يوما بعد الآخر يُثبت المنقلب السيسي ونظامه أنه نظام خارج عن الإنسانية والقانون والرحمة ، إذ يمثل القانون الكارثي للتأمينات الاجتماعية نموذجا لقتل ملايين المصريين بدم بارد، عبر تشريعات من القوانين القاتلة لعمال مصر وموظفيها، والتي تتزايد كوارثها في ظل حملات التصفية والإغلاق للمصانع والشركات الحكومية وشركات قطاع الأعمال.

حيث يُعرّض القانون ملايين المصريين للجوع والتشرد وعدم صرف معاشاتهم، إلا بعد بلوغهم سن الستين، رغم إنهاء أعمالهم، بل وحرمانهم من التأمين الصحي المرتبط بدفع الاشتراكات الشهرية، سواء من أجورهم ورواتبهم أو من معاشاتهم التي تتوقف لعشرات السنين.

هذه الجريمة التي قد تدفع ملايين الشعب من العمال والصنايعية للقتل والسرقة والإتجار في الممنوعات وتفاقم مشاكل الحياة الاجتماعية والإنسانية، كما يعايشها المصريون من تزايد الجرائم المتنوعة بالمجتمع المصري، حيث لا مال ولا معاش ولا علاج، فماذا يفعل من تم طرده من عمله أو بِيع مصنعه سوى الانتقام من المجتمع؟، وهو على ما يبدو ما يريده السيسي من المصريين للانشغال بعيدا عنه وعن نظامه الإجرامي.

 

المصرية للملاحة مجرد حالة

وفي إطار الكوارث الاجتماعية الناجمة عن سياسات الإغلاق وبيع القطاع العام بعد تخسيره لصالح المحاسيب، تأتي شركة المصرية للملاحة، التي يعاني عمالها من تعطل صرف مستحقاتهم لمدة عامين.

فبعد نحو سنتين من تصفية المصرية للملاحة، كشف مسؤول في القابضة للنقل البحري والبري التابعة لوزارة قطاع الأعمال ومالكة «المصرية للملاحة» أن الشركة تبحث حاليا إعادة التفاوض حول تعويضات العاملين في المصرية للملاحة بعد سنتين تقريبا من تصفيتها، بناء على تعليمات من وزير قطاع الأعمال.

وأجلّت المحكمة الإدارية، مؤخرا، النظر في دعوى قضائية حول التعويضات إلى 13 فبراير القادم، والتي أقامها ما يزيد عن 300 من عمال الشركة، والذين يقترب عددهم الإجمالي من 400 عامل.

وتمتلك «القابضة للنقل البحري والبري» نسبة 100% من أسهم «المصرية للملاحة» بشكل مباشر وغير مباشر، إذ تمتلك الشركة القابضة 8% من أسهم المصرية للملاحة مباشرة، فيما تمتلك بقية الأسهم شركتان تابعتان للشركة القابضة ،وهما الوطنية للملاحة التي تمتلك 90% من الأسهم، والإسكندرية لتداول الحاويات التي تمتلك 2% من الأسهم.

وبحسب فهمي الششتاوي، الأمين العام المساعد للنقابة العامة للعاملين بالنقل البحري والبري  فإن «النقابة ترفض نظام التعويضات الذي قررته الشركة القابضة للنقل البحري والبري للعاملين منفردة في بداية الشهر الحالي، موضحا أن الشركة القابضة طرحت نظاما للتعويضات يشمل تعويض العمال بواقع قيمة الأجر الشامل في شهرين عن كل سنة من الخدمة دون حد أدنى أو أقصى، في حين طرحت النقابة وممثلي العمال، سابقا، على ممثلي إدارة المصرية للملاحة نظاما للتعويضات يقوم على قيمة الأجر الشامل في خمسة أشهر من كل سنة خدمة، بالإضافة لخمسة عشر جنيها عن كل سنة من سنوات الخدمة مع تقرير حد أقصى يبلغ 450 ألف جنيه وحد أدنى مئة ألف جنيه.

 

تعويضات غير عادلة 

ووفقا للششتاوي، فإن نظام التعويضات الذي اعتمدته الشركة قيمته إجمالا خمسين مليون جنيه، مقابل أن التعويضات التي طرحتها النقابة تتراوح بين 86 و87 مليون جنيه، وهو نظام تعويضات يسمح بدرجة من العدالة تسمح للعاملين بالقدرة على الاعتماد على التعويضات في ظل حرمانهم من المعاشات حتى الوصول لسن الستين.

