في النصف الأول من عام 2013 كانت الحياة السياسية في مصر في غاية القوة والنشاط، أحزاب متعددة تعبر عن كافة فئات وشرائح الشعب المصري، نقابات مهنية وعمالية منتخبة بإرادة العمال، إعلام تجاوز حدود النقد إلى حد استباحة مكانة الرئيس والجماعة التي يتنتمي إليها بنشر مئات الشائعات والأكاذيب والافتراءات كل يوم، ينعم الجميع بحرية شبه مطلقة، وقد تم غل يد الأمن الوطني والأجهزة الأمنية منذ ثورة 25 يناير 2011م، من التدخل في الشأن السياسي. انتخابات رئاسية نزيهة جاءت بأول رئيس مدني منتخب قبل شهور، ودستور شارك الجميع في الاستفتاء عليه وحاز على نحو 64.5% من أصوات المصريين، معارضة تصرخ ليل نهار، دون خوف من اعتقال أو غيره؛ استعداد لانتخابات برلمانية بعد مؤامرة الدولة العميقة وحل البرلمان المنتخب،   وفي هذه الأثناء دعاهم الرئيس المنتخب إلى حوار وطني تحت رعايته وإشرافه؛ لكنهم استنكفوا عن الحضور!

اتضح بعد ذلك أنهم كانوا جزءا من مؤامرة الانقلاب (اعترف الناشط أحمد ماهر أنه منذ مارس 2013 كان يعلم بمخططات الانقلاب وكذلك كل القوى التي شاركت فيه)، وتورطوا في المؤامرة على الرئيس والمسارين الثوري والديمقراطي، اتضح أنهم كانوا مذعنين للخطة التي وضعتها الدولة العميقة بدعم دولي وإقليمي وصل إلى مليارات الدولارات حتى نجحت خطتهم وأطاحوا بالرئيس والثورة والديمقراطية.

هؤلاء  العلمانيون (حمدين صباحي ــ عمرو موسي ـ فريد زهران ــ خالد داوود ـ  كمال أبو عيطة ــ ضياء رشوان ـ محمد أبو الغار وغيرهم) الذين استنكفوا عن المشاركة في حوار تحت نظام ديمقراطي حقيقي ورئيس مدني منتخب جاء بإرادة الشعب الحرة هم ذاتهم الذين يهرلون اليوم إلى الطاغية عبدالفتاح السيسي في مشهد ذليل يبرهن على أنهم كانوا مجرد أداة استخدمتها الدولة العميقة كغطاء مدني لأبشع انقلاب عسكري في تاريخ مصر الحديث المعاصر.  فلماذا يهرولون على هذا النحو الذليل؟ لماذا يصرون على الجريمة رغم آلاف الأدلة والبراهين التي عاينوها خلال السنوات الماضية لتخبرهم  أن ما جرى كان مسارا انقلابيا دعمته إسرائيل؟!

ويتساءل مراقبون: أليس هذا الديكتاتور هم من اغتصب الحكم بانقلاب عسكري وارتكب عشرات المذابح الوحشية وقتل آلاف المصريين ظلما وغدرا؟ سيردون عليك في تناحة: إن ما جرى ليس انقلابا بل ثورة شعبية شارك فيه ملايين المصريين في 30 يونيو!  لا تجادلهم فإنهم يجادلون مراء وتصدية، فهلم يعلمون أن ما جرى هو انقلاب عسكري، لكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون.

وأضافوا: ألم يعصف السيسي بثورة يناير التي تزعمون أنكم من أولادها؟ ألم يعصف بكل أشكال حرية الرأي والتعبير التي كنتم تتمتعون بها في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي؟ ألم يؤمم الحياة السياسية والإعلامية؟  ألم يعصف بأي معنى لاستقلال القضاء؟

سوف يخفضون روؤسم ثم يتمتمون بكلمات غير مفهومة مبررين ما جرى متهمين جماعة الإخوان بأنها السبب في كل ذلك! لا  تجادلهم.

