في ظل حملة البروباجندا التي يشنها نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي ، ودعوته لإجراء حوار شكلي مع بعض القوى العلمانية على «أرضية 30 يونيو»، ثم إعادة تشكيل ما تسمى بلجنة العفو الرئاسي، وما يصاحب ذلك من حملات إعلامية حول المشهد كله إلى حالة دعائية يستهدف بها النظام ترميم صورته المتآكلة وشعبيته المنتهية. في ظل هذه الأجواء الاحتفالية الدعائية رصدت منظمة "كوميتي فور جستس" الحقوقية  في تقريرها عن أوضاع حقوق الإنسان في السجون ومقار الاحتجاز الرسمية في مصر في خلال عام 2021 الماضي، 7369 انتهاكاً في 66 مقراً رسمياً وغير رسميّ للاحتجاز، توزّعت بين 19 محافظة بمختلف أنحاء الجمهورية وأتت بأنماط متعددة؛ تصدّرها الحرمان من الحرية تعسفياً بواقع 4885 انتهاكاً، ثمّ الإخفاء القسري بواقع 1668 انتهاكاً، وسوء أوضاع الاحتجاز بواقع 598 انتهاكاً، والتعذيب بواقع 156 انتهاكاً، والوفاة في مقار الاحتجاز بواقع 62 حالة.

الأمر على هذا النحو يثير الغثيان؛ ما قيمة الحوارات إذا كانت شكلية تحت إشراف السلطة القمعية وأجهزتها الأمنية؟ وهل يمكن أن يفضي هذا الحوار الصوري  إلى شيء جاد وملموس رغم أن كل التصريحات والشواهد تؤكد استبعاد معالجة ملف الانتهاكات الحقوقية بشكل شامل وإقصاء كل ما يتعلق بعشرات الآلاف من المعتقلين المنتمين إلى أحزاب وحركات إسلامية والاكتفاء فقط ببحث حالات المعتقلين المنتمين إلى أحزاب وحركات علمانية؟!

الأمر على هذا النحو لا يثير الريبة والشكوك فقط بل هو برهان على عدم جدية نظام السيسي بشأن الهدف من الحوار؛ فالسلطة تريده حوارا شكليا يتم من خلاله استرضاء بعض وليس كل الأحزاب العلمانية التي أيدت انقلاب 03 يوليو 2013م؛ من خلال العفو عن عدة مئات من المعتقلين السياسيين على ذمة قضايا رأي وتعبير وتظاهر.  قد يكون الحوار كله أحد شروط مؤسسات التمويل الدولية غير الراضية عن السياسات القائمة. فهي تبحث عن أي مسحة من المشاركة الشعبية من أجل ضمان استراداد أموالها لاحقا، ولكن هيهات هيهات، فهذه الأحزاب لم يعد لها وجود ولا تملك أي شعبية تذكر؛ ولو أجريت انتخابات نزيهة الآن فلن يحصلوا جميعا على 10% من أصوات الجماهير، بينما ستهذب الغالبية الساحقة إلى الإسلاميين رغم ما طالهم من ظلم وأذى وشيطنة وتشويه على مدار عقد كامل. وقد أشار محمد أبو الغار إلى شيء من ذلك في أحد مقالاته قبل سنوات مؤكدا أن فشل النظام وتفكك تحالف 30 يونيو سوف يعيد الإسلاميين إلى صدارة المشهد وأن المسألة مسألة وقت فقط.

وإذا كان النظام العسكري جادا في حواره من جهة ومعالجة ملف المعتقلين من جهة ثانية؛ فلماذا لا تتوقف حملات الاعتقال؟ ولماذا لا تتوقف الانتهاكات في السجون وأقسام ومراكز الشرطة وأقبية المخابرات والأمن الوطني؟ لماذا يفرجون عن حفنة مئات ليعتقلوا مئات أخرى غيرهم وهكذا تمضي مصر في دوامة لا تتوقف من الانتهاكات.

كل الشواهد والأدلة تؤكد أن مصر تحت حكم السيسي لن تتغير؛ سوف تبقى محكومة بهذه السياسات القمعية في شقها الأمني، العشوائية في شقها السياسي والمالي، وأن مصر لن تخرج من هذه الدوامة إلا إذا تحررت من حكم  المافيا الحاكمة، وذلك لن يكون إلا بتحرير المؤسسة العسكرية نفسها من سلطة هذه المافيا، التي اختطفت الجيش لحسابها وحساب رعاتها دون اكثراث لعواقب هذه السياسيات والمواقف على مصر وأمنها القومي.

تحرير الجيش أولا ليكون جيش الوطن لا النظام، جيش الشعب لا السلطة، هذا وحده قد يكون  كفيلا بانتزاع السيادة من الأجهزة لتعود إلى مالكها الحقيقي الشعب نفسه؛ هو من يمنحها لمن يشاء بأدوات الديمقراطية وصندوق الانتخابات وليس بالمؤامرات والدسائس والانقلابات العسكرية.

نريد نظام حكم رشيد منتخب بإرادة الشعب الحرة يكون فيه رئيس مدني منتخب، برلمان منتخب بنزاهة معبر بشكل حقيقي عن الشعب وليس من تصميم الأجهزة الأمنية، نريد قضاء مستقلا، وإعلاما مهنيا، ومنافسة سياسية شريفة تحتكم الأحزاب فيها إلى الشعب بحرية ونزاهة وشفافية، نريد لملمة الجهود من أجل مواجهة التحديات الجسام؛ لنكون صفا واحدا كالبنيان المرصوص بعدما مزقته الفتنة وعصف به الانقلاب والمذابح والمظالم؛ فهل رأيتم وطنا ينهض بالظلم؟ وهل شاهدتم أمة تنتصر بالقهر والقمع والطغيان؟ وهل يفضي التمييز والكراهية والعنصرية إلا إلى الفشل والتمزق والسقوط؟

لا نجاة لمصر إلا بالعدل، ولا نهضة لها ولا تقدم إلا بالحرية والمساواة أمام القانون، ولن تتمكن من تجاوز التحديات إلا بنظام منتخب بإرادة الشعب الحرة. ولا أمان إلا بقيم الإيمان وأخلاق الإسلام ومبادئه وأحكامه؛  تلك أحلامنا ولن نكف عن هذه الأحلام.

Facebook Comments