ويعتبر  قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019 ، الكارثة الكبرى، إذ لا يسمح بصرف المعاشات إلا بعد بلوغ سن الستين وهو ما يعني بالنسبة للعاملين في الشركة المصرية للملاحة ،  كشركة جرت تصفيتها وبالتالي يتقاعد عمالها في سن قد يقل كثيرا عن الستين، أن التعويضات هي كل ما يعتمدون عليه لحين الحصول على عمل جديد.

أي حرمانهم من التأمين الصحي لأن العامل لا يحصل عليه إلا بناء على اشتراكات تُخصم من مرتبه أو معاشه،  وبما أنه لن يحصل على معاش، فإن اشتراكات التأمين ستتوقف.

لكن قدرة النقابة الآن على الضغط على الشركة القابضة ووزارة قطاع الأعمال العام تبدو محدودة، بسبب وقف صرف رواتب العاملين بدءا من مرتب الشهر الجاري، بناء على قرار مصفي الشركة، بإنهاء خدمة العاملين ما يعني وقف صرف رواتبهم لأول مرة منذ التصفية في فبراير 2020، وهو القرار الذي جاء بعد أيام من الإعلان عن قيمة التعويضات، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى استلام العديد من العمال تلك التعويضات.

ووفق شهادات عمالية، فإن  النظام الذي اعتمدته القابضة للتعويضات، يعني  أن بعض العاملين سيحصلون على تعويض قدره 19 ألف جنيه فقط، بناء على خطة التعويضات القائمة على قيمة الأجر الشامل في شهرين عن كل سنة، خاصة وأن الأجر الشامل قبل خصم الضرائب والتأمينات لا يتجاوز 3300 جنيه شهريا لبعض العاملين.

ومن ضمن الكوارث ، أن الكثير من العاملين الذين يتصل عملهم بالبحر -أي على السفن- قد تعرضوا له، وهو عدم احتساب كامل مدة خدمتهم، إذ أن التنقل من العمل على سفينة إلى أخرى كان يستوجب توقيع عقد عمل جديد، وبالتالي لجأت الشركة القابضة لاحتساب مدة الخدمة وفقا لآخر عقد وقعه العمال في هذه الحالة، حتى إن أحد العمال  أمضى في الشركة 23 سنة، لكنه فوجئ أن الشركة قررت له تعويضا بناء على سنتين خدمة فقط.

 

تخسير متعمد

وكانت عملية تصفية الشركة المصرية للملاحة في فبراير 2020، قد أثار جدلا كونه ارتبط بعملية تخسير متعمد وهي عملية حذر منها عمال في الشركة عبر مظاهرة في 2014 أمام القاعدة البحرية في الإسكندرية، ثم عبر استغاثة اُرسلت إلى رئيس الوزراء في أبريل 2015.

وبعدها بعدة أشهر، أدلى الرئيس الأسبق للشركة، اللواء نبيل لطفي، بتصريحات صحفية في 2015 قبل شهر من استقالته المفاجئة، حذر فيها من تراكم الخسائر والمديونيات التي أرجعها إلى تخلص رؤسائها السابقين من سفنها عبر البيع بدعوى الإحلال والتجديد كخردة أو بيعها كسفن لشركات أخرى، دون إحلالها عمليا، وصولا لتراكم المديونيات على الشركة، بما في ذلك مديونيات لهيئة التأمينات التي وصلت للحجز على سيارات الشركة.

هذا النموذج يجري تعميمه على أغلب شركات القطاع العام وقطاع الأعمال، وفق اشتراطات صندوق النقد الدولي، لتخفيف الإنفاق الحكومي على بنود الأجور والرواتب، وهو ما يمثل كارثة اقتصادية واجتماعية لملايين المصريين، الذين باتوا على الحديدة إثر سياسات الرأسمالية العسكرية المتوحشة، التي يعايشها المصريون.

وهو نهج عسكري مقيت، يفرغ المجالات الحيوية والإستراتيجية لشركات العسكر التي تعمل بنظام السخرة عبر المجندين، ويراكمون المكاسب للواءات والقيادات العسكرية فقط بعيدا عن ميزانيات الدولة ، التي تعد الخاسر الأكبر من جراء سياسات السيسي.

Facebook Comments