خرج التلفزيون الألماني الشهير" دويتشة فيلة" بتقرير صادم عن إصرار قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، استخدام مياه الصرف الصحي للري والشرب والاستخدام الحيواني.

وتحت عنوان "الماء له محدوديته، إنه مورد يزداد التنافس من أجله، فكثير من البلدان في العالم تعاني من نقص في المياه" قال التقرير إن "الاقتصاد المصري كان بشكل كبير يعتمد على نهر النيل، ويعتبر تقريبا المصدر الوحيد للمياه العذبة لديها".

وأضاف التقرير، إلا أن الوضع تغير حيث  يسعى عبد الفتاح السيسي، إلى إيجاد بديل للمياه نظرا لما خلفه توقيعه على اتفاقية المبادئ مع إثيوبيا والسوادن، والتي بدروها قامت بتطوير الفكرة بتسريع إنشاء سد النهضة.

وقالت "في مصر توجد تحفظات حول جودة مياه الصرف الصحي المعالجة ، تقنية تحويل مياه الصرف الصحي إلى ماء للشرب وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي مكلفة، لأن محطات التصفية يجب أن تكون حديثة وفعالة، ولا يمكن لأي بلد أن يتحمل التكلفة، وتخضع مياه الصرف الصحي مبدئيا للمعالجة في ثلاث خطوات، فبعد الخطوة الثالثة والمعالجة يصبح الماء نقيا من المواد المغذية الإضافية التي قد تؤثر على مسار مياه الأنهار، ومن أجل إعادة استخدام مياه الصرف الصحي يجب تنظيفها بشكل أكبر، ففي نحو 40 في المائة من محطات التصفية في أوروبا يتم تنظيف مياه الصرف الصحي في الخطوات الثلاث التي من شأنها تجهيز الماء بصفة نقية، تجعله قابلا لسقي المساحات الخضراء".

 

التخطيط مستمر للكارثة

وقبل عدة أيام، نظمت لجنة المياه في نقابة المهندسين ، ندوة بعنوان إعادة استخدام المياه من أجل تحقيق التنمية المستدامة، وبحسب بيان عن نقابة المهندسين، فقد تضمنت الندوة ثلاث محاضرات، حملت الأولى عنوان نحو إستراتيجية وطنية لإعادة استخدام المياه حتى 2031.

وفي كلمته خلال الندوة أكد هاني ضاحي نقيب المهندسين، أن ملف المياه هو أحد الملفات المهمة في مصر، ويشهد حاليا اهتماما كبيرا من كل مؤسسات الدولة، التي تدير منظومة ضخمة للاستفادة من كل قطرة مياه، مع التوسع في محطات معالجة مياه الصرف ومحطات التحلية.

كما ادعى أنه يتم إعداد الرؤية الإستراتيجية حتى عام 2030 لإعادة استخدام المياه في مصر ، تتضمن دراسة وضع الصرف الصحي في مصر ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها والعقبات والقيم المؤسسية نحو تحقيق هذه الإستراتيجية، مؤكدا ،على أن إعادة استخدام مياه الصرف الصحي هو خيار إستراتيجي أساسي يجب أن يتضمن جميع الإستراتجيات المائية الوطنية.

 

50 مليار دولار

ووفق مصادر مطلعة، فإن دولة الانقلاب تسعى وتخطط لتدشين  الخطة القومية للمياه  والتي زعموا أنها ستتكلف 50 مليار دولار، إذ سبق وأعلن وزير الري  فى حكومة الانقلاب محمد عبد العاطي عن خطة قومية للمياه في مصر، وذلك لمواجهة نقص المياه في البلاد بتكلفة 50 مليار دولار تستمر حتى 2037.

نحن نحتاج إلى 70-75 مليار متر مكعب من المياه، هكذا قال أحمد فوزي دياب، أستاذ الموارد المائية بمعهد بحوث الصحراء والاستشاري الدولي، وصرح دياب بأن تلك الكمية مقدرة بناء على التوقعات المستقبلية والزيادة السكانية المقبلة.