سلهم: من فرط في مياه النيل وشرعن بناء السد الإثيوبي بالتوقيع على اتفاق المبادئ في الخرطوم في مارس 2015م؟ ومن فرط في تراب مصر الوطني "تيران وصنافير"؟ ومن أغرق مصر في بحار الديون وجعل بلادنا فريسة سهلة لصندوق النقد الدولي يتحكم فعليا في سياستها المالية؟ ومن اقترض وحده ثلاثة أمثال ما اقترضه كل  حكام مصر في مائة سنة؟ ومن كرس سياسات مالية واقتصادية كرست الطبقية زادت الفقراء فقرا والأغنياء ثراء؟ ومن أسقط عشرات الملايين حت خط الفقر فلم يعد معظم المصريين قادرين على توفير حاجاتهم الأساسية من طعام وملبس ومأوى؟ ومن أمم الحياة السياسية والإعلامية فلم يعد إلا صوت واحد هو صوت السلطة وتلاشى صوت الجماهير التي تدعون التعبير عنه والدفاع عن مصالحها؟  ومن عدل الدستور ليحكم البلاد منفردا ووسع صلاحياته لتكون أعلى من صلاحيات الفراعين القدامي؟

هنا سوف تراهم ينظرون إليك في ذهول مقرين بأن السيسي ونظامه هو من فعل كل ذلك، هو من فرط في تراب مصر الوطني وشرعن بناء السد وأغرق بلادنا في الديون الباهظة، ونسف الثورة والديمقراطية، وفصل الدستور على هواه؛ فلماذا رغم علمكم بكل هذا تهرلون إليه على هذا النحو الذليل؟! لماذا تهرلون له بمجرد أن غمز لكم بطرف عينه، ودعاكم إلى حوار صوري للتغطية على فشله الكبير؟ و تظهرون مذلة وضعفا وانصياعا للجنرال بهذا الشكل الذليل؟

رغم كل هذه الجرائم يؤكد كبراؤهم حمدين صباحي وفريد زهران وكمال أبو عيطة أنهم ليسوا في خصومة مع النظام ولا يريدون استبداله (رغم أن أي معارضة جادة وظيفتها هي الإطاحة بالنظام بالأدوات المنصوص عليها في الدستور) مؤكدين أنهم فقط يريدون شيئا من الإصلاح، مشترطين خروج عشرت أو حتى مئات المسجونين من الأحزاب العلمانية التي ينتمون إليها! لم يطلبوا الحرية بمعناها الواسع والحقيقي، ولم يطالبوا بالعدالة بجوهرها الشامل، واكتفوا بأن يكونوا جزاء من حوار صوري ولجنة عفو رئاسية بهدف ترميم شعبية النظام المتآكلة، وضمان بقائه واستمراره وتشجيع مؤسسات التمويل الدولية على دعمه بالمزيد من الديون التي ترهق كاهل الدولة المصرية ويتحمل سدادها الفقراء والجوعي.

لماذا تهرلون طواعية من أجل إضفا شيء من الجدية على مشهد هزلي ليس أكثر من إجراء يتحايلون به لاكتساب المزيد من الوقت وترميم شعبية نظام متآكل تعلمون أن من مصلحة مصر وشعبها في سقوطه ومحاكمة رموزه على حجم الجرائم والخيانات والانتهاكات التي اقترفوها على مدر عقد كامل؟!

قبولكم لدعوة السيسي هو عين ما يريده النظام من أجل الحصول على القرض الجديد؛ لأن الحوار كله هو شرط من شروط الصندوق للموافقة على القرض الرابع. فهل تفهمون أم أنكم تتطوعون لإنقاذه؟!  تمتعوا بخزيكم وسقوطكم فأمثالكم لا مكان لهم في مستقبل البلاد؛ فالسيسي سيرحل  وسيخرج المعتقلون جميعا مرفعي الروؤس، وسوف تبصق عليكم الجماهير وتلقي بكم في مزابلها لا قيمة لكم ولا مكانة؛ فارتقبوا إنا معكم مرتقبون.

Facebook Comments