بعد خروجه من سجون الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، بعد تنازله عن الجنسية المصرية، أدلى الناشط الفلسطيني رامي شعث بتصريحات مؤلمة لكنها وصفت الحالة المصرية بشكل دقيق وأمين؛ فقد أكد أن الحكم العسكري القمعي في مصر يخلق شعبا يائسا محبطا؛ وبالتالي فإن أي حديث عن نهضة أو تقدم أو إنتاج هو من قبيل العبث والتضليل.

التاريخ المصري خير برهان على صحة ذلك؛ ودعونا نضرب الدليل تلو الدليل للبرهنة على أن الحكم القمعي هو أشد خطرا من الاحتلال الأجنبي المباشر؛ فعندما غزا الفرنسيون مصر بقيادة نابليون بونابرت سنة 1798م، كان الجيش الفرنسي هو ثاني أقوى جيش في العالم بعد الجيش البريطاني، ورغم ذلك لم يستسلم له المصريون وأشعلوا الثورات والانتفاضات واحدة تلو الأخرى، فكانت ثورة القاهرة الأولى والثانية، وتشكلت فرق المقاومة الشعبية من رجال وتلاميذ الأزهر الشريف وغيرهم من التجار والمهنيين، فأوقعوا في صفوف الفرنجة خسائر كبيرة، ساعد المصريين في ذلك قوتان: الأولى هي الدولة العثمانية التي كانت تحكم مصر وقتها من  خلال حامية صغيرة. والثانية، هي الدولة البريطانية التي كانت تخشى من نجاح نابليون بونابرت في تكوين إمبراطورية فرنسية في الشرق تكون قاعدتها مصر، وبالتالي تتحكم في طرق التجارة بين الشرق والغرب من جهة، وتعزز من قدرتها على استهداف كبرى المستعمرات الإنجليزية في الهند من جهة ثانية. فأرسلت الدولة العثمانية حامية صغيرة بقيادة ضابط ألباني يسمى محمد علي، وهو الذي التقى بالقيادات الشعبية في الأزهر الشريف وعلى رأسهم السيد عمر مكرم، وتوطدت علاقته بفرق وكتائب المقاومة الشعبية في ظل عدم وجود جيش مصري نظامي، فدربهم ومدهم بالسلاح تحت إشراف الدولة العثمانية؛  وأمام الخسائر الباهظة التي وقعت في صفوف الفرنجة اضطر الفرنسيون إلى الرحيل من مصر بعد ثلاث سنوات فقط في سنة 1801م.

الدرس الأهم من هذه المحطة التاريخية هو قدرة الشعب المصري على حماية بلاده في ظل عدم وجود جيش نظامي، هذا المعنى تكرر مرة أخرى بعد سنوات قليلة من إجبار الفرنسيين على الخروج من مصر؛ حيث أشعل المصريون ثورة كبرى سنة 1805م ضد الوالي العثماني خورشيد باشا، وذلك بسبب فساده وفساده حاشيته وما كان يفرضه من ضرائب باهظة تفوق قدرة المصريين؛ في الوقت الذي يهدر الكثير من الأموال على رغبته وشهواته وملذاته ومشروعاته التي لا يستفيد منها الشعب شيئا. وحاصر المصريون قصر خورشيد باشا، وقدموا شكوى إلى السلطان العثماني مطالبين بعزل خورشيد لظلمه وفساده؛ فاستجاب السلطان ومنح المصريين حق اختيار من يشاءون لحكم بلادهم على أن يكون واليا للسلطان في مصر؛ فاختار المصريون الضابط الألباني محمد علي باشا؛ لسابق معرفتهم به من أيام الغزو الفرنسي. فعزل السلطان خورشيد وأمضى رغبة المصريين بتعيين محمد على واليا على مصر.

وللمرة الثانية ينتصر الشعب المصري انتصارا ساحقا على الظلم والاستبداد، بعدما انتظر من قبل على الغزو والعدوان.