وبحسب تقرير البنك الدولي حول البنية التحتية في مصر، فإن البنية التحتية للمياه تحتاج استثمارات تقدر بـ 45 مليار دولار إضافية عن الاستثمارات في المشروعات الأساسية حاليا، وليس لدى 75% من المناطق الريفية منشآت لمعالجة مياه الصرف الصحي ويشير تقرير البنك الدولي إلى أنه يجب استثمار 14 مليار دولار لإنشائها.

الكارثة تتواصل، حيث قالت حكومة الانقلاب في أغسطس الماضي "اعتزامها بناء 39 محطة لتحلية المياه بقدرة 1.4 مليون متر مكعب يوميا، وتتكلف المحطات حوالي 29.3 مليار جنيه، وجاري بناؤها في محافظات مرسى مطروح والبحر الأحمر وجنوب وشمال سيناء وبورسعيد والدقهلية والسويس، وفقا لما جاء في تقرير مطلع الشهر الحالي. ومن بين تلك المحطات، 16 محطة تحظى بأولوية لسرعة التنفيذ ومن المقرر افتتاحها العام الجاري، ومن المتوقع أن تضيف هذه المحطات 550 ألف متر مكعب يوميا مع بدء تشغيلها، لتصل القدرة الإجمالية لتحلية المياه في مصر إلى ما يزيد عن مليون متر مكعب يوميا

وبنهاية 2022 الجاري من المتوقع أن يتم إضافة 670 ألف متر مكعب يوميا وعلى مدى أبعد، سوف يضاف 900 ألف متر مكعب آخرى يوميا، لتزيد القدرة الإجمالية لتحلية المياه في مصر إلى حوالي 2.5 مليون متر مكعب في 2037، وفقا لما صرح به حسام شبل، استشاري التحلية بالشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي.

المسار الثاني هو مياه الصرف الصحي، إذ استكملت حكومة الانقلاب تدشين 26 من إجمالي 52 محطة معالجة لمياه الصرف الصحي في الصعيد، ومن المقرر استكمال 26 المتبقية بنهاية العام الجاري، وسوف يكون لتلك المحطات بمجرد إتمامها قدرة إجمالية 418 مليون متر مكعب سنويا تكفي 8 مليون شخص، وتقدر التكلفة الإجمالية لتلك المحطات 8.1 مليار جنيه، وفقا لما صرح به وزير الإسكان فى حكومة الانقلاب عاصم الجزار في تصريحات في مارس من العام الماضي.

 

لماذا الآن؟

نقص المياه، والاضطرابات الناجمة عن ذلك، تتصدر عناوين صحف الانقلاب وتمهد لها في مصر، ولكن المشكلة وفقا للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن سوء تعقيم المياه يعني أن 95.5% من السكان يشربون مياها غير معالجة بشكل صحيح.

وفي العام الماضي، أعلن رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي بأن جميع المصريين، سيتم ربطهم بشبكات المياه والصرف الصحي في غضون ثماني سنوات، معولا بذلك على الدعم المالي الذي ستتلقاه وزارته من الحكومة، ولكن حتى ذلك الوقت، سيضطر الآلاف من الناس إلى الانتظار في الطوابير، واللجوء إلى السوق السوداء، وبناء أنابيب ذاتية الصنع، فقط للحصول على بضع قطرات من المياه.

 

أهلا بكم في مصر

"نصيب الفرد من المياه انخفض لأقل من 600 متر مكعب من المياه، وهو ما يعني أننا وصلنا بسلامة الله إلى منطقة الفقر المائي، وسينخفض إلى أقل من 400 متر مكعب من المياه بحلول 2050"، هكذا جدد وزير الزراعة واستصلاح الأراضي السيد القصير ،بهذه الكلمات حالة القلق مرة أخرى بشأن مستقبل مصر المائي.

