في حقيقة الأمر يقوم النظام العالمي من خلال سلوكياته وتعاملاته على منهج القوة لا القانون إلى حد كبير، القوي يفرض إرادته ومشيئته، والضعيف يسمع ويطيع، وإلا كان التنكيل به مسألة عادية بحكم ما يملك الأقوياء من ترغيب وترهيب، صحيح أن النظام العالمي من خلال ما يسمى المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية يصدر خطاباً براقاً مليئاً بالأماني الطيبة والأحلام العذبة في تحقيق العدالة والسلم والرخاء والمساواة وسلامة الأبدان والأموال.. ولكن الواقع على الأرض أمر مختلف تماماً.

النظام العالمي يحقق مصالح الأقوياء الذين يملكون القوة المسلحة والتقدم التقني، ويهيمنون على الاقتصاد الدولي بحكم قدرتهم على الإنتاج والتصدير، ويشار إليهم بالغرب.

الخلافة الإسلامية حائط صد

كان الصراع بين دولة الخلافة الإسلامية والغرب حائلاً دون انفراد الغرب بالعالم، وبعد نجاحه مع اليهود والأرمن والروس، في إسقاط الخلافة وتفكيكها، وتحويل الأتراك بعد فصلهم عن بقية الدول الإسلامية، إلى مجرد دولة علمانية (تعزل الإسلام) تابعة للغرب، نشب الصراع بين الغربيين أنفسهم على اقتسام الغنائم (ومعظمها دول عربية وإسلامية) عقب الحرب العالمية الأولى (28 يوليو 1914 – 11 نوفمبر 1918م).

وهنا أنشأ المنتصرون بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919م منظمة «عصبة الأمم» بزعم الحفاظ على السلام الدولي، ومنع قيام الحرب عبر ضمان الأمن المشترك بين الدول، والحد من انتشار الأسلحة، وتسوية المنازعات الدولية عبر إجراء المفاوضات والتحكيم الدولي، وتحسين أوضاع العمل بالنسبة للعمّال، ومعاملة سكّان الدول المنتدبة والمستعمرة بالمساواة مع السكّان والموظفين الحكوميين التابعين للدول المنتدبة، ومقاومة الاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة، والعناية بالصحة العالمية وأسرى الحرب، وحماية الأقليّات العرقية في أوروبا.

وتكونت عصبة الأمم من 58 دولة تشمل دول العالم المستقلة والعربية، وكان مقرّها في جنيف، بسويسرا، وبدأت العمل في 10 يناير 1920م، واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية دون أن تنجز شيئاً ذا بال، اللهم إلا تأكيد تفتيت الدول العربية الإسلامية والدعم الضمني لاستباحتها من قبل دول الغرب الاستعمارية، وفتح الطريق أمام احتلال بريطانيا لفلسطين، وإتاحة المجال للعصابات اليهودية كي ترسخ بالدم وجودها العدواني الظالم في الأرض المقدسة!

وكان من الأسباب المباشرة التي أدت إلى إخفاق عصبة الأمم وأنهت وجودها، عدم منع العدوان الياباني على إقليم منشوريا الصيني عام 1932م، والعدوان الإيطالي على الحبشة عام 1936م، وبالطبع عدم قدرتها على منع نشوب الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م)، لافتقارها إلى وجود القوات العسكرية الرادعة.

هيئة الأمم بعد عصبة الأمم

أسس المنتصرون في الغرب منظمة الأمم المتحدة خلفاً لعصبة الأمم بهدف منع الحروب مستقبلاً، وفي 25 أبريل 1945م اجتمعت 50 حكومة في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة لصياغة ميثاق المنظمة الجديدة، واعتُمد في 25 يونيو 1945م، ودخل حيز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945م، وهو التاريخ نفسه الذي بدأت فيه الأمم المتحدة عملها، من أجل أن تقوم بدور بارز وأساسي في قضايا المجتمع الدولي المتعلقة بالأمن والسلم والحفاظ على استقرار الكيانات الدولية، عبر مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان التي تقوض الاستقرار العالمي.

