استسلام مصر أمام إثيوبيا بات واضحا للعيان، لا يمكن تجاهله من تصريحات المسئولين الرسميين، حتى السيسي نفسه، الذي بدا راضخا لأثيوبيا وعاجزا عن فعل أي شيء يحمي أمن مصر القومي ، وبدا أكثر استئناسا، مفضلا البدائل المائية الخطرة صحيا وماليا على مصر والمصريين، بدلا من الردع العسكري أو السياسي لأثيوبيا، وذلك وفق ما بدا في تصريحاته بمنتدى شباب العالم بنسخته الرابعة، التي اختُتمت الخميس.
فوسط مواصلة إثيوبيا عمليات بناء السد، على الرغم من الظروف السياسية المضطربة التي مرت بها نتيجة الحرب الأهلية مع متمردي إقليم تيغراي الشمالي، استمر السيسي في البكاء والاستجداء، وكأنما تحول سد النهضة لحائط مبكى، تذرف أمامه مصر دموعها فقط بلا أي فعل أو قرار رادع، وخلال جلسات اليوم الأخير لمنتدى شباب العالم، لم يقدم السيسي شيئا سوى البكاء والاستعطاف الذي بات في غير موضعه، فقال السيسي، إن "مصر وصلت إلى مرحلة الفقر المائي بحسب معايير الأمم المتحدة، نتيجة الزيادة المستمرة في عدد السكان مقابل ثبات حصة مصر من مياه النيل، موضحا أن حصة الفرد تتراوح بين 500 و600 متر مكعب في العام، في حين أن المعدل العالمي يبلغ 1000 متر مكعب للفرد سنويا".

وأضاف السيسي، في لقاء مع المراسلين الأجانب المعتمدين في مصر، في ختام فعاليات النسخة الرابعة من "منتدى شباب العالم" بشرم الشيخ، أن "التعاون في قضايا المياه أفضل كثيرا من الصراع" مستطردا "ننظر بكل تقدير وإيجابية للأشقاء في إثيوبيا بشأن رغبتهم بالتنمية، ولكن ليس على حساب حصة مصر من المياه، ونحن حريصون على إدارة أزمة سد النهضة من خلال الحوار الهادئ، بعيدا عن أي شكل من أشكال الانفعال والتشنج".

وهي التصريحات التي تعد تطمينا غير مسبوق لأثيوبيا لكي تفعل ما تريد، طالما أن الدولة المتضررة لن تفعل شيئا سوى الحوار وفقط، وهو ما جرى تجريبه عبر 10 سنوات بلا نتيجة حاسمة ، أو تحقيق لمطالب مصر.
وتابع، نسعى إلى التوصل لاتفاق قانوني مُلزم بشأن إجراءات ملء وتشغيل سد النهضة، وفي الوقت نفسه لدينا إستراتيجية لتعظيم الاستفادة من المياه، من خلال إعادة تدوير مياه الصرف الصحي.

والتوسع في معالجة مياه الصرف الصناعية والزراعية، بحيث نصبح من أوائل دول العالم في حُسن استخدام المياه، وإعادة تدويرها". متناسيا أن تكلفة تلك البدائل كارثية من الناحية المالية والصحية، والبيئية أيضا.
وعلى طريقة الشحاتين والمتسولين، قال السيسي العاجز"حجم المياه على الهضبة الإثيوبية يصل إلى 900 مليار متر مكعب، وما يصلنا هو أقل من 10% من هذه المياه، وما نحتاجه هو الوصول إلى اتفاق يراعي شواغلنا في قضية سد النهضة، بالاتفاق مع دولتي إثيوبيا والسودان، وذلك بغرض فتح باب التنمية بين مصر وباقي الدول الأفريقية" على حد تعبيره.
وتواجه أزمة سد النهضة باستسلام تام من جانب المسؤولين في مصر، عبرت عنها تصريحات متكررة تحمل المعنى نفسه، بشأن تمسك القاهرة بالتوصل لاتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، من دون أي تحركات عملية جديدة.
وأثارت تلك التصريحات استياء واسعا بين مراقبين للأزمة.

إذ كان البعض ينتظرون أن يطلع السيسي الشعب المصري على التطورات الجديدة، أو خطط مصر للتعامل مع حالة التجاهل الإثيوبي للمطالب المصرية المتكررة للذهاب لجلسة مفاوضات جديدة تسفر عن اتفاق ملزم.
ولم يقدم السيسي أي إفادات جديدة بشأن تطورات أزمة سد النهضة.
وفي مقابل تصريحات السيسي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، أمس الخميس، إن "بلاده ستواصل المفاوضات مع مصر والسودان بشأن القضايا العالقة في قضية سد النهضة، للتوصل إلى حل مُرضٍ لجميع الأطراف".
 

السد أمر واقع

وأكد خلال مؤتمر صحفي بمقر وزارة الخارجية الإثيوبية، قرب اكتمال بناء سد النهضة، قائلا "لقد أصبح السد أمرا واقعا خلال الفترة المقبلة".
وأشار إلى أن "إنتاج الطاقة من سد النهضة، لا يعني توقف المفاوضات الثلاثية"، معتبرا في الوقت ذاته أن "السودان سيكون المستفيد الأكبر من بدء توليد الطاقة من السد".
وتتعارض التصريحات الإثيوبية مع اتهامات وجهها وزير الري المصري محمد عبد العاطي، مساء الثلاثاء الماضي، لأديس أبابا، خلال جلسة حوارية بعنوان "مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الأمن المائي المستدام".