القصير أضاف  خلال كلمته على هامش المؤتمر الدولي الأخير لتحلية المياه في مصر والشرق الأوسط الذي نظمه مركز بحوث الصحراء، أن المستقبل غير مطمئن والأوضاع تتطلب البحث عن بدائل، مرجحا أن تكون التحلية هي الحل الأفضل في الوقت الراهن، داعيا إلى تعزيز الفرص الاستثمارية في مشروعات التحلية خلال المرحلة المقبلة.

وفي ذات المؤتمر قال الدكتور محمود أبوزيد وزير الموارد المائية والري الأسبق ورئيس المجلس العربي للمياه إن "التحدي الذي تواجهه مصر والدول العربية في نقص المياه جعل من موضوع التحلية أهمية قصوى، وأيضا البحث عن مصادر أخرى للمياه مثل الاستفادة من مياه الأمطار والسيول والصرف الصحي والزراعي".

تصريحات ليست الأولى من نوعها لكن تزامنها مع ما أثير بشأن تجميد العمل بسد النهضة ، والتوصل إلى شبه اتفاق مع الجانب الإثيوبي في هذا الشأن أثار الكثير من التساؤلات، خاصة أن السد كان مصدر التهديد الأكبر للأمن القومي المائي المصري، فما تداعيات مثل تلك التصريحات على مستقبل الملايين من الشعب المصري؟

 

انخفاض نصيب الفرد

الجدير أن حصة الفرد من المياه تتناقص مع الزيادة السكانية، داعيا إلى تصنيع أجهزة ومحطات تحلية مياه البحار داخل مصر بدلا من استيرادها، فيما أشار المهندس ممدوح رسلان رئيس الشركة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي، أن الدولة تنتج يوميا 25 مليون متر مكب من مياه الشرب، 85% منها من مياه النيل والباقي من المياه الجوفية والبحر.

وكان برلمان الانقلاب المصري قد أصدر قانونا يحجم فيه زراعة محاصيل تستهلك كثيرا من المياه مثل الأرز لترشيد استهلاك المياه، استعدادا للآثار السلبية الناتجة عن سد النهضة، ما أدى إلى بدء استيراد مصر للأرز بعد أن كانت مصدرة له، ما انعكس سلبا على الدخول الاقتصادية لملايين المزارعين.

في ضوء استعراض الاتفاقيات التي أُبرمت بين مصر ودول حوض النيل خلال النصف قرن الأخير، يتضح أن هناك حالة من التراجع المستمر في حصة المواطن المصري من المياه، لا سيما في ظل تخاذل الأنظمة والحكومات عن القيام بدورها في الدفاع عن حقوق الشعب في المياه، فضلا عما يمكن أن يترتب عليه من زيادة في الأعباء الأخرى من تراجع في موارده الزراعية.

وفي دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تحت عنوان الموارد المائية وترشيد استخدامها في مصر، أشار فيها إلى ارتفاع الاستخدامات من الموارد المائية المتاحة من 66.6 مليار متر مكعب إلى 74.5 مليار متر مكعب بنسبة زيادة 23.7% خلال الفترة 2002/ 2003 ـ 2011، وذلك في ظل ثبات حصة مصـر من مياه النيل عند 55.5 مليار متر مكعب طبقا للاتفاقيات الدولية الموقعة في هذا الشأن.

وأوضحت الدراسة انخفاض متوسط نصيب الفرد من الموارد المائية من 2526 مترا مكعبا عام 1947 وفرة مائية إلى 1672 مترا مكعبا عام 1970 كفـاية مائية بنسبة انخفاض 33.8% وإلى 643 مترا مكعبا عام 2013 فقر مائي بنسبة 60.3% ومن المتوقع بلوغه 475 مترا مكعبا عام 2025 القادم.

Facebook Comments