التنظيم العلماني المصري.. شاهد من أهلها

- ‎فيمقالات

تعج مصر بالتنظيمات الدينية والسياسية لكنها المرة الأولى التي نسمع فيها عن تنظيم علماني، لم تخل مصر من تيار علماني على الأقل منذ مطلع القرن العشرين، لكنه ظل محض تيار يطرح نفسه كغيره من التيارات في المجتمع، ولا يجد قبولًا شعبيًا، لكن أن يؤسس بعض هؤلاء العلمانيين تنظيمًا مهمته نشر الفكر العلماني، وتشويه وهدم الدين في نفوس المصريين فهذا جديد، لو جاء الاتهام من أحد الرموز الإسلامية فقد كان من الممكن أو من الطبيعي أن يتعرض كلامه للتشكيك لكن أن يشهد شاهد من أهلها، فهذا جديد ومثير أيضًا.

لا أدري هل هي نوبة صحيان، أم خلاف مصالح، أم تعليمات عليا تلك التي حركت الصحفي المعروف مجدي الجلاد للخروج بحديثه عن التنظيم العلماني في مصر، الذي حدد شيخه ومفكره، وأماكن اجتماعاته، وخطط عمله، وخطورته على النشء والرأي العام.

 

ردود فعل مفاجئة

حديث الجلاد جاء في سياق ردود فعل قوية رافضة لتعليقات الإعلامي إبراهيم عيسى التي أنكر فيها معجزة المعراج، كما تجرأ على غيرها من الثوابت الإسلامية. ردود الفعل الإعلامية والمجتمعية كانت مفاجأة بالفعل وبدت كانتفاضة ضد التجرؤ على الدين، لكن الأمر لا يخلو من علامات استفهام خاصة حين نجد أبرز رموز هذه الانتفاضة هم أنفسهم “إعلاميو السامسونج” الذين لا يتحركون دون أوامر وتوجيهات، ومن بينهم الجلاد نفسه، فهل كانت تلك الانتفاضة بترتيب حامل جهاز السامسونج نفسه (المقصود الجهة الأمنية التي تدير الإعلام)؟ وهل قصدت استمرار معركة الإلهاء، حتى لو قدّمت إبراهيم عيسى قربانًا لتصرف اهتمام وغضب المصريين عن خطة الحكومة لرفع سعر رغيف الخبز، ولتتجنب رد فعله على بدء إثيوبيا إنتاج الكهرباء من سد النهضة دون تنسيق مع مصر؟ كل شيء جائز في بلد اعتاد مثل هذه المعارك الوهمية في أوقات الأزمات الحقيقية.

 

شهادة من المطبخ

لنعد إلى التنظيم العلماني الذي كشفه الجلاد، وأقر من خلال معرفة شخصية، وشهادة “من المطبخ” حسب تعبيره، أن الراحل جمال البنا هو مفتي التنظيم، وأن سيد القمني هو مفكره، وأن التنظيم يجتمع أسبوعيًا بأحد المنازل في ندوات ولقاءات منتظمة تحدد خطط العمل لتحقيق مشروعهم العلماني في مصر. لم يذكر الجلاد أسماء أخرى بخلاف الراحلين البنا والقمني حتى لا يضع نفسه تحت المساءلة القانونية، لكن تلميحاته كانت كافية لكل ذي عقل ليعرف أعضاء هذا التنظيم أو جزءًا منهم على الأقل، كما أنه أوضح أن من يظهرون منه في القنوات والمواقع ليبثوا سمومهم هم الحلقة الأخيرة في سلسلة متعددة الحلقات تصنع وتغذي وتمول وتحتضن وتتيح المنابر والقنوات لظهور هذه الأصوات.

الغريب أن الجلاد كان هو بنفسه يحتضن جمال البنا سواء في مقالات رأي عبر الصحيفتين اللتين ترأس تحريرهما (المصري اليوم والوطن) أو عبر لقاءات صحفية وتلفزيونية، كما كان من رواد ندوته المنزلية كما ظهر من حديثه، ومع ذلك ففي إطلالته المفاجئة التي لا أعرف ما ومن وراءها كال له الاتهامات، فهو مفتي تنظيم العلمانيين، وهو الذي كان يحتضن اجتماعاته الأسبوعية في منزله (توفي 2013)، وهو الذي أحل التدخين في نهار رمضان، كما أحل القبلات بين الجنسين، وحرّم تدوين الحديث النبوي، وهو صاحب الحملة ضد الحجاب والذي يرى أن شعر المرأة ليس عورة!

 

علمانية متصهينة

هي علمانية مأجورة متطرفة متصهينة، أما أنها مأجورة فلأن دعاتها البارزين مثل الهاتف مسبق الدفع، أو هاتف العملة القديم، لا يعملون إلا بالدفع المسبق، فهناك من يمول برامجهم التلفزيونية وأبحاثهم اللوذعية، ورحلاتهم المكوكية وندواتهم الفارغة، وخذ عندك مثالًا لذلك (إبراهيم عيسى وإسلام بحيري وسيد القمني)، وأما أنها متطرفة فلأنها اختارت أن تضرب في قلب العقيدة الإسلامية مباشرة دون لف أو دوران، وأما أنها متصهينة فلأن دعاتها لم يُبدوا أي نقد للصهيونية، ولا للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين، بل هم من أكبر دعاة التطبيع والتماهي مع المشروع الصهيوني. ونضيف لكل ما سبق أنها علمانية مخدّرة، لأن دعاتها بارعون في صرف الشعب عن قضاياه الحقيقية، مثل سد النهضة الذي بدا العمل فعليًا، ومثل زيادات الأسعار، وخنق الحريات العامة، وقتل المعتقلين ببطء في السجون.

استغل التنظيم العلماني المصري الدعوة المبهمة لتجديد الخطاب الديني لينشر من خلالها سمومه العلمانية باعتبارها تجديدًا للدين، واستغل في الوقت نفسه غياب التيار الإسلامي المنظم بفعل القمع الأمني، ووجد في البداية احتضانًا من السلطة الحاكمة بوصفه قوة قادرة على مواجهة الفكر الإسلامي الذي لا يزال متغلغلًا في المجتمع، والذي يراه النظام خطرًا عليه، ولكن دعاة هذه العلمانية المتطرفة كانوا كالدبّة التي قتلت صاحبها، حيث تسببت مبالغتهم الفجة في إهانة المقدسات الإسلامية في ردود فعل قوية حرص النظام على ركوبها وتصدير رجاله فيها ليتمكن من امتصاص الغضب الشعبي حتى لا يتحول إلى غضب على النظام نفسه بحسبانه الراعي لهذه الأصوات.

 

العلمانية المنظمة والإسلام المنظم

في معركة الحفاظ على القيم والثوابت الإسلامية، قام الأزهر بواجبه الدستوري بصفته “المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية” (المادة 7)، ويواجه في سبيل ذلك حملات ضارية، لكننا بصدد تنظيم ممول دوليًا، ولديه خطط يسهر على تنفيذها، وتُفتح له القنوات والصحف وقاعات الجامعات والمعاهد، وتنتفض من أجله منظمات حقوقية عالمية ومحلية، وهو ما يحتاج إلى مكافئ موضوعي لمواجهته، وكما قال الشهيد سيد قطب فإن الجاهلية (أو لنقل العلمانية) المنظمة لا يهزمها إلا إسلام منظم.

………….

نقلا عن "الجزيرة مباشر"