إحدى القراءات المهمة لدعوة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي للحوار السياسي خلال حوار أجراه مع عدد من إعلاميه في منطقة توشكى يوم الخميس 21 إبريل 2022م، هي أنها محاولة للهروب من المشاكل التي أوقع السيسي فيها مصر بسياساته القائمة على البطش والقمع في شقها السياسي، والاستدانة وفرض الضرائب الباهظة وخفض الدعم والإنفاق بسفه وجنون في شقها الاقتصادي.

لكن اللافت حقا هو أن السيسي قد أقر بالعجز والفشل؛ حيث اعترف أن «التحديات في مصر أكبر من أي رئيس وحكومة، لكنها لم تكن أكبر من الشعب المصري». دعك من الجملة الأخيرة في الفقرة؛ فالسيسي غيب الشعب فعليا ويكفي أنه داس على إرداة الشعب الحرة وأطاح بالرئيس الذي انتخبه الشعب بنزاهة وزج به في السجن ظلما ثم اغتاله خيانة وغدرا، ثم  فرض نفسه رئيسا في انتخابات صورية هي مسرحيات معلومة النتائج مسبقا، ويكفي ما جرى في مسرحية 2018، عندما راحت أجهزته تبحث عن منافس على المقاس حتى يتم إخراج المسرحية في شكل تنافسي حتى لو كان وهميا وصوريا. لكن الأهم هي الجملة الأولى ««التحديات في مصر أكبر من أي رئيس وحكومة»؛ فهذا اعتراف نادر بالعجز والفشل، وهو صاحب التصريح الشهير «بكرة تشوفوا مصر».

السيسي عندما يطلق مثل هذه الدعوة في هذا التوقيت ما دفعه إلى ذلك إلا وطأة المشاكل التي تحاصره؛ فقد أغرق مصر في ديون باهظة حيث ارتفعت ديون مصر الخارجية من 43 مليار دولار بنهاية يونيو 2013م، إلى 145 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2021م، معنى ذلك أن السيسي وحده اقترض أكثر من 100 مليار دولار في نحو تسع سنوات، بينما اقترض كل حكام مصر 43 مليارا في أكثر من مائة عام. كما ارتفع حجم الديون المحلية من 1.3 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2013م، إلى 5.5 تريليونا بنهاية ديسمبر 2021م. معنى ذلك أن السيسي وحده اقتراض ثلاثة أضعاف كل ما اقترضه حكام مصر السابقون في أكثر من مائة سنة!!

حجم الغلاء وارتفاع مستويات التضخم، تفوق قدرات الناس أضعافا مضاعفة؛ قبل السيسي كانت نسبة الفقراء في مصر تصل إلى نحو 25%، وفي 2019 قدرت تقارير تابعة للبنك الدولي حجم الفقراء في مصر بنسبة نحو 60%، ولا شك أن هذه النسبة تزايدت كثيرا بفعل تداعيات تفشي جائحة كورونا بداية من سنة 2020م، وما تلاها من عمليات إغلاق واسعة للمصانع والشركات والموانئ وخطوط الإمداد، ثم التداعيات المتعلقة بالحرب الروسية الأوكرانية والتي قفزت بأسعار الوقود إلى نحو 120 دولار للبرميل، كما ارتفعت أسعار الغذاء إلى نسب تزيد عن 30%.

كما أن السياق الذي تأتي فيه دعوة السيسي للحوار تبرهن على أنه مجرد مسرحية جديدة يستهدف بها النظام إلهاء الشعب فترة من الزمن، ومنح الإعلام شيئا يتحدث عنه في ظل جمود المشهد السياسي. ذلك أن هذه الدعوة للحوار تأتي في ظل الحرب الإعلامية التي يشنها النظام ضد قيمة الثورة والديمقراطية وشن حرب دعاية سوداء بحق جميع المنتمين لمعسكر ثورة يناير ودعم المسار الديمقراطي ورفض مسار الانقلاب العسكري من خلال «الاختيار3»، لأن الحوار بمعناه الحقيقي هو حوار مع أكبر فصيل سياسي في مصر ورفع جميع التهم الباطلة التي لفقت لهم وإخراج عشرات الآلاف من المعتقلين والمحكوم عليهم ظلما؛ وبالتالي فإن ذلك يعصف بكل روايات النظام وسردياته المزيفة وهو أمر لن يقدم عليه النظام العسكري مطلقا. كما تأتي دعوة السيسي متزامنة مع اعتقال «ظرفاء الغلابة» وهم ثلاثة مواطنين من أسيوط ينشرون فيديوهات تسخر من الغلاء عبر "تيك توك"، وكذلك القبض على الصحافية صفاء الكوربيجي لأن  دانت فتح سيناء أمام الصهاينة.

