الأدنى للأجور.. هل يكفي الفقراء لأسبوع واحد في ظل الغلاء الفاحش؟

- ‎فيتقارير

بحسب دراسة للبنك الدولي، فإن كل عشرة جنيهات يخلقها الاقتصاد المصرى، تذهب 7.5 منها إلى القلة من أصحاب الثروات ورءوس الأموال و2.5 منها فقط تذهب إلى الأغلبية من أصحاب الأجور، ثم يحصل كبار الموظفين (عام وخاص) على معظم ذلك النصيب الضئيل. ويقدر نصيب الواحد في المائة الأغني بمصر بنحو 18% من إجمال الدخل؛ بمعنى أن 900 ألف فرد يملكون وحدهم حصة من الدخل القومى تعادل مجموع الدخول التى يحصل عليها 45 مليون مواطن، وذلك وفقا لدراسة قام بها توماس بيكيتى وفريقه البحثى عن مصر وعدد من دول الشرق الأوسط لحساب البنك الدولي.

وفي نهاية مارس 2020، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري بيانات التعداد الاقتصادي المصري لعام 2018، (تتم كل خمس سنوات)، كشف أن عدد المشتغلين في مصر بلغ نحو 26.021 مليون شخص، معنى ذلك أن العاملين بالقطاع الخاص والمهن الحرة يصل عددهم  إلى نحو 21 مليونا؛ استنادا إلى أن عدد العاملين بالحكومة نحو 5 ملايين وفقا لتصريحات وزير المالية.

ورغم رفع الأدنى للأجور من 1200 إلى 2000 في 2019م، ثم إلى 2400ج في 2021م، ثم إلى 2700ج في 2022م، إلا أنّ القيمة الشرائية لهذا المبلغ تراجعت بصورة كبيرة بفعل آثار التضخم، وموجات الغلاء التي لم تتوقف في مصر منذ قرار تحرير سعر صرف العملة المحلية (الجنيه)، في 3 نوفمبر 2016. ويدرك المصريون جيداً انخفاض قيمة دخولهم، مقارنة بما كانت عليه قبل الانقلاب العسكري في عام 2013، حيث كان يبلغ سعر صرف الدولار نحو 6.96 جنيهات مقارنة بـ15.74 18,55 حالياً، أي أن الحد الأدنى للأجور حينها (1200 جنيه) كان يعادل 172.4 دولاراً، مقابل 150 دولاراً (2700 جنيه) بعد الزيادة الأخيرة. لكن الحد الأدنى السابق كان في ظل انخفاض أسعار الوقود والكهرباء والمياه والأسعار؛ فكان يحقق بعض الستر للفقراء بخلاف الوضع الراهن الذي يكتوي فيه عشرات الملايين من الفقراء بنيران الأسعار.

ومع ارتفاع قيمة الفواتير الشهرية لاستهلاك الكهرباء والغاز والمياه للمنازل، بات المصريون يقتطعون ربع دخلهم على الأقل لسدادها، خصوصاً الفقراء منهم ومحدودي الدخل. إذ ارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة 860% منذ اغتصاب السيسي الحكم، والغاز بنسبة تصل إلى 2400%، إضافة إلى ارتفاع أسعار البنزين 8 مرات منذ عام 2014، ومضاعفة أسعار مياه الشرب للمتر المكعب من 36 قرشاً (الجنيه 100 قرش) إلى 225 قرشاً.

من جانب آخر،  يبلغ حد الفقر عالمياً 3.2 دولارات للفرد في اليوم، ما يعادل 96 دولاراً شهرياً، أي أن العامل في القطاع الخاص الذي لا يعيل سوى زوجته يحتاج إلى 192 دولاراً شهرياً، وبالتالي فهو لا يزال يقبع تحت خط الفقر، حتى مع الحد الأدنى الجديد للأجور الذي أعلن "المجلس القومي للأجور" عن تطبيقه بداية من إبريل 2022.  والأسرة التي تتكون من أربعة أفراد تحتاج إلى نحو 6 آلاف جنيه حتى تبقى على خط الفقر الدولي ولا تهبط دونه. معنى ذلك أن هذا الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص "2400" ج، أو القطاع العام "2700"ج، لا يساوي شيئا، في زمن الغلاء الفاحش وتحويل التعليم والصحة إلى سلعة.

