كما في جنازة كل شاب أو شيخ قضى نحبه في معتقلات السيسي أو على يد عصابة الأمن، يجري محاصرة المقابر، والتنبيه على أسرة المتوفى بمنع إقامة الجنازات، وتقليص أعداد المشيعين للجنازة، وهو دأب فاضح للسيسي ونظامه العسكري الذي يعلم حجم الغضب ضده بالشارع المصري، ويستمر في غيه وعناده ، بل ويطبل له المطبلون بأنه قوي وما زال ناجحا وإن الشعب معه في خانة واحدة ، وهذاعلى عكس الواقع تماما.
وقبل أيام رفض الأمن الحاكم الفعلي لمصر إقامة سرادق العزاء لزوجة رجل الأعمال صفوان ثابت، المرحومة بهيرة الشاوي، بداعي الأوضاع الأمنية، وكان لافتا حضور قطاع واسع من المشيعين للجنازة من عموم المجتمع المصري وصفوته، وسط تعاطف كبير ورفض للمظالم التي مُني بها رجل الأعمال وابنه وهما من يملكان شركة جهينة للألبان والعصائر، الشركة الرائدة في الشرق الأوسط ، وهو ما أرعب السيسي ونظامه، حيث أفادت تقارير لاحقة أن الأمن الوطني اجتمع بنواب حاليين وسابقين ورجال أعمال وقادة أحزاب، وحذرهم من تكرار أحاديثهم في جلسات الأصدقاء أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن المظلومية التي يتعرض لها صفوان ثابت ونجله في محبسهم، بتهم غير منطقية.
وقالت التقارير إن "الامن الوطني رصد تعاطفا كبيرا في الأوساط الشعبية والراقية بمصر مع قضية صفوان ثابت، الذي يتابع السيسي قضيته بنفسه، وذلك بعد موقف ثابت الرافض للتنازل عن حصته في الشركة لصالح جهة مخابراتية، تستهدف التوسع في صناعات غذائية تتفوق فيها شركة جهينة".
واشتكت مريم ثابت نجلة مؤسس شركة جهينة للألبان ورئيس مجلس إدارتها ، صفوان ثابت، من إلغاء عزاء والدتها، بهيرة الشاوي، الذي كان مقررا إقامته بمسجد الشرطة بالشيخ زايد مساء 20 مارس الماضي، لظروف وصفتها بأنها «خارجة عن إرادة الأسرة» ما فسره من حضروا الجنازة وقتها بوجود ضغوط أمنية على الأسرة لعدم إقامة العزاء.
اللافت للانتباه أن ذلك المنع يحدث مع أحد أشد مؤيدي الانقلاب؛ فبعد أيام من منع عزاء زوجة صفوان ثابت، منع الأمن الوطني إقامة عزاء نقيب المحامين رجائي عطية، في مسجد عمرمكرم، أو حتى في نقابة المحامين العامة بشارع رمسيس.
وعلى الرغم من أن عطية محسوب على نظام الانقلاب ولا خلاف بينه ونظام السيسي، إلا أن المنع جاء بعد تأكد الأمن الوطني من أن عموم المصريين غاضبون من الدولة وسياساتها وانتهاكاتها بحقهم.
وأمام المنع طالب مجلس النقابة العامة للمحامين عبد الفتاح السيسي، في بيان لهم، بالتدخل لرد اعتبار المحامين ونقيبهم السابق رجائي عطية بعد أن تدخلت جهة أمنية لمنع تشييع جثمانه وتلقي العزاء داخل نقابة المحامين، فضلا عن إجبارها للقائمين على مسجد عمر مكرم لإلغاء حجز قاعتين به لتلقي العزاء، ما أجبر النقابة على إقامة العزاء بفيلا مهجورة مجاورة للمسجد قبل دقائق من الموعد المحدد للعزاء.
واعتبر محامون أن التخوفات الأمنية مبالغ فيها وتسيء للسلطة، ما يستوجب محاسبة المسؤول عنها.
وكان عطية قد وافته المنية صباح السبت الماضي خلال وجوده بقاعة محكمة جنايات الجيزة، استعدادا لترأس فريق الدفاع عن تسعة محامين أحالتهم النيابة العامة في فبراير الماضي لـ«الجنايات» بتهم: «التجمهر وتعطيل دائرة جنح مستأنف أوسيم عن العمل» وذلك بعد مشادة مع قاض عام 2015.
وقال عضو بمجلس النقابة ، إنه "عقب إعلان وفاة عطية يوم السبت الماضي ووصول جثمانه إلى مسجد عمر مكرم للصلاة عليه، استأذن مجلس النقابة الأجهزة الأمنية بنقل الجثمان إلى مقر النقابة العامة للمحامين بشارع رمسيس بوسط البلد لتشييع جثمانه إلى المقابر من النقابة تكريما له، ولكن الأمن رفض، وطلب بالصلاة على عطية بمسجد عمر مكرم وتم الاتفاق وقتها على أن تعقد الجنازة أيضا بمسجد عمر مكرم قبل أن يغير الأمن رأيه ويطالب الموظفين المسؤولين عن قاعات العزاء بالمسجد بالاتصال بأسرة عطية قبل دقائق من موعد العزاء المقرر له عقب صلاة المغرب أمس الأول، وإخبارهم بإلغاء الحجز ومطالبتهم بالحضور للحصول على رسوم الحجز التي دفعوها.
وأشار مجلس النقابة في رسالته إلى السيسي إلى أنهم استجابوا لرفض الأجهزة الأمنية بعدم نقل جثمان عطية إلى مقر النقابة حرصا على عدم حدوث أي مشكلات، ولكنهم فوجئوا بأن نفس الجهة -دون تحديدها- طلبت من مسؤول مسجد عمر مكرم بإغلاق القاعات، بعد أن أخبر المسؤول نفسه مجلس النقابة بأن القاعات جاهزة لاستقبال المعزين.
وأضاف أعضاء مجلس النقابة أنهم تقدموا بطلب ثان للأمن لإقامة العزاء بمقر النقابة، ولكن رُفض الطلب للمرة الثانية أيضا، مشددين على أنهم أجروا اتصالا بأعلى المستويات ولكن لم يستجب أحد لطلبهم، ما اضطرهم للبحث عن مكان لإقامة العزاء حتى الخامسة من عصر أمس الأول، ما اعتبروه عدم تقدير للمحامين والمحاماة.
وقال المحامي أسعد هيكل الذي حضر العزاء ، في تصريحات صحفية إن "وفاة وجنازة وعزاء نقيب المحامين لم تخلُ من رمزية التعبير عن الواقع وما ينطوي عليه من المبالغة في تقييد الحريات لدرجة الإساءة لسمعة مصر، مضيفا أن النقابة اضطرت إلى إحضار كراسي ونصب صوان داخل فيلا مهجورة مجاورة لمسجد عمر مكرم في مكان في منتهى السوء ما أدى إلى تعثر عدد من النساء وكبار السن الذين حضروا الجنازة خلال وصولهم إلى السرادق، وسقوط بعضهم على الأرض".
وأوضح أن العزاء حضره ممثل عن الرئاسة وسفراء دول عربية ووزراء وكبار رجال الدولة وعشرات المحامين ولا يوجد مبرر لرفض عقده في نقابة المحامين أو بمسجد عمر مكرم وخروجه بمظهر غير مناسب لتعامل السلطة مع نقيب المحامين.
ويعد السلوك الأمني معبرا عن حجم الكراهية الشديدة من قبل المصريين للسيسي ونظامه وخشية الأجهزة الأمنية من أن تكون التجمعات فرصة لانطلاق أي غضب شعبي مرصود ، للخروج عن السيطرة الأمنية، وهو ما يكشف أيضا حجم الفشل السياسي للنظام، الذي ظل لسنوات يحارب جماهير الكرة وابتكر نظاما أمنيا لتحديد حضورهم المباريات، عبر حجوزات مسبقة بالأسماء وأرقام البطاقات الشخصية ، مع الترتيبات الأمنية والتضييق على كل ما يتهم بقربه من المعارضة.
وعلى الرغم من سياسات تكميم الأفواة التي تطبق على جميع المصريين حاليا، لا يمكن استمرار الأوضاع الحالية على ما هي، وسط غليان شعبي يصل لدرجة الانفجار السياسي في وجه الننظام ككل، حيث يواجه الشعب المصري انتهاكات أمنية وأكاذيب إعلامية مستفزة وواقع مزري على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي ، وغلاء أسعار السلع والخدمات بشكل فاق التوقعات، وإغلاق العديد من الشركات والمصانع لارتفاع أسعار الطاقة وندرة وجود المواد الخام، ونقص الإنتاج والبطالة والفقر والجرائم الأمنية والانفلات الأمني والأخلاقي وتقييد الحريات ، وكلها عوامل انفجار يسعى الجهاز الأمني لتقليصها ومحاصرتها بالعصا الأمنينة وليس بإيجاد حلول لها ، ومن ثم تبقى الجنازات معيارا للشعبية ومعيارا للتقييم، كما كان يقول مرشد الإخوان المعتقل حاليا الدكتور محمد بديع "بيننا وبينكم الجنائز".