في صبيحة عيد الفطر ( الإثنين غرة شوال 1443هـ) أقام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي حفلا خاصا تحت لافتة “أسر الشهداء”، ضم أسر الضحايا الذين قتلوا في سبيل النظام من الجيش والشرطة؛  وحتى لا يكون الاحتفال فئويا محصورا في المؤسستين العسكرية والأمنية، جرى ضم مجموعة قليلة من أسر شهداء  الطواقم الطبية الذين قضوا نحبهم خلال أزمة تفشي جائحة كورونا.

اتضح من خلال مراسم الحفل أن الهدف الرئيس هو تكريم طاقم عمل «الاختيار3 ــ العائدون»، وهما من المسلسلات التي أنتجتها شركة “سينرجي” التابعة لشركة المتحدة المملوكة لجهاز المخابرات العامة، بهدف تسويق سردية النظام عن أحداث ثورة يناير 2011م وانقلاب 03 يوليو 2013م وما تلاهما من أحداث ومذابح وحشية اتضح أن المخابرات الحربية ممثلة عن الجيش هي من كانت تقف وراءها.

وقف السيسي مشددا بأغلظ الأيمان أن ما ورد بالمسلسل هو الحقيقة التي وقعت بالفعل! وأن الطاقم الفني والتمثيلي قاموا بدور عظيم لخدمة مصر (يقصد النظام)؛  فلماذا يقسم السيسي بأغلظ الأيمان؟ تفسير ذلك أن السيسي في داخله يعلم أن رواية المسلسل مزيفة، وأن المصريين انفضوا عنه بحسب تقرير نشرته مجلة “إيكونوميست” البريطانية، التي تؤكد أن قلة من المصريين هم من تابعوا المسلسل حتى نهايته. ومع عدم تحقيق النتائج المرجوة من المسلسل بعد الإنفاق عليه ببذخ شديد وتسخير كل إمكانات الدولة لإنجاحه؛