رجحت دراسة بعنوان "العلاقات المصرية الألمانية بعد ميركل" نشرها موقع الشارع السياسي، أن حكومة أولاف شولتز اليسارية، التي فازت بالانتخابات الألمانية، التي أُجريت في 26 سبتمبر 2021م، لن تغامر بتجميد نهائي لصفقة السلاح الألمانية-المصرية، لكنها قد تتبرأ منها وستمررها باعتبارها صفقة لم تبرمها، وأن الحكومة السابقة هي من تتحمل المسئولية عنها أمام الشعب الألماني.
وطرحت الدراسة سيناريوهات أخرى للتعامل مع الصفقة، ومنها تجميدها فترة ثم تمررها لاحقا، ومنها أيضا سيناريو يشي بأن حكومة شولتز لن تغامر بخسارة "زبون" مثل السيسي مريض بالإسهال في صفقات السلاح من أجل اكتساب دعم الحكومات الغربية، علاوة على النفوذ الذي تحظى بها شركات السلاح الألمانية في صناعة القرار وتوجيه بوصلة السياسات الخارجية، وهو عامل مهم لا يمكن تجاهله.

صفقة السلاح

وقبل رحيلها بيوم واحد نسجت المستشارة السابقة إنجيلا ميركل بإحكام فخا لشولتز وحكومته مع مصر؛ تستهدف من ورائه اختبار الشعارات والمبادئ التي طالما يرفعها اليسار الألماني؛ إذ وقعت على صفقة سلاح لنظام السيسي تعتبر الأكبر على الإطلاق في تاريخ العلاقات العسكرية بين البلدين.
وأضافت أن فخ ميركل تم أثناء فترة تسيير الأعمال، وأنه من الشائع أن تتوقف الحكومة عن اتخاذ قرارات سياسية بعيدة المدى في مثل هذه المرحلة، خاصة عندما يكون للحكومة اللاحقة رأي مخالف.
ووقعت حكومة ميركل في آخر أيامها على صفقة صادرات أسلحة بقيمة تقارب نحو 5 مليارات دولار، وبذلك ارتفعت تصاريح صادرات الأسلحة على مدار عام 2021 إلى مستوى غير مسبوق، بإجمالي 9 مليارات و40 ألف يورو،  وبحسب وزارة الاقتصاد، حلت مصر في المرتبة الأولى بفارق كبير على قائمة الدول المستوردة للأسلحة الألمانية هذا العام يصفقة قيمتها  4.34 مليار يورو، بينما كانت قيمة صادرات  مصر من الأسلحة الألمانية نحو  0.18 مليار يورو حتى 29 نوفمبر 2021، ما يعني أنه تمت الموافقة لمصر وحدها في الأيام الأخيرة من حكومة  أنجيلا ميركل على صادرات أسلحة بقيمة تزيد عن 4 مليارات يورو من أصل 4.91 مليار يورو.

ماذا حدث
بداية حكومة المستشار أولاف شولتز كانت مع بيان الخميس 16 ديسمبر 2021م، قبل يومين من النطق  على مجموعة من النشطاء اليساريين بينهم الصحفي محمد أكسجين وعلاء عبدالفتاح ومحمد الباقر، قالت فيه إن "الحكم سيكون بمثابة إشارة للاتجاه الذي ستسير فيه قضية العدالة وحقوق الإنسان في مصر، وعبرت عن أملها في أن تعمل مصر على تحقيق المحاكمة العادلة، وأن يكون حكم الغد إشارة للاتجاه الذي تتطور إليه حالة حقوق الإنسان في مصر»، حسب البيان.
وجاء النطق بالحكم على النشطاء المتهمين في القضية بمددة تفاوتت بين 5 سنوات و4 سنوات، قضوا معظمها، ورجحت الورقة أن الهدف من بيان الخارجية الألمانية بشأن انتقاد الأحكام الجائرة بحق نشطاء مصريين إنما هو رسالة للداخل وللكتلة التصويتية التي انتخبت الائتلاف الحاكم، مفادها أن الحكومة الجديدة لن تتهاون في ملف حقوق الإنسان، على عكس سياسات ميركل.