وقد تفاءلت الشعوب بالمنظمة الجديدة، ولكنها للأسف أحبطتهم، فقد كان مجلس الأمن والجمعية العامة عوناً على إهدار حقوق الشعوب الضعيفة وتمزيقها، وإقرار الظلم ومكافأة القوة الهمجية الغشوم بما لا تستحق، ولعل أقرب الأمثلة على ذلك قرار تقسيم فلسطين بين أهلها والغزاة المعتدين بالقرار (181) لعام 1947م، وذلك قبل حرب 1948م، وهو القرار الذي قبله اليهود سريعاً ورفضه العرب، وبنى عليه الغزاة خطواتهم التالية.

المفارقة أن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة على امتداد ما يقرب من 70 عاماً أصدر مئات القرارات لصالح الفلسطينيين والعرب، ولم يُنفَّذ منها قرار واحد حتى الآن، وينطبق المثال الفلسطيني على ما جرى في أرض البوسنة والهرسك وكشمير وقبرص التركية.

مجلس الأمن مرهون بالدول الخمس الكبرى التي تملك حق النقض (الفيتو)، وهو حق مكفول للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين، وفي العقود الأخيرة تتولى الولايات المتحدة عادة أو واحدة من حليفاتها استخدام حق النقض ضد الفلسطينيين، وما يتعلق بهم، وهو ما يجعل المنظمة الدولية ذئباً يفترس الضعفاء ببساطة شديدة.

ومن الطرائف أن العدوان الروسي على أوكرانيا (24 فبراير 2022م) وضع مجلس الأمن وحق النقض في دائرة التقصير والقصور، ولم يستطع الغرب أن يصدر قراراً بحق روسيا يعتمد على «الفصل السابع» الذي يمنح المجلس حق معاقبة المعتدي عسكرياً واقتصادياً، وهو ما طرح لدى المراقبين والمحللين المحايدين ضرورة تغيير النظام الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن الدولي.

منظمات ضرورية لا غنى عنها

من الإنصاف أن نشير إلى أن هناك منظمات دولية رسمية تابعة للأمم المتحدة تقوم بمهمات مفيدة ونافعة، وأحياناً ضرورية للضعفاء المهزومين، فقد اهتمت الأمم المتحدة بعد تفاقم الأزمات الإنسانية وتعقدها، بعدد من المنظمات التي تعمل في ظلها، ومنها: برنامج الأغذية العالمي، ويونيسف، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).

وهذه المنظمات الفرعية تعمل في إطارات شبه إنسانية محضة، وإن كانت لا تسلم أحياناً من توظيف بعض أفرادها لصالح القوى الكبرى المهيمنة، أو توجيهها لخدمة أغراض اقتصادية أو سياسية ما، بيد أنه يمكن القول: إن بعض المنظمات الشهيرة مثل اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة)، قد أفادت الدول الأعضاء في بعض الأمور الأثرية، والتاريخية والتوثيقية، ولعله لا يبعد عن الذاكرة ما قامت به اليونسكو قبيل بناء السد العالي في مصر، حين أعلنت عن  مساعدتها لإنقاذ آثار النوبة، وقد بدأ العمل بتلك الحملة في مارس 1960 وانتهى في 10 مارس 1980م، وقامت الحملة بإنقاذ جميع المعابد المصرية بمنطقة النوبة، وقد بدأ إنقاذ معبدي أبو سمبل في عام 1964م من قبل الفريق المتعدد الجنسيات من علماء الآثار والمهندسين ومشغلي المعدات، في واحدة من أعظم تحديات الهندسة الأثرية في التاريخ.

