مع ضيق أفق  العسكريين الذين لا يتمتعون بتفكير إستراتيجي أو تخليق فرص بديلة أو ضمان الميزات التنافسية في بلدانهم لتعظيم الفوائد الاقتصادية والإستراتيجية، ومع سيطرة التفكير العسكري على الإدارات المصرية منذ الانقلاب العسكري، تفقد مصر يوميا مقدرات اقتصادية وإستراتيجية ولوجستية، بالرغم من علاقاتها الحميمية مع دول  ذات مصالح مشتركة، كروسيا والإمارات وإسرائيل.

وصارت الدول الثلاث من أكبر المهددين لاقتصاد مصر، إثر إيجادهم وتطويرهم طرقا بديلة لممر قناة السويس، الذي أنفق المنقلب السفيه السيسي عليها مئات المليارات لتوسعة غير مجدية وغير محققة لأرقام اقتصادية فعلية، إثر تركيزه في مشروعه الفنكوشي على رفع الروح المعنوية للمصريين فقط، وليس بناء منطقة اقتصادية ولوجستية جاذبة لحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، كما كان يخطط الرئيس المدني الشهيد الدكتور محمد مرسي، الذي قتله السيسي وعساكره بسجنه.

 

الوضعية الحرجة للقناة 

وكشفت تلك الوضعية الحرجة لقناة السويس، تقريرا بدورية "نيو إيسترن آوتلوك" قبل أيام، حيث كتب الخبير السياسي الروسي "فاليري كوليكوف" فقال إن "مشاكل النقل التي تقع في مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين الرابطين بين آسيا وأوروبا، وارتفاع الرسوم الجمركية للمرور في قناة السويس المصرية الرابطة بين آسيا وأفريقيا، ولّد اهتماما متزايدا بضرورة إيجاد طرق نقل بديلة".

وذكر "كوليكوف" في مقال نشره بموقع "نيو إيسترن آوتلوك" أنه في غضون ذلك، قررت الإمارات وتركيا وإيران إيجاد بديل لطريق التجارة البحرية عبر قناة السويس من خلال إطلاق ممر عبور من الإمارات إلى تركيا عبر أراضي إيران.

وأشار الكاتب إلى أن هذا الممر كان يستخدم سابقا لإيصال البضائع إلى قطر، عندما قامت الدول المجاورة لها بحصارها إبان الأزمة الخليجية التي انتهت مطلع العام الماضي.

وأضاف أن باكستان أيضا تستخدم طريقا مشابها منذ فترة طويلة، فيما تدرس إيران حاليا توسيع الممر وتطوير التعاون العابر مع البلدان المجاورة الأخرى.

وأوضح الخبير الروسي أنه، وفقا لهذه الخلفية، فقد أصبح لدى اتحادات النقل والتجارة الدولية، اهتماما متزايدا بحركة المرور العابرة على طول طريق البحر الشمالي (NSR) الروسي.

ففي نهاية نوفمبرمرت 86 سفينة عبر طريق البحر الشمالي، 11 منها تحمل العلم الروسي، و75  تحمل أعلام دول أخرى، وبلغت حركة البضائع العابرة أكثر من مليوني طن بزيادة 59% مقارنة بنفس الفترة عام 2020.

وفي عام 2021، اتسمت حركة المرور العابر الدولية على طول البحر الشمالي  بغلبة المواد الخام كمركزات الحديد والأخشاب والفحم في الاتجاه الشرقي، بينما يتم نقل البضائع العامة بشكل أساسي، بما في ذلك الحاويات، في الاتجاه الغربي.

وأشار الكاتب إلى أن الشركات النرويجية والسويسرية، قامت بـ18 رحلة بسفن يصل وزنها إلى 80 ألف طن، و10 سفن من ميناء مورمانسك الروسي وواحدة من كندا إلى موانئ الصين كانت تحمل مركزات الحديد.

وأضاف أن الشركات الصينية نفذت 14 رحلة ، بما في ذلك الحاويات في الاتجاهات الشرقية والغربية لنقل البضائع العامة التي تشمل كافة البضائع ما عدا السيارات والمعدات ذاتية الحركة، المواشي، البضائع السائبة، البضائع المحملة في حاويات أو على مسطحات أو مقطورات.

وتابع الكاتب أن  السفن الهولندية قامت بست رحلات في الاتجاهات الشرقية والغربية لنقل البضائع العامة.

وعلى الرغم من أن الجليد بدأ في التكون قبل أسبوعين من هذا العام، إلا أن كاسحات الجليد الروسية التي تعمل بالطاقة النووية، رافقت قوافل السفن على طول طريق البحر الشمالي لمنع إعاقة الجليد حركة سيرها.