وقال عبد العاطي إن "إثيوبيا ترفض التوصل إلى آلية للتنسيق في إطار قانوني عادل وملزم حول ملء سد النهضة، للتكيف مع آثار التغير المناخي".

وأضاف أن "إنشاء سد ضخم مثل سد النهضة، بدون تنسيق بينه وبين السد العالي في مصر، هو سابقة لم تحدث من قبل، وهو الأمر الذي يستلزم وجود آلية تنسيق واضحة وملزمة بين السدين، وهو الأمر الذي ترفضه إثيوبيا".

وأكد أن القاهرة "عرضت على أديس أبابا العديد من السيناريوهات التي تضمن قدرة السد على توليد الكهرباء بنسبة تصل إلى 85% في أقصى حالات الجفاف، ولكن من دون فائدة".

من جهته، لم يكتف رئيس الحكومة الإثيوبية أبي أحمد بتجاهل المطالبات المصرية بالذهاب إلى مفاوضات جديدة، بل بادر ببث رسائل وصفتها دوائر مصرية بالاستفزازية.

وجاء ذلك بعدما عقد أبي أحمد اجتماعا لحكومته في 5 يناير الحالي بموقع سد النهضة، لإجراء مراجعة لأداء المؤسسات الفيدرالية، في واقعة هي الأولى من نوعها.

وأكد أبي أحمد خلال الاجتماع أن بلاده ماضية في مشروعها نحو النهضة، وأنه لا يمكن لأي طرف، سواء داخلي أو خارجي، أن يجعلها تتراجع عن بناء السد بكامل مواصفاته، مشددا على أن هذا "شأن إثيوبي خالص".
مؤكدا عزم بلاده على المضي بإتمام الملء الثالث للسد بكامل الكمية المعلنة، وفق جدول طرحته أديس أبابا سابقا خلال جولات التفاوض، مع استكمال الملء الثاني.

وفي الملء الثاني كان قد تعذر إتمام ملء خزان السد بالكمية التي حددتها إثيوبيا والتي كانت مقدرة بـ13.5 مليار متر مكعب، وهو ما ترى فيه القاهرة كارثة مائية بالنسبة لها، في ظل عدم قدرتها على التعامل مع العجز المائي الذي ستسببه تلك الخطوة حال إتمامها.

 

غضب شعبي

ولعل الفشل المصري بمواجهة أزمة سد النهضة بات مثار انتقادات من قبل أطراف عديدة منها مسئولون بنظام السيسي، فانتقد مسؤول مصري سابق عمل على ملف أزمة سد النهضة، الأداء الرسمي في قضية السد.
بقوله في تصريحات صحفية، إن "النظام الحالي اكتفى لتبرير عدم قدرته على التوصل لحل للأزمة إلى الآن، بإلقاء المسؤولية على ثورة 25 يناير 2011، والقول إنها وراء الوضع الراهن الذي وصلت إليه مصر، وتمكين إثيوبيا من بناء السد وجعله أمرا واقعا".

وتابع ،غير أن النظام الحالي فشل طيلة 8 سنوات تولى فيها مقاليد الحكم، في استغلال ما يمكن وصفه بالكوارث السياسية التي مرت بها إثيوبيا خلال هذه الفترة، والتي وصلت إلى حد الاحتراب الأهلي، إذ على الرغم من ذلك، لم يتأثر مشروع السد، بل كان العمل به يتطور بشكل ملحوظ.
وقد تجاوزت الأزمة في وضعها الراهن، الجوانب الفنية ، وانتقلت برمتها إلى المستوى السياسي، وبات على النظام المصري اتخاذ قرارات سياسية حاسمة.

وعبّر المسؤول عن تعجبه من مواصلة التصريحات المصرية الناعمة تجاه أزمة سد النهضة، والتي بات واضحا أنها لا تؤتي أي ثمار، سواء على الصعيد الإثيوبي، أو حتى على صعيد المجتمع الدولي، الذي لا يتحرك من دون حدوث أزمة حقيقية.

وأضاف المسؤول "حتى لو كانت هناك تحركات من جانب النظام المصري على صعيد دعم الفوضى في إثيوبيا لتعطيل بناء السد من خلال دعم المتمردين في تيغراي، إلا أنه ثبُت أن هذه التحركات فشلت أيضا، وبات على النظام المصري أن يسأل نفسه بشكل واضح، ماذا نحن فاعلون؟

وتابع المصدر نفسه "يبدو أن القيادة السياسية تتوجه نحو مزيد من القبول بما تفرضه إثيوبيا في ملف قضية سد النهضة، وتختار التوجه نحو الاستعاضة بمنح وقروض إقليمية ودولية، بحجة البحث في بدائل أخرى تعوّض نقص مياه النيل".

ورأى أن هذه القروض والمنح "تمكّن القيادة السياسية أيضا من استخدام الأموال في مشاريع أخرى، ترى أن إنجازها يمكن أن يجعل المصريين يصرفون النظر عن مطالبة الدولة بتحرك حقيقي يحفظ الحقوق المصرية التاريخية والمشروعة في مياه النيل، الذي يمثل شريان حياة بالنسبة لهم".

وأمام هذا المشهد، تفاقم سلبية النظام العسكري بمصر أمام الأزمة التي تهدد الوجد المصري، الاستقرار المصري، إذ أن السيسي ليس أمامه إلا فرض مزيد من الضغوط الاقتصادية والمالية على الداخل دون تحرك فعلي تجاه الأزمة الكبرى بسد النهضة.
وليس أمام مصر والمصريين إلا انتزاع حقوقهم بالقوة للحفاظ على ملايين الأفدنة التي تجف وتبور وتتوقف زراعتها.

Facebook Comments