ولا تكشف البيانات الحكومية في مصر عن معدلات الفقر الحقيقية، بينما أعلن سابقاً رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أنها وصلت إلى 29.7% في العام المالي 2019-2020، مقارنة بـ32.5% من إجمالي السكان في العام المالي 2017-2018. لكن خبراء اقتصاد يؤكدون أن النسبة الحقيقية للفقر تتجاوز 75% في مصر حاليا في ظل تداعيات السياسات النيوليبرالية التي يتبناها النظام من جهة، وتداعيات تفشي جائحة كورونا من جهة ثانية، ثم تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا من جهة ثالثة، في ظل الغلاء المستمر مع فرض زيادات متواصلة على أسعار السلع والخدمات والضرائب، علماً أن وباء كورونا زاد من تعقيدات الوضع، خصوصاً للعاملين في القطاع غير الرسمي البالغ عددهم نحو 4 ملايين شخص، والذين فقدوا (أو باتوا مهددين) بفقدان أعمالهم.

ويعزو خبراء الارتفاع الكبير في نسب الفقر إلى السياسات الاقتصادية التي يتبناها السيسي، والتي لم يضع محدودي الدخل ضمن أولوياته، ورضخ إلى تعليمات صندوق النقد بشأن تقليص الدعم، وتحرير أسعار الوقود والكهرباء نهائياً، وخفض أعداد الموظفين الحكوميين، ما أدى إلى إنتاج مزيد من الفقراء. وفي المقابل، اتجه نحو مشروعات عملاقة ليس لها أي مردود على المواطن، مثل مشروعات العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها.

وبمقارنة الأدنى للأجور في مصر بغيرها من دول العالم ندرك حجم الفرق الهائل، ففي يناير 2022م، قرردت إدارة جو بايدن رفع الأدنى للأجور في أمريكا إلى 15 دولار في الساعة بدلا من 10.95 بنسبة زيادة تصل  إلى (37%)، والأهم هو ربط الزيادات المستقبلبة بالتضخم. معنى ذلك أن أدنى عامل في أمريكا يتقاضي نحو 40 ألف جنيه مصري! وقد شهد عام 2021م ارتفاعات محلوظة على مستوى العالم لنسبة الأدنى للأجور؛ حيث يبلغ الأدنى للأجور في لوكمسبورج (18.6) يورو في الساعة تساوي 325 جنيها/  الساعة) وهو الأعلى على مستوى العالم معنى ذلك أن العامل المبتدئ الفقير  في لوكسمبورج يتقاضى شهريا نحو 60 ألف جنيه مصري!.  وفي أيرلندا (11.49 دولاراً / ساعة) بما يساوي (32 ألف  جنيه شهريا). وفي تركيا الأدنى للأجور يساوي 4250 ليرة بما يساوي نحو 4500 جنيه مصري. ويتقاضي فقراء نيوزلندا نحو 13.5 دولارا في الساعة بما يساوي نحو 37 ألف جنيه مصري شهريا. وفي استراليا 14.41 دولارا في الساعة، بما يساوي نحو 40 ألف جنه مصري شهريا. وفي بلجيكا نحو 11.7 دولارا في الساعة، بما يساوي نحو 32 ألف جنيه شهريا. وفي إسبانيا نحو 17 ألف جنيه شهريا. وفي فرنسا نحو 12.86 دولارا في  الساعة بما يساوي نحو 35 ألف جنيه شهريا. نفس الأمر في بريطانيا تقريبا  بما يساوي نحو 35 ألف جنيه شهريا كحد أدنى للأجور. لكن الأكثر دهشة وغرابة أنه رغم التفاوت الهائل في حجم الأدنى للأجور بين مصر وغيرها من دول العالم، فإن المصري الفقير يشتري الوقود والكهرباء والمياه وتعريفة المواصلات ورسوم الإنترنت بنفس الأسعار العالمية على مستوى العالم؛ وهذا ظلم مبين لا يتحمله أحد؛ لكن السيسي يصر على المزيد من سحق المصريين!