها على منصب القضاء في أعلى محكمة مصرية دون استحقاق. وكثقت فضائيات المخابرات من التعليق على مواقف الجبالي ضد الرئيس مرسي  بغرض الطعن في قراراته خلال عام حكمه، والادعاء بأنها غير دستورية، والتي سرعان ما أعلنت تأييدها للانقلاب العسكري على أول رئيس مدني للبلاد، وتعطيل العمل بالدستور! إذا كيف تدافع عن الدستور ضد انتهاك تراه من جانب الرئيس (حتى لو صح ادعاؤها)، بينما تدعم العصف بالدستور كله من جانب قائد الجيش؟!

التفسير الثاني، هو أن الجهاز تجاهل الإبراشي رغم أنه كان أحد أكبر الخدامين للنظام في مجال الإعلام، وقد أيد بكل ما يملك انقلاب الجيش على المسار الديمقراطي وثورة 25 يناير، وذلك لأن الإبراشي قد يكون محسوبا على جهاز أمني آخر، على الأرجح هو جهاز الأمن الوطني، لذلك حظي أيضا ببعض مساحات البث في فضائيات الأمن الوطني؛ ويبرهن على ذلك موقفه من تسليم الدكتور محمود شعبان للجهاز سنة 2014م، في الحلقة الشهيرة التي امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعي في أعقاب الإعلان عن وفاة الإبراشي، للتأكيد على مدى خسة ووضاعة الإبراشي وافتقاده لأدنى معايير الضمير والكفاءة  والمهنية؛ فقد تواطؤ مع جهاز الأمن الوطني، وطلب مشاركة شعبان في الحلقة رغم أنه كان يعلم أنهم سوف يبربصون به ويعتقلونه.

ولدت الجبالي في 9 نوفمبر 1950، وهي أول امرأة مصرية تتولى منصباً قضائياً رفيعاً في الحقبة المعاصرة، وأثار قرار تعيينها في القضاء – رغم عملها في المحاماة – حالة من الجدل الواسع في الأوساط القضائية في مصر، نظراً للتشكيك في مؤهلاتها القانونية لشغل هذا المنصب.  ولعبت الجبالي دوراً هاماً في تأجيج المواطنين إعلامياً ضد حكم الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي والتشكيك في قراراته، لا سيما من الناحية القانونية، بعدما أفردت لها القنوات الفضائية المملوكة لرجال الأعمال المناوئين له (آنذاك) مساحات كبيرة من توقيتاتها، للطعن في قرارات مرسي والادعاء بأنها غير دستورية. وسرعان ما تحولت الجبالي إلى أحد أبرز المؤيدين لانقلاب الجيش على أول رئيس مدني للبلاد عام 2013، وتعطيل العمل بالدستور الذي طالما دافعت عن مواده نكاية في مرسي، زاعمة أن جماعة الإخوان المسلمين تسعى إلى هدم منظومة القضاء، بحجة أن حملات التشكيك في الأحكام الصادرة ببراءة جميع رموز نظام مبارك هدفها هو "إضعاف مصداقية القضاء المصري لدى الرأي العام".

واستبعدت الجبالي من منصب نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا بموجب التعديلات الدستورية عام 2012، التي قلصت عدد قضاة المحكمة من 19 إلى 11 عضواً، مع وضع نص انتقالي يقضي بعودة كل القضاة المستبعدين فور إقرار الدستور إلى مناصبهم السابقة. وهاجمت الجبالي مرسي بضراوة عقب إعلانه الدستوري في 22 نوفمبر 2012، مدعية أنه فقد شرعيته رئيساً للبلاد، وبات يمثل خطراً على مدنية الدولة، داعية إلى تأسيس حركة معارضة ضده قبيل أحداث 30 يونيو 2013، لمواجهة ما أطلقت عليه "الفاشية الدينية التي تحكم مصر". ورداً على استبعادها من المشهد السياسي في أول انتخابات نيابية خلال فترة الدكتاتور السيسي، هاجمت الجبالي قائمة "في حب مصر" المدعومة من النظام، متهمة قياداتها باستخدام "المال السياسي" للفوز بجميع مقاعد البرلمان عام 2015، وهو ما أثار حفيظة المسؤولين عن القائمة الذين هددوها باتخاذ التدابير القانونية اللازمة للرد على ما نُسب إليهم من اتهامات، لكن يبدو أنها كانت تحظى بحماية الخابرات التي حالت دون التنكيل بها.

Facebook Comments