من الأمور الخطيرة التي يخفيها نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي عن المصريين مدى سيطرة صندوق النقد الدولى على رسم السياسات المالية للاقتصاد المصري وذلك منذ اتفاق القرض الأول في نوفمبر 2016م الذي بلغت قيمته 12 مليار دولار تسلمها السيسي على مدار ثلاث سنوات (2016/2019)، وتزايد نفوذ الصندوق بلجوء السيسي إلى الصندوق مجددا  في منتصف 2020م بدعوى مواجهة تداعيات تفشي جائحة كورونا فحصل على دعم سريع قدره 2.8 مليار دولار، ثم قرضا ثالثا بنحو 5.2 مليار دولار. وحاليا يجري نظام السيسي حوارا مع الصندوق من أجل الحصول على قرض رابع؛ الأمر الذي يعني أن مصر ستكون من أكثر الدول حصولا على قروض من صندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين.

"صندوق النقد" أنشيء في يوليو 1944 قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بشهور ــ  يواجه باستمرار بانتقادات حادة لسياساته التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية، ويحذر عالم الاقتصاد الكندي ميشيل تشوسودوفيسكي مؤكدا أن "برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في بعض الأحيان فقيراً كما كانَ من قبل، لكن مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراء". وهو اتهام واضح بأن الصندوق يفرض سياسات مالية تزيد الفقراء فقرا والأغنياء غنى، وتجعل الدول التي تذعن لشروطه وإملاءاته أكثر فقرا ومديونية.

 وقد توصل الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي وأحد أهم مساعدي الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى أن "القروض التي يقدمها الصندوق إلى الدول تكون ضارة في حالات كثيرة خاصة التي توجه إلى الدول النامية ودول العالم الثالث.

لكن أبرز الانتقادات الموجهة  للصندوق تتركز على سطوة الولايات المتحدة الأمريكية  وتحكمها وقدرتها على إعطاء القرض من عدمه لأي دولة بناء على معايير سياسية، حيث إنها الدولة الوحيدة التي تمتلك حق الفيتو من بين الدول الأعضاء. حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك حق تعطيل قرارات صندوق النقد الدولي أو حق الفيتو.

ورغم أنّ صندوق النقد الدولي التابع للأمم المتحدة، دوره دعم الاقتصاد العالمي، والمعاملات التجارية بين البلاد المختلفة، فإنّه عادة ما يتم اتهامه بكونه أحد أدوات الشركات العالمية لبناء إمبراطورية تسيطر على اقتصاد العالم، وتهزم الدول، "ونهب وتدمير اقتصاد الدول النامية"، وفقاً لـ "جون بيركنز"، مؤلف كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي" الذي ترجم إلى 30 لغة بما فيها اللغة العربية التي صدر فيها تحت عنوان: "الاغتيال الاقتصادي للأمم". لكن التصريح الأكثر وضوحا هو لرئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد عندما سئل عن أسباب نهضة ماليزيا على يديه، فأجاب بقوله: "خالفت توصيات صندوق النقد الدولي، وفعلت عكس ما طلبه من إجراءات".

الصندوق الذي وقَّع على تأسيسه 29 دولة في يوليو 1944 قبل نهاية الحرب العالمية بشهور قليلة، تقوم فلسفته على خمسة محاور؛ تبدأ بتحرير سعر الصرف، ورفع الدعم تدريجيًا عن المحروقات والطاقة، ثم تقليص الجهاز الإداري للدولة، وتاليًا سد عجز موازنة الدولة عبر فرض الضرائب والرسوم الباهظة، وأخيرًا التخلي عن شركات القطاع العام والاعتماد على آليات الخصخصة، وهو ما يحدث حاليًا في مصر منذ سنة 1995م.