ملف حقوق الابتزاز
وقالت الدراسة  إن "الانتقادات الألمانية للسيسي في ملف حقوق الإنسان، تكشف أن هذا الملف هو الأضعف لنظام السيسي الذي توظفه الحكومات الغربية في ابتزاز النظام والضغط عليه لتحقيق كثير من المكاسب والمصالح؛ لأن نظام السيسي عادة ما يواجه هذه الانتقادات والضغوط بالمزيد من الصفقات لإسكات هذه الأصوات الأوروبية الناقدة لانتهاكاته المتواصلة في ملف حقوق الإنسان".
وأضافت أنه قد تكون هذه الانتقادات برهانا على تحولات لافتة في التعاطي الألماني مع الملف المصري والانتهاكات المروعة في ملف حقوق الإنسان، وقد تكون شكلا من أشكال الابتزاز كما تعودنا من الحكومات الغربية سرعان ما تنطفئ  مع أقرب صفقة يبرمها السيسي مع الحكومة الألمانية الجديدة.
وأوصت ألا يتعين علينا التعجل في استنتاج مواقف ألمانية جديدة، قد لا تكون صحيحة أو معبرة عن حقيقة الموقف؛ والأفضل أن نتريث وندع الأيام تثبت لنا جدية الموقف الألماني من عدمه، بناء على مواقفها العملية خلال الشهور والسنوات المقبلة.

مبادئ ومصالح
وأشارت الدراسة إلى أن السياسة الألمانية لها محطات وتحولات وتنقسم إلى مجموعتين: الأولى هي مجموعة القيم،  وتشمل: الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان، والمجموعة الثانية هي مجموعة المصالح، وهي عادة تنطلق من عدة محددات منها ما هو متمثل فى تاريخ ألمانيا، وتتشكل طبقا للمستجدات على الساحة الدولية من تحالفات وصراعات.

وعما ينطبق تماما على علاقات الحكومة الألمانية في عهد ميركل بنظام السيسي، لا سيما في ملف حقوق الإنسان قالت الورقة "بدأته المانيا بلهجة انتقاد حادة؛ لكنها سرعان ما تراجعت على وقع الصفقات والمصالح الاقتصادية؛ فتلاشت هذه اللهجة، واختفى الانتقاد الألماني لانتهاكات نظام السيسي وحل مكانه الدفء في العلاقات والمصالح المشتركة".

 

علاقات اقتصادية
وأشارت الدراسة إلى أن مصر ثالث أكبر شريك تجاري لألمانيا في الشرق الأوسط، وسجل حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2017 أعلى مستوياته بقيمة 5،8 مليار يورو، وعلى الرغم من انخفاض حجم التبادل التجاري عام 2018 إلى 4.48 مليار يورو بنسبة انخفاض 21.7%.
وبلغ إجمالي الاستثمارات الألمانية في مصر نحو 7,4 مليار دولار بنهاية يونيو 2018، وبلغ رأس مال بنك مصر أوروبا، الذي يعتبر أكبر الاستثمارات المصرية في ألمانيا نحو 60 مليون يورو، أما صفقة السلاح الأخيرة 4.5 مليارات يورو، فتجعل من الصعب المخاطرة بكل هذه المكاسب والأرباح المتبادلة.

وكانت السياحة الألمانية ــ قبل تفشي جائحة كورونا منذ 2020م ــ إلى مصر تحتل المركز الأول من إجمالي السياحة الأجنبية الوافدة للبلاد، وذلك للعام الرابع على التوالي، وقفز عدد السائحين الألمان الذين زاروا مصر إلى 2.5 مليون سائح خلال 2019، لتحتل بذلك المركز الأول في قائمة الدول التي ترسل سائحيها إلى مصر، مقارنة بحوالي 1.8 مليون سائح خلال 2018، وهو ما يمثل زيادة بنحو 38.8% على أساس سنوي.

https://politicalstreet.org/?p=4927&fbclid=IwAR0rqdZli-7fcd41g4gCHC9e6ugn8zMTchprGBQozcHKEd_lrYWiONQ80hg

Facebook Comments