“قمم” الخوف من الحرب الأوكرانية

- ‎فيمقالات

لا تقتصر تداعيات الحرب الأوكرانية على الجوانب الاقتصادية التي ظهرت مبكرا مع انطلاق رصاصاتها الأولى، ولا تقتصر على إعادة رسم المشهد السياسي الدولي والتحالفات الإقليمية والدولية الذي لا يزال في طور التشكل، بل إنها تطال أيضا خرائط التحالفات الأمنية، والتحولات الديمقراطية في العالم وخاصة في منطقتنا العربية التي لا تزال تبحث عن أبسط حقوقها في الحرية والديمقراطية.

خلال الأيام القليلة الماضية شهدت المنطقة بعض التحركات المحمومة لحلف الاستبداد (قادة الثورات المضادة) في المنطقة مع داعمهم الإقليمي "الكيان الصهيوني"، على خلفية التعاطي مع الحرب الأوكرانية، لتجنب تداعياتها على عروشهم، ومحاولة الخروج منها بمكاسب.

من تلك التحركات قمة شرم الشيخ المفاجئة بين السيسي وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد ورئيس وزراء الكيان الصهيوني نفتالي بينيت، وكذا قمة العقبة بين الملك عبد الله بن الحسين والسيسي ورئيس الوزراء العراقي الكاظمي وولي عهد أبو ظبي أيضا، استباقا للقاء النقب في ضيافة وزير الخارجية الإسرائيلي، وبحضور وزير الخارجية الأمريكي بلينكن ووزراء خارجية مصر والمغرب والبحرين والإمارات، وهو اللقاء الذي وصف بأنه قمة تاريخية، كونه أول اجتماع تستضيفه إسرائيل لوزراء الخارجية العرب بحضور نظيرهم الأمريكي، في محاولة لاستغلال المخاوف من تداعيات الحرب الأوكرانية لإحياء فكرة الناتو الشرق أوسطي بقيادة إسرائيلية، وهي الفكرة التي تجمدت خلال الفترة الماضية بسبب بعض التطورات الإقليمية.

الأطراف التي تداعت إلى ثلاث قمم متتالية (شرم الشيخ- العقبة- النقب) لا تخفي مخاوفها من تداعيات حرب أوكرانيا، سواء السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية التي بدأت تظهر على الفور، ولكنها -أي تلك الأطراف- سعت للاحتماء ببعضها في مواجهة التحديات الجديدة التي فرضتها عليهم تلك الحرب.

فالكيان الصهيوني لديه مخاوفه الأمنية من تجدد انتفاضة فلسطينية جديدة ربما كان باكورتها مقتل أربعة إسرائيليين على يد فلسطيني، ولكنه في الوقت نفسه يسعى لاستثمار مخاوف جيرانه العرب من تداعيات الحرب، ومن احتمالات توقيع الاتفاق النووي الإيراني بما يزيد التهديدات الإيرانية لهم، خاصة مع تصاعد الضربات الحوثية الموجعة لأهداف استراتيجية سعودية، وهي الضربات التي يسود الاعتقاد بأنها بأيد وسلاح إيراني بشكل مباشر. ويسعى الكيان الصهيوني لتقديم نفسه كضامن جديد لأمن تلك الدول في مواجهة أي تهديد لها بالتعاون مع الولايات المتحدة، وضمن تحالف عسكري جديد (الناتو العربي الإسرائيلي).

تدرك الدول العربية المشاركة في تلك القمم أن لتلك الحرب تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية عليها بدرجات متفاوتة، فالدول الخليجية المشاركة لديها خوف أساسي من الخطر الإيراني مع توقعات قوية بتخلي الولايات المتحدة عنها، كما أن لديها مخاوف من اهتزازات سياسية داخلية قد تتطور إلى موجة ربيع عربي جديدة تستفيد من التغيرات الدولية الراهنة.

أما مصر فمخاوفها ثلاثية الأبعاد، سياسية وأمنية واقتصادية، حيث التخوف من تدهور الأوضاع الاقتصادية مع الصعود الصاروخي للأسعار، وهبوط الجنيه، وهروب الاستثمارات الأجنبية، وتصاعد حجم الديون الخارجية والداخلية، وهو ما ينذر بانتفاضة شعبية تتنامى الدعوات لها، كما تخشى من رفع الغطاء السياسي الغربي عن نظام السيسي، في ظل هذه الأوضاع. وأخيرا فإنها تخشى عودة الأعمال الإرهابية سواء في سيناء أو عيرها؛ استغلالا لهذا الوضع الدولي المشغول بحرب أوكرانيا.

في مواجهة القمم التي عقدها أو سيعقدها قادة الثورات المضادة، فإن الواجب يحتم على قوى الربيع العربي أن تتداعى بدورها لعقد لقاءات مشتركة لبحث تداعيات تلك الحرب، وما تتضمنه من فرص أو مخاطر عليها، خاصة أن تأثيراتها الاقتصادية على شعوب المنطقة لا سيما في مصر وتونس وشمال أفريقيا عموما أصبحت ظاهرة. كما أن مقاتلين سوريين وليبيين يشاركون في الحرب سواء لدعم الجانب الروسي، وهذا هو الأغلب، أو لدعم الجانب الأوكراني. وهذا يعني أن طرفي الحرب لن ينسيا من وقف معهما ومن وقف ضدهما، فلو انتصر المعسكر الأمريكي الغربي فإن هذا سيعني معاقبة نظام الأسد في سوريا ومعاقبة حفتر في ليبيا، والعكس صحيح حال حققت روسيا انتصارا، فإن ذلك سيمثل دعما لعملائها.

من التداعيات السلبية للحرب أيضا سحب الأضواء عن تحركات شعبية دفاعا عن الديمقراطية في بعض الدول العربية، مثل تونس والسودان، والحوار الوطني الجديد في اليمن، ولكن في الوقت نفسه قد يكون الأمر فرصة لتطور تلك التحركات الشعبية في ظل الانشغال بالحرب من قبل العواصم الكبرى التي توفر دعما للأنظمة القمعية العربية، أو ربما تشعر تلك العواصم بخطورة نظم الاستبداد بعد أن ذاقت مرارته من بوتين..

………..

نقلا عن "عربي 21"