تكرر المشهد للمرة الثالثة بعد سنتين فقط؛ وبالتحديد سنة 1807م، حيث كان محمد علي لا يزال واليا في بدايات حكمه، ولم يكن لمصر جيش نظامي بعد، فحاول الإنجليز غزو مصر؛ وأرسلوا حملة عسكرية كبرى بقيادة الجنرال فريزر، وتمكن الإنجليز من احتلال الإسكندرية، وعند زحفهم نحو القاهرة اتجهوا إلى مدينة رشيد، لكن العلماء والدعاة إلى الله حضوا الناس على الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الوطن بوصفه فرضا دينيا يأثم تاركه، وواجبا وطنيا لا ينبغي أن يتخلف عنه أحد؛ فتتجهزت كتائب الشعب وتركوا شوارع المدينة خالية؛ فدخل الإنجليز دون مقاومة، فراحوا يستريحون من عنت الطريق ومشقته؛ وفجأة خرج عليهم الآلاف من المنازل والمساجد بكل ما يحملون من سلاح وأبادوهم وأسروا من تبقى منهم وعلى رأسهم كبار قيادات الحملة. وكانت قوات محمد علي في مهمة بجنوب مصر في ذلك الوقت؛ لكن الشعب تكفل بالدفاع عن الوطن وانتصر على الغزاة انتصارا ساحقا وحاسما.

فماذا حدث بعد ذلك؟

حكم محمد على مصر بالحديد والنار؛ حيث قضى على الزعامة الشعبية، وأمم دور الأزهر الشريف، ودبر للمماليك مذبحة كبرى بوصفهم الخطر الأكبر على حكمه، ثم شرع في بناء جيش نظامي على النمط الأوروبي الحديث، وفرض التجنيد الإجباري الذي اختطف الفلاحين من أرضهم وأجبرهم على أداء الخدمة العسكرية دون  مقابل؛ فاشتعلت ثورات الشعب ضد هذا الظلم فقمع المظاهرات وقتل الآلاف من المصريين، ومنح سليمان باشا الفرنساوي (كان ضابطا في الحملة الفرنسية) صلاحيات مطلقة في تكوين الجيش على النمط الغربي، على أن يكون ولاؤه الأول للحاكم؛ وتمكن الفرنساوي من تكوين جيش حديث استطاع أن يكون ثالث أقوى جيش في العالم لدرجة أنه انتصر على الجيش العثماني نفسه. ألجم الغربيون نزوات الباشا، وجردوه من مواطن قوته، وجاء أبناؤه من بعده ليحكموا مصر بالحديد والنار، حتى أغرقوها في مستنقعات الفقر والديون.

الفارق الجوهريَّ بين مشروع محمد علي التحديثي ومثيله الغربي يكمن في أن النموذج الغربي  تأسس ليُساير الانتقال من الزراعة للصناعة من أجل حسن إدارة الدولة وتحسين رفاهية مواطنيها، في حين تأسست الدولة المصرية الحديثة بدافع طموح عسكري للباشا، في سياق صراعه على النفوذ والسلطة. معنى ذلك أن الدولة الغربية الحديثة تمحورت في نشأتها حول المواطن وسخرت كل إمكانياتها من أجل الشعب وإسعاده وتحقيق الرفاهية له، بينما تمحورت الدولة المصرية الحديثة حول الجيش الذي كونه الحاكم كأداة يوظفه من أجل تكريس حكمه وتوسيع مملكته وقهر شعبه من أجل فرض تصوراته التحديثية التي ارتبطت بالنمط الغربي في شقيه المادي والفكري.

وفي سنة 1881م، تمكن الإنجليز من احتلال مصر بكل سهولة؛ رغم وجود جيش نظامي، حاول أحمد عرابي مواجهة الإنجليز لكنه فشل؛ وظل الإنجليز محتلين مصر لسنوات طويلة دون معارضة تذكر؟  فمن هذا المجرم الذي أخمد روح الشعب وقتل العزة والكرامة والنخوة في نفوسه؟ إنه الحكم العسكري القمعي الذي أسسه محمد علي باشا وأبناؤه من بعده. لماذا تمكن الشعب من هزيمة الفرنسيين ثم الإنجليز، والإطاحة بخورشيد باشا قبل حكم محمد علي القمعي ولم يحاول مقاومة الإنجليز سنة  1881؟ ولماذا بات المصريين أكثر خضوعا وخنوعا للغزاة والمحتلين بعدما دمر الباشا روحهم وألبسهم لباس المذلة والخوف؟ خلاصة الأمر؛ الحكم العسكري يخلق شعبا يائسا محبطا لديه استعداد غريب للخنوع والمذلة حتى للمحتلين والغزاة؛ فهل نستوعب الدرس؟

Facebook Comments