أيضاً هناك منظمات ضرورية يصعب الاستغناء عنها، كتلك التي تسهم في إسعاف جرحى الحروب ونقلهم إلى المستشفيات، والإسهام في عمليات تبادل الأسرى، وفتح الممرات الآمنة، ومثلها جمعيات أو منظمات الإغاثة للاجئين والمشردين بسبب القتال، وهناك منظمة الهجرة الدولية التي تعمل مع 166 دولة عضو ولها مكاتب في أكثر من 100 بلد، وذلك للمساعدة في ضمان الإدارة المنتظمة والإنسانية للهجرة وتعزيز التعاون الدولي بشأن قضايا الهجرة والمساعدة في البحث عن حلول عملية لمشكلاتها.

بيد أن هناك منظمات تسعى لفرض ثقافة الغرب على المسلمين ولو خالفت دينهم وشريعتهم، ولعل مؤتمر الإسكان المنعقد في مصر عام 1996م، الذي تبنى زواج المثليين وحرية العلاقات الجنسية وغيرها، وتصدى له شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، يرحمه الله تعالى، خير مثال على ذلك.

ويلاحظ أن أفريقيا وأمريكا الجنوبية والدول الإسلامية لا تمثَّل بين الدول التي تملك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، كذلك لا يرقى مسؤول إسلامي إلى منصب أمين عام الأمم المتحدة، والعربي الوحيد الذي وصل إلى هذا المنصب كان غير مسلم، وهو د. بطرس بطرس غالي، ومع أنه نفذ كل ما طلب منه ضد المسلمين، سواء من جانب الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الكبرى وخاصة في مأساة البوسنة والهرسك، فإنه لم يسلم من العقاب، فقد وقفت الولايات المتحدة ضد التجديد له فترة ثانية، وساقت السفيرة الأمريكية «مادلين أولبرايت» وفقاً لموقع «مصراوي»، في 16 أكتوبر 2015م، أسبابها للوفد المصري، ومنها: أن غالي كثير السفر، وعنيد وصعب المراس، ولديه آراء محددة، والولايات المتحدة تمارس عليه ضغوطاً حتى يتماشى مع سياستها، كما أن الولايات المتحدة لا تقبل هذا النوع من الأشخاص.

ويرجح نبيل العربي، في كتابه «صراع الدبلوماسية»، أن تقرير بطرس غالي عن مجزرة قانا جنوب لبنان (18 أبريل 1996م)، وراح ضحيتها 106 من المدنيين، وفضح به جرائم الاحتلال الصهيوني، أحرج الصهاينة الغزاة أمام الرأي العام، وأزعج الولايات المتحدة، وبالتالي اعترضت الولايات المتحدة على التجديد له، وقال غالي، في حوار له على قناة «الجزيرة»: «هناك ضغوط مورست عليَّ.. كما أن التقرير سوف يضر بمصلحة «شيمون بريز» في الانتخابات الصهيونية آنذاك»!

بالإضافة إلى ما سبق، فإن المنظمات المهمة التابعة للأمم المتحدة لم يرق إلى قيادتها عرب أو مسلمون، وقد تصدى الغرب لوزير الثقافة المصري فاروق حسني عام 2010م حين أوشك أن يفوز بقيادة اليونسكو، بعد حصوله على أعلى الأصوات في الاقتراع قبل الأخير، وصعّدوا شخصية يهودية بدلاً منه، وأيضاً تكتلوا ضد مرشحة مصر مشيرة خطاب عام 2018م حين ترشحت للمنصب ذاته، ودفعوا بعرب وغيرهم لإفشال الترشيح!

ومهما يكن من أمر، فإن المنظمات الدولية صناعة الأقوياء، ولم تحقق العدل لصالح الضعفاء أبداً، وإن قدمت لهم بعض المساعدات الغذائية أو التقنية! وهو ما يجعل من طفل فلسطيني يلقي حجراً يخيف به جندي الاحتلال، أقوى ألف مرة من مئات القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ولم ينفِّذ قراراً واحداً منها ولو شكلياً، القوة فوق الحق في مجلس الأمن والأمم المتحدة والعالم الغربي (الاستعماري!).

الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن والجمعية العامة مجرد منصة لبكاء الضعفاء على الأطلال أمام الذئاب المفترسة!

…………….

نقلا عن مجلة “المجتمع”

Facebook Comments