 

السكك الحديدية

وإضافة إلى طرق بحر الشمال الروسي، فإن ثمة تطور نشط  بعمليات نقل البضائع عبر روسيا باستخدام السكك الحديدية الروسية.

ففي 13 ديسمبر، تم نقل حاوية الترانزيت رقم مليون عبر روسيا، والتي أصبحت رقما قياسيا في تاريخ السكك الحديدية الروسية بأكملها، وانطلقت من ميناء تشونجتشينج بالصين إلى ميناء هلسنكي في فنلندا.

ومن يناير إلى نوفمبر 2021، زاد حجم حركة المرور على طريق الصين – أوروبا بنسبة 43%.

وعقب الكاتب أن المنافسة بين السكك الحديدية الروسية العابرة لسيبريا والطريق اللوجيستي الدولي عبر قناة السويس في جنوب شرق أسيا-أوروبا مستمرة منذ أكثر من عقد من الزمان، لأن الطرق عبر روسيا أقصر وأسرع.

في الفترة الأخيرة، أنشأت روسيا محطات لنقل وشحن الحاويات على خطوط السكك الحديدية مع الصين؛ مما أدى إلى انخفاض حاد في تكلفة تسليم البضائع من جنوب شرق آسيا وخفض وقت السفر، وحدث تطور مماثل على الحدود الغربية لروسيا، وكذلك في بيلاروسيا.

كما اتخذت روسيا تدابير غير مسبوقة لتبسيط الجمارك والضوابط ذات الصلة للبضائع العابرة؛ مما أثر بشكل إيجابي على تكلفة التسليم ووقت السفر.

ومع نجاح روسيا في خلق بديل لقناة السويس، تم تحقيق نتيجة ملموسة؛ على وجه الخصوص، أصبح الطريق البري عبر الاتحاد الروسي أكثر ربحية من الشحن عن طريق البحر، ومع اكتسابه زخما سريعا، أصبح ممر العبور عبر روسيا بشكل عام  أكثر موثوقية وأرخص من قناة السويس.

 

الإمارات وإسرائيل

على صعيد آخر، سلط تقرير عبري، الضوء على المخاوف المصرية إزاء مشروع إماراتي إسرائيلي لنقل النفط إلى ميناء إيلات الإسرائيلي على البحر الأحمر، وضخه في خط أنابيب موجود بالفعل، إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.

وتخشى مصر تأثر عائدات قناة السويس، حال تنفيذ المشروع، خاصة إذا بدأت السعودية في استخدامه أيضا، وفق صحيفة  "هآرتس" الإسرائيلية.

وأضاف التقرير، أن القاهرة تنتظر بفارغ الصبر قرارا إسرائيليا نهائيا بشأن الصفقة، التي تعد واحدة من أكبر الصفقات التي نجمت عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، العام الماضي.

وسيؤثر تحويل بعض شحنات النفط القادمة من آسيا ودول الخليج إلى خط الأنابيب الإسرائيلي على حركة المرور في قناة السويس، التي يمر من خلالها 9% من البضائع العالمية، وكذلك 24.5% من حركة الناقلات.

ويقول اقتصاديون إنه "حتى لو لم يأخذ خط الأنابيب في البداية سوى الحد الأدنى من حركة مرور القناة، فقد تكون المشكلة الأكبر لمصر هي استخدام السعودية له إذا طبّعت المملكة العلاقات مع إسرائيل".

ويفاقم القلق المصري، الحديث عن بناء خط سكك حديدية بين إسرائيل والإمارات، و الاتفاق الأخير بين الإمارات وإيران وتركيا لنقل البضائع من موانئ دبي وأبوظبي إلى جنوب إيران ثم شحنها من هناك برا إلى تركيا وأوروبا، ما يمكن من تقصير وقت النقل من 20 يوما إلى أسبوع واحد.

وقبل شهور، وصلت سفينة نفطية إماراتية إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر لتفريغ ونقل النفط إلى مدينة عسقلان التي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

ووقعت الإمارات وإسرائيل، منتصف سبتمبر الماضي، اتفاقا لتطبيع العلاقات بينهما، برعاية إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب".

وهكذا تقع قناة السويس بين فكي الأسود ، بين ممرات برية وملاحية وسكك حديدية ، تنقل التجارة العالمية بعيدا عن مصر، رغم صداقات وعلاقات إسترياتيجية تجمع السيسي بروسيا وإسرائيل والإمارات، وهو ما يدفع المصريون ثمنه باهظا ، بتراجع العوائد من النقد الأجنبي من قناة السويس، وتأزم أشد وأكبر في الاقتصاد المصري، الذي يترنح بين الديون وفوائدها وعجز موازنتها، وتقلص عوائدها الأجنبية من قناة السويس والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج.

Facebook Comments