قال الباحث الاقتصادي د. أحمد ذكر الله إن "تقرير وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني الاقتصادي على أهمية ما تضمنه من تقييم للموقف الاقتصادي المصري الراهن إلا أنه أكد تلقف المصريين أخبار اقتصادهم من خلال الوكالات الدولية المتخصصة، وليس عن طريق مؤسساتهم المصرية المعتمدة، كما اعتادوا خلال السنوات الماضية".
واتهم الباحث الاقتصادي، خلال الورقة التي نشرها المعهد المصري للدراسات، الانقلاب بتضليل المواطنين من خلال تأخر تحديث البيانات الاقتصادية، خاصة بيانات الدين العام المحلي لفترات قد تقارب العام الكامل، مما يمنع الباحثين والمتابعين للاقتصاد المصري من تكوين نظرة تقترب من الحقيقة حول الأوضاع الاقتصادية الداخلية، وتغييب الجهات الرقابية، سواء من خلال سن القوانين التي تمنع الطعن على تعاقدات الحكومة ، وإعطاء المزيد من النفوذ الاقتصادي للجهات الأمنية، بالإضافة إلى الغياب الكامل لدور البرلمان الرقابي".
ليخلص ذكر الله في ورقته البحثية التي أتت بعنوان " الديون المصرية في تقرير ستاندرد آند بورز، دلالات ومآلات"  ونشرها المعهد المصري للدراسات ، أن الموقف الحقيقي للاقتصاد المصري غائم إلى حد كبير وفقا للبيانات المنشورة محليا.

توقعات التقرير لمصر

ومن أول توقعات التقرير أن تقترض مصر 73.4 مليار دولارا أمريكيا خلال العام الحالي 2021-2022 وأن التقرير يرصد قفزات الديون السيادية السنوية لمصر، فبينما اقترضت مصر 33.6 مليار دولار عام 2017 تزايدت إلى  38.1 مليار في العام التالي ثم 45.4 مليار في عام 2019، بما يعني محدودية الزيادات السنوية بأقل من 5 مليار دولار سنويا، ولكن حدثت الطفرة بداية من عام2020، حيث اقترضت مصر 56.5 مليار دولار بزيادة 10 مليارات كاملة عن العام السابق له، وهو الأمر الذي يوضح الأزمة الكبيرة لتداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد المصري، وهي الأزمة التي ازدادت عنفا في عام 2021 حين اقترضت مصر63 مليار دولار بزيادة تقارب 20 مليارا كاملة عن عام ما قبل كورونا.

عمود الاقتراض
وأشار إلى أن تقرير "ستنادرد أند بورز" يؤشر على تصاعد اعتماد الدولة المصرية على الاقتراض من الخارج، وبات الحديث عن عزم مصر اقتراض 73.4 مليار دولار في العام الحالي كديون طويلة الأجل بزيادة 10 مليار دولار عن العام السابق ، يبدو متوافقا مع التصاعد الرقمي السابق.
وأضاف أن عجز الموازنة الحالية وهو الفرق بين الإيرادات البالغة تريليون و365 مليار جنيه والمصروفات البالغة تريليون و837 مليار جنيه، ما يقارب 500 مليار جنيه، بما يعادل33 مليار دولار تقريبا بسعر صرف 15.5 جنيها لكل دولار، وفقا للسعر في بداية العام المالي،  وسيتم اقتراضها من خلال أدوات الدين المحلية، وبالتالي سيكون الباقي طبقا للرقم التقديري الوارد في التقرير حوالي 40 مليار دولار سيتم اقتراضها من الخارج كقروض طويلة الأجل، ومعظمها من خلال الاكتتاب في السندات بالعملات الأجنبية، هذا غير القروض قصيرة الأجل المطلوبة للوفاء بالاحتياجات العاجلة، فضلا عن القروض من المؤسسات الدولية والاتفاقيات الثنائية.

 

طفرة الاقتراض
ورصد تقرير الوكالة بحسب الورقة البحثية أن حجم الطفرة الضخمة لرقم الاقتراض المصري السيادي السنوي الذي بلغ 33.6 مليار دولار عام 2017 مقارنة بحوالي 73 مليار متوقعة للعام الحالي بزيادة بلغت ما يقارب 40 مليار دولار كاملة ، ومع استمرار تداعيات الأزمات العالمية المتنامية وعجز الاقتصاد المحلي وسوء إدارته ، وأنه ليس من المستبعد استنتاج حدوث زيادة 40 مليار دولار أخرى خلال العامين القادمين، بما يعني أن مصر ربما تحتاج 110 مليار دولار على الأقل من الديون السيادية في عام 2024 وربما 2025.
ومن الجوانب المهمة في زيادة الديون ما ذكره الباحث من ارتفاع معدلات تمديد الديون المصرية كنتيجة لوجود نسبة عالية من الديون قصيرة الأجل من إجمالي الدين العام، حيث تشكل 26% منه، وهي نسبة مرتفعة على الرغم من المحاولات الحكومية المصرية المكثفة للانتقال بالديون المصرية إلى الآجال الطويلة، وهو الأمر الذي يشير كذلك إلى أن هذا التحول يحتاج إلى المزيد من الوقت، مما قد يرجح توقع تمديد 35% من الديون المصرية خلال العام الحالي.