وفي سنة 1997 دق المفكر والباحث الاقتصادي ميشيل تشوسودوفيسكي، نواقيس الخطر محذرا  في كتابه الشهير «عولمة الفقر» من قواعد لعبة الفقر التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على شعوب العالم بأدوات مؤسسات التمويل الدولية. وكان تشودوفيسكي يعمل أستاذاً للاقتصاد بجامعة أوتاوا بكندا، وله العديد من المؤلفات التي تعالج معضلة العولمة، منها "حرب أميركا على الإرهاب"، و"عولمة الحرب: حرب أميركا الطويلة ضد البشرية" ومؤلفاتٍ أخرى مهمة ، إلا أن كتابه "عولمة الفقر" كان له صدى كبير وواسع بين أوساط المهتمين بالشأن الاقتصادي في العالم كله. وصدرت ترجمة الكتاب العربية سنة 2012م، حيث يتكون من 5  أجزاء، تدور حول طبيعة  المؤسسات المالية العالمية ودورها وسيطرتها على الاقتصاد الدولي، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكيف لعبت سياساتها الاقتصادية دوراً خطيراً في جعل اقتصاديات الدول تتبع سياسات «تخريبية» تحت لافتة «السياسات الإصلاحية»، لكنها في الحقيقة سياسات تقود إلى تدمير الاقتصاد في تلك الدول.

يقدم الكتاب تأصيلاً تاريخياً ومعرفياً لسيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي، من خلال سياسة التقويض الكلي للاقتصاد، عن طريق ما عُرف باسم التكييف الهيكلي، وهي سياسة (إصلاحية!) يفرضها صندوق النقد الدولي على كل الدول التي ترغب في الاقتراض من الصندوق، وتقوم على إحداث تغيير جذري في منهجية الدولة السياسية والاقتصادية، مما يضمن عدم تدخل الدولة في حركة السوق، حتى يتحول الاقتصاد بالكامل إلى "اقتصاد السوق الحر".

وترجع أصول تلك السياسة إلى ميلتون فريدمان، وهو أول من أسس لنشر الفكر الرأسمالي في العالم بقوة السياسة والصدمة.  وتضمن كل جزءٍ من الكتاب قارة على الخريطة، موضحاً أبرز تجارب دول تلك القارة مع الأمر. وبحسب الكتاب تقوم فلسفة مؤسسات التمويل الدولية على عدة قواعد:

القاعدة الأولى: دعم الحلفاء وقصم ظهور الأعداء

القاعدة الثانية: تقشف ثم تحرير العملة ثم فرض الوصاية على الدول بإغراقها في الديون وتراجع قيمة عملتها.

القاعدة الثالثة: الوصفة تحتاج إلى حكومة عسكرية لتنفيذها حتى تكون أكثر إذعانا لأوامر وتوجيهات القائمين على مؤسسات التمويل الدولية، وتركيز الثروة في يد قلة من الأثرياء.

القاعدة الرابعة: سحق الفقراء ينتهي بمجاعة حقيقية.

القاعدة الأخيرة: صناعة الفوضى ثم علاجها بالصدمات.

أمام هذه الوصفة المسمومة هل تنتظر مصر إلا مزيدا من الفقر والديون والفوضى التي قد تصل إلى المجاعة وانهيار الدولة؟ لكل هذه الأسباب فإن الخلاص من نظام العسكر هو أولوية مطلقة للشعب المصري؛ من أجل إقامة نظام حكم ديمقراطي رشيد يحرر البلاد من المافيا الحاكمة ويعيد توزيع الثروة من جديد على أسس عادلة بتأمييم الثروات الهائلة التي سطا عليها الجنرالات وأشياعهم من جهة، والامتناع عن تسديد القروض الضخمة التي حصل عليها النظام غير الشرعي سواء مؤسسات التمويل الدولية أو أي جهة أخرى. باستثناء تلك الديون التي كانت قبل 30 يونيو 2013م. أما ما بعد ذلك فليس الشعب مسئولا عنه بأي شكل من الأشكال.

Facebook Comments