اليوبيل الذهبي لنصر رمضان.. الأرض لم تشرب الدماء

- ‎فيمقالات

وفقًا للتقويم الهجري، فإننا في شهر رمضان الحالي نمر باليوبيل الذهبي لحرب العاشر من رمضان 1393 هجرية، الموافق السادس من أكتوبر 1973 ميلادية.

نصف قرن مر على تلك الحرب، ولكن دماءها لم تجف بعد، ولم تشربها أرض سيناء أو الجولان.

خمسون عامًا لم تغيّر الطبيعة العدوانية للكيان الغاصب، ولم تمح آلام الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية، ولم تطفئ لهيب الغضب ضد العدوان، ولم تقنع الشعوب العربية والإسلامية بابتلاع سم التطبيع مع قاتل أبنائها ومغتصب أرضها.

خلال الأعوام الخمسين الماضية، غيّب الموت قادة نصر العاشر من رمضان تباعًا، ولم يتبق منهم إلا قلة قليلة لا يعرفها أحد إلا عند إعلان وفاة أحدهم، ومع ذلك ظلت ذكرى ذلك النصر متأصلة في نفوس المصريين، يحتفلون بها عامًا بعد عام، وإن تراجعت المظاهر الاحتفائية التي كانت من قبل تأخذ أشكالًا كثيرة أهمها افتتاح مشروعات جديدة، وإقامة عروض عسكرية تتضمن بعض المنتجات، أو الآليات العسكرية المنتجة حديثًا، أو بعض الأوبريتات الغنائية، وغيرها.

قبل 25 عامًا، احتفلت القوات المسلحة باليوبيل الفضي لنصر أكتوبر/رمضان، ونظمت عرضًا عسكريًّا بمشاركة كل أفرع القوات المسلحة، كما عقدت ندوة كبرى شاركت شخصيًّا في تغطيتها صحفيًّا على مدى ثلاثة أيام، بحضور قادة الحرب الأحياء (باستثناء الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش خلال الحرب الذي كان مغضوبًا عليه من الرئيس السابق حسني مبارك امتدادًا لغضب الرئيس الأسبق السادات بسبب أزمة ثغرة الدفرسوار خلال الحرب)، بالإضافة إلى العديد من العروض الفنية، ومنها أوبريت كفاح طيبة. وفي أكتوبر من العام المقبل يحل موعد اليوبيل الذهبي لذلك النصر وفقًا للتقويم الميلادي، ولعل هذه الكلمات تكون تذكرة للاستعداد من الآن لتلك المناسبة الوطنية.

رغم أن الندوة العسكرية قبل 25 عامًا ناقشت العديد من القضايا العسكرية والسياسية والاقتصادية، فإنها لم تتطرق إلى تقييم العمليات العسكرية، وما حدث فيها من أخطاء كان يمكن تجنبها، أو التعامل معها بطريقة مختلفة تقلل خسائرها، بينما أجرت إسرائيل تحقيقًا عاجلًا في خسارتها للحرب، في ما عُرف بلجنة أجرانات، نسبة إلى رئيسها رئيس قضاة المحكمة العليا شمعون أجرانات، وقد ضمت اللجنة التي جرى تكوينها في 21 نوفمبر 1973 كلًا من القاضي موشيه لاندو وإسحاق نابينزال، ورئيسَيْ أركان سابقيْن، وأصدرت بعد تحقيقاتها الموسعة، واستماعها لعشرات القادة، وعلى رأسهم رئيسة الوزراء جولدا مائير، ووزير الحرب موشي ديان، تقريرًا أدانت فيه القيادات العسكرية، وأوصت بإقالتهم، كما استقال القادة السياسيون نتيجة الضغوط الشعبية، وبعد مرور خمسين عامًا على حرب أكتوبر فإننا في مسيس الحاجة لتقييم موضوعي لتلك الحرب، وانتصاراتها وانكساراتها، فلم يعد ذلك يؤثر على الحالة المعنوية للقوات المسلحة كما كانت الحجة من قبل، خاصة أن المصريين والعرب قرأوا روايات متباينة لقادة الحرب، ومنهم وزير الحربية المشير أحمد إسماعيل، ورئيس الأركان الفريق الشاذلي، ورئيس هيئة العمليات عبد الغني الجمسي، بل والرئيس السادات نفسه وعدد كبير من القادة الميدانيين.

منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني في العام 1979، جرت محاولات رسمية كثيرة للتطبيع، لكن الشعب المصري وقواه الحية -ممثلة في الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية ومراكز الشباب والنوادي الرياضية والاتحادات الطلابية- رفضت تلك المحاولات، وأصدرت جمعياتها العمومية قرارات ضد التطبيع والمُطبّعين، صحيح أن خروقًا حدثت لتلك القرارات في بعض النقابات لكنها كانت استثناء يؤكد القاعدة، ورغم ارتفاع وتيرة مساعي التطبيع مؤخرًا فإنها ظلت محصورة في النطاق الرسمي بعيدة عن النطاق الشعبي.

ورغم مرور خمسين عامًا على حرب العاشر من رمضان، وأكثر من 40 عامًا على توقيع معاهدة السلام، فإن ذلك لم يُحدث اختراقًا على المستوى الشعبي، ولا يستطيع أي سائح أو زائر إسرائيلي حتى الآن أن يتحرك باطمئنان وبشكل معلن في شوارع مصر وحواريها، وهذا هو المؤشر الحقيقي لنجاح مساعي التطبيع أو فشلها.

إعلان

وبمناسبة الحديث عن التطبيع، ففي مقابل الهرولة الرسمية العربية، فإن مواقف الشعوب والقوى الحية لا تزال على عهدها رفضًا وتنديدًا به، وقد كانت أحدث المشاهد انسحاب المنتخب الوطني الليبي للمبارزة من نهائي البطولة العالمية تجنبًا لمواجهة الفريق الإسرائيلي، وهو ما تكرر من قبل كثيرًا مع فِرق رياضية ورياضيين عرب آخرين، رغم أن ذلك يعرّضهم لعقوبات مؤلمة من الاتحادات الدولية، ويعرّضهم لتهم معاداة السامية.

 

حق يأبى النسيان
كانت حرب رمضان واحدة من حروب أربع خاضتها مصر من أجل القضية الفلسطينية، سبقتها حروب 1948 و1956، و1967، وخلال تلك الحروب ظلت القضية الفلسطينية على قمة الاهتمامات الدولية بحثًا عن حل سياسي لها. وقد كانت تلك القضية جزءًا أساسيًّا من مفاوضات كامب ديفيد عقب زيارة السادات إلى القدس، ثم جرى الاتفاق في أوسلو على قيام سلطة وطنية فلسطينية في غزة والضفة الغربية، ولكن القضية تعرضت لمحاولات لطمسها وطيها خلال السنوات القليلة الماضية، مع تهافت العديد من الأنظمة العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وتراجعها بالتالي عن دعم القضية الفلسطينية، بل وضغوطها على الفلسطينيين للقبول بالوضع الراهن، لكنها قضية تأبى النسيان، وتذكّر بنفسها حين يتخلى عنها الآخرون، وما العمليات الفدائية التي شهدتها الأرض المحتلة مؤخرًا إلا تذكرة، وتأكيد أن أصحاب القضية لا يزالون متمسكين بحقوقهم المشروعة في إقامة دولتهم الحرة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

………..

نقلا عن "الجزيرة مباشر"