أدلة دامغة
واعتبرت أن طفرة المديونية دليل دامغ على عدم قدرة السلطة على تطوير أنشطة اقتصادية تستطيع من خلالها سداد نسبة من تلك المستحقات للخارج، فضلا عن عجزها عن تدبير الموارد الدولارية لتغطية العجز المتفاقم في الميزان التجاري وفي الموازنة العامة، موضحة أن القروض التجارية من المفترض أن توفر تمويلا لأنشطة إنتاجية تدر عائدا يسمح بسداد القروض وفوائدها، ثم يرفع من الناتج المحلي الإجمالي، وليس استخدامها لمجرد سداد القروض السابقة أو لتغطية العجز  في الموازنة العامة والميزان التجاري، حيث قدر المديونية السابقة بنحو 30 مليارا من الديون الجديدة على الأقل ستذهب لمجرد الوفاء بديون سابقة ليس أكثر.

وأكدت الورقة أن "وجود طفرات ضخمة في زيادات الدين المحلي المصري خلال السنوات الخمس الأخيرة، يؤكد استهانة كبيرة من السلطات المحلية بتداعيات القروض بنوعيها المحلي والخارجي على المستقبل الاقتصادي للبلاد، علاوة على وضوح التوجه العام بالاعتماد المفرط على القروض كمصدر أساسي ومستدام للتمويل، وهو الأمر الذي يجعل الاقتصاد دائم الانكشاف أمام الأزمات العالمية".

 

3900 دولار
ورصد الباحث ديون كل مواطن مصري من الدين العام إلى أكثر من 3900 دولار مع نهاية 2022، أي أكثر من 71 ألف جنيه مصري، وهذا وفقا لسعر الصرف الحالي، ومع التراجع المحتمل بقوة لقيمة الجنيه تحت وطأة الاحتياجات الملحة للنقد الأجنبي، ومع التزايد الكبير لطفرات الاقتراض الداخلي والخارجي المشار إليها سابقا، من الممكن الإشارة إلى احتمالية كبيرة لتخطي نصيب المواطن من إجمالي الديون السيادية حاجز 7 آلاف دولار في غضون عامين، وبما يزيد عن 135 ألف جنيه دينا على كل مواطن بسعر الصرف الحالي.
ومما تضمنه التقرير الإشارة إلى أن أعباء الموازنة العامة في سداد فوائد وأقساط الديون الخارجية والداخلية، تبلغ إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة على مصر في العام المالي الحالي نحو 1.172 تريليون جنيه، عند خصمها من إجمالي حجم الإيرادات بالموازنة العامة والبالغة تريليون و365 مليار جنيه يتبقى فقط 213 مليار جنيه لإنفاقها على بنود النفقات العامة في الأبواب المختلفة للموازنة المصرية مما يعني أن إجمالي خدمة الدين من أقساط وفوائد تتجاوز 85% من إجمالي إيرادات الدولة هذا العام، ولا يبقى إلا أقل من 15% من الإيرادات للإنفاق العام مما يقتضي الحاجة لتدبير باقي احتياجات الإنفاق العام من مصادر أخرى.

الترتيب العالمي
ولفت تقرير الوكالة في ضوء ما تتبعه الباحث إلى أن مصر تستحوذ على 0.6% من إجمالي الديون التجارية في العالم وأن قروضا عملاقة ابتلعهتها المنظومة عبر إصدار سندات بقيم كبيرة، وسوف تكون أكبر طالب لهذه الديون في الشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا.

إن نظرة على إجمالي الديون الخارجية لكل دول الاقتصادات الناشئة، توجب الإشارة عند هذه المقارنة إلى أنه يجب الأخذ في الاعتبار الناتج المحلي الإجمالي للدول محل المقارنة، فعلى سبيل المثال تستحوذ تركيا وهي أحد الاقتصادات الناشئة وفقا للتقرير على 0.3% من إجمالي الديون التجارية في العالم، في الوقت الذي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي أكثر من 800 مليار دولار مقارنة بالناتج المحلي المصري الذي لا يتجاوز 300 مليار دولار فقط في العام السابق.
وطالب عند المقارنة الإشارة أيضا إلى حصة الحكومة من تلك الديون، فعلي سبيل المثال تبلغ حصة الحكومة التركية أقل من 30% من الديون الخارجية والباقي مستحق على شركات القطاع الخاص، مقارنة بنصيب يبلغ أكثر من 80% من الديون الخارجية على الحكومية المصرية، وتنبع أهمية هذه الإشارة أنه من السهل إعلان إفلاس أي شركة تابعة للقطاع الخاص تتوقف عن السداد وفق قانون الإفلاس للدولة العاملة بها، بينما إفلاس الدولة يترتب عليه الكثير من التداعيات المؤلمة .
ورجح الباحث أن "التصنيف الائتماني لمصر معرض للانخفاض نتيجة لانطباق كل العوامل الواردة عليها، من حيث ضعف المصداقية السياسية والموقف الضعيف للموازنة والاعتماد على الاقتراض بالعملات الأجنبية، مما سيؤدي إلى رفع معدلات الفائدة على القروض، وربما ستزداد نسب هذا الارتفاع مع انخفاض التصنيف الائتماني الناجم عن تلك العوامل، مما سيفاقم من المشكلة لتأخذ شكل الحلقة المفرغة".

https://eipss-eg.org/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86%d8%af%d8%b1%d8%af-%d8%a2%d9%86%d8%af-%d8%a8%d9%88%d8%b1%d8%b2-%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%85%d8%a2%d9%84%d8%a7%d8%aa/

 

Facebook Comments