وبرصد وتحليل بيان الرئاسة بشأن جولة السيسي في توشكى وتصريحاته حول الحوار السياسي يمكن التوصل إلى المآرب الحقيقية لهذا الحوار، فقد ركز بيان رئاسة الانقلاب على النقاط والمضامين الآتية:

  • "التحديات في مصر أكبر من أي رئيس وحكومة، لكنها لم تكن أكبر من الشعب المصري".
  • "نحتاج إلى حوار سياسي يتناسب مع فكرة بناء الجمهورية الجديدة".
  • تحدث عن "مبادئ الإصلاح الاقتصادي". والتداعيات الاقتصادية للأزمة الروسية الأوكرانية على مصر، وانعكاساتها على زيادة الأسعار، واستراتيجية الدولة للتعامل مع تلك التداعيات.
  • تناول عدد من المشروعات القومية الكبرى خاصة مبادرة حياة كريمة لتنمية قرى الريف المصري".
  • التحديات الداخلية الأخرى مثل (جهود مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف والحفاظ على الهوية الوطنية وكيفية التناول الإعلامي والدرامي في هذا الإطار ــ القضية السكانية وأبعادها المختلفة وتأثيرها السلبي على مسيرة التنمية).

وبقراءة متأنية لهذه النقاط والمضامين، فإنها تبرهن على أن عقلية النظام لم تتغير، وأن الدعوة إلى الحوار الهدف منها هو التهرب من المشاكل والأزمات التي تحاصر النظام في ظل عجزه المكشف عن إدارة الدولة ومواردها على نحو صحيح يعزيز مكانة الدولة ويريد الدخل القومي ويحمي الأمن القومي للبلاد.

هذا الحوار المزعوم يستبعد ابتداء عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين؛ وبالتالي فإنه يستبعد الإخوان المسلمين وكل مكونات الفريق الإسلامي الكبير الذي رفض الانقلاب على المسار الديمقراطي والرئيس المنتخب.  وحديث بيان رئاسة الانقلاب عن الإرهاب والدراما خير برهان على ذلك. معنى ذلك أن الحوار الذي يريده السيسي هو حوار مفصل على مقاس السلطة مع الأحزاب الكرتونية الموالية لها وقد تضم لها بعض الأحزاب العلمانية التي كانت جزءا من تحالف 30 يونيو كحزب الكرامة ورئيسه حمدين صباحي والدستور والمصري الديمقراطي وكلها أحزاب هشة لا شعبية لها.

ويكفي أن الانطباع الأول الذي قوبلت به دعوة السيسي هو التهكم والسخرية؛ ذلك أن السيسي في كل ممارساته وسياساته منذ ظهوره على مسرح الأحداث في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م،  قد وأد أي معنى للحوار؛ فهو لا يتحاور مع معارضيه وخصومه إلا بأدوات الغدر والخيانة في مرحلة ما، والقتل والعنف والإرهاب في مراحل لاحقة؛ ويكفي أنه اغتصب حكم مصر بانقلاب عسكري في يوليو 2013م،  دعمه أعداء مصر الألداء.

الخلاصة أن تجربة السنوات الماضية برهنت على أن السيسي لا يتحاور إلا بصنادق السلاح والذخيرة؛ وتاريخه خير شاهد؛ فسمات الغدر والخسة والخيانة متأصلة في شخصته ومتجذرة في نفسه إلى حدود لا يمكن تخيلها؛ ويكفي أن السيسي هو سفاح أكبر مذبحة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر (مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر) وغيرها من المذابح الوحشية التي يندى لها جبين الإنسانية، كالحرس الثوري والمنصة ورمسيس ومصطفى محمود والسادس من أكتوبر 2013، واستاد بورسعيد والدفاع الجوي، وهو من كان يقف فعليا وراء مذابح مجلس الوزراء وشارع محمد محمود لعرقلة أي تحول ديمقراطي بمصر في أعقاب الإطاحة بمبارك. فالسيسي هو من كان يقف وراء جميع الجرائم والفلتان الأمني في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م، هو من كان يمثل الطرف الثالث الغامض، الذي اتضح أنه المجلس العسكري والدولة العميقة التي تحتل مصر بالوكالة عن خصوم الأمة وأعدائها.

Facebook Comments