رأى الروائي الراحل "نجيب محفوظ" طفلا يبيع الحلوى عند إشارة المرور، فبكى ثم كتب "أحلام الأطفال قطعة حلوى، وهذا طفل يبيع حلمه" لم يدرِ محفوظ أن هذا الطفل سيكبر بعد سنوات وسيتزوج وينجب أطفالا تتلقفهم أيدي الشيطان السيسي، وتستعبدهم في المهن والأعمال الشاقة، ويسن مجلس طراطير الانقلاب "الشيوخ" لذلك قانونا للعبودية.

"الشيء لزوم الشيء" ذلك هو المبدأ السائد في برنامج الخراب الذي يقوم على تنفيذه العسكر، فبما أن مفك الخراب ضرب التعليم والصحة والاقتصاد والأخلاق والدين، فلا شك أن ذلك يفرز جيلا من الأطفال بلا مستقبل ينتظرهم، وهنا تكتمل اللعبة وتصل إلى مستوى أكثر سوادا، بدفعهم إلى المصانع وورش العمل عبيدا بلا حقوق، بل واستصدار صك عبودية على شكل قانون يسمح بسخرة الأطفال على طريقة الاحتلال الفرنسي.

ويوجد في مصر نحو 2.8 مليون طفل من الفئة العمرية 12 إلى 17 عاما يعملون في مجالات مختلفة، وذلك وفق تقدير منظمة العمل الدولية الصادر في نوفمبر لعام 2017.

 

يذبح أبناءكم

وبحسب مواد قانون حقوق الطفل الذي دهسته عصابة الانقلاب، فإنه يحظر عمل من هم دون سن الـ18 عاما، فيما يلزم قانون العمل أصحاب العمل بإجراء الكشف الطبي على الأطفال قبل إلحاقهم بالعمل للتأكد من ملائمة لياقتهم البدنية والصحية للعمل الذي يلتحقون به، ويجب ألا تزيد ساعات العمل على ست ساعات، تتخللها فترة أو فترات للراحة لا تقل كل منها عن ساعة.

وتستحوذ مصر على أكثر من ربع عدد الأطفال العاملين في العالم العربي، بما يقرب من 3 ملايين طفل، وزادت نسبة عمالة الأطفال في مصر؛ بسبب تفشي الفقر والبطالة والأمية، مع غياب دور الدولة في عهد السفاح السيسي.

يأتي قانون السُخرة الجديد في وقت ارتفعت فيه عمالة الأطفال بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في القرى والأرياف، نتيجة غلاء الأسعار وتراجع الدخل، بما يشكل خطورة داهمة عليهم، الأمر الذي ظهر بوضوح في واقعة سقوط سيارة نصف نقل محملة بالعمال من معدية خاصة بفرع رشيد بمنطقة المناشي دائرة قسم منشأة القناطر، وكانت في اتجاه البر الآخر اتجاه المنوفية توفي على إثرها 24 طفلا وطفلة.

ووافق مجلس شيوخ العسكر على مشروع قانون العمل الجديد المقدم من عصابة الانقلاب، وإحالته إلى برلمان الدم لإقراره بصفة نهائية، والذي يقضي بتشغيل الأطفال من 15 عاما، وجواز تدريبهم من سن الـ14، بالمخالفة لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 لعام 1999 في شأن عمل الأطفال، والتي صدقت عليها 187 دولة بما فيها مصر.

وأجاز القانون زيادة فترة وجود الطفل العامل في المنشأة إلى 12 ساعة في اليوم، وحصوله على راحة أسبوعية مدفوعة الأجر لمدة 24 ساعة بعد 6 أيام متصلة من العمل.

ويجوز في الأماكن البعيدة عن العمران، وفي الأعمال التي تتطلب طبيعة العمل أو ظروف التشغيل فيها استمرار العمل، تجميع الراحات الأسبوعية المستحقة للطفل العامل عن مدة لا تتجاوز ثمانية أسابيع.

 

لا ثمن لهم..!

غير أن قانون عبودية الأطفال وتسخيرهم جعلهم بلا ثمن، وأجاز لصاحب العمل عدم التقيد بتلك الأحكام إذا اقتضى التشغيل ذلك، بقصد مواجهة ظروف استثنائية، شرط إبلاغ الجهة الإدارية المختصة بالمدة اللازمة لإتمام تلك الأعمال، إلى جانب الإخبار بمبررات التشغيل الإضافي.

ومنحت عصابة الانقلاب الحق لصاحب العمل في توقيع الجزاءات على الطفل العامل حال ارتكابه بعض المخالفات، ومنها فصله إذا ثبت انتحاله شخصية غير صحيحة، أو قدم مستندات مزورة للتعيين، أو إذا ثبت أنه أفشى أسرار المنشأة التي يعمل فيها، وأدى إلى إحداث أضرار جسيمة فيها، أو ثبت أنه نافس صاحب العمل في ذات نشاطه.

كذلك منحت عصابة الانقلاب لصاحب العمل في فصل الطفل العامل إذا ثبت تكرار مخالفته التعليمات اللازم اتباعها لسلامة العمال أو المنشأة، بشرط أن تكون هذه التعليمات مكتوبة ومُعلنة في مكان ظاهر، والتنبيه عليه كتابة بمراعاة ذلك، أو إذا ثبت ارتكابه خطأ نشأت عنه أضرار جسيمة لصاحب العمل، على أن يُبلغ صاحب العمل الجهات المختصة بالواقعة أو الحادث خلال 24 ساعة.

وزادت عمالة الأطفال، وخصوصا في القرى والأرياف بشكل ملحوظ خلال سنوات الانقلاب، نتيجة غلاء الأسعار وتراجع الدخل، الأمر الذي يشكل خطرا عليهم، وخصوصا من هم دون سن الخامسة عشرة، والذين يكونون قد تركوا الدراسة على الأغلب، هؤلاء حُرموا حقوقهم، وعلى رأسها الحق في التعليم والصحة، كذلك فإن التفكك الأسري في بعض العائلات له دور كبير في دفع الأطفال نحو العمل.

ويشدد الباحث في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، سيد إمام، على ضرورة مكافحة كل أشكال عمالة الأطفال، في ظل ارتفاع نسبتهم عاما بعد عام، نتيجة للتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة من تفشي جائحة كورونا، والعمل على تجفيف منابعها كافة، مشيرا إلى أن عدد الأطفال المنخرطين في سوق العمل يتجاوز ثلاثة ملايين طفل.

ويعزو إمام توجه عدد من الأطفال إلى العمل، إلى سياسات عصابة الانقلاب وظروف هؤلاء الأطفال الاقتصادية والاجتماعية والفقر نتيجة غياب معيل للأسرة أو مرضه، أو دخله الزهيد الذي لا يكفي لسد احتياجات العائلة، أو حالات الطلاق ورفض وجود الطفل لدى زوج الأم أو زوجة الأب.

هذه العوامل تدفع بعض الأسر إلى تشغيل أطفالها لتأمين دخل للأسرة، فضلا عن تفضيل أصحاب الأعمال الاستعانة بالأطفال لكونهم عمالة رخيصة، مقارنة بالعمال البالغين، مطالبا بضرورة فرض عقوبات مشددة على كل من يخالف قوانين تشغيل الأطفال، وتوفير الحماية لهم في المناطق التي تنتشر فيها عمالة الأطفال مثل الأرياف والورش الصناعية، بالإضافة إلى المركبات التي تنقل الأطفال إلى الأراضي الزراعية.

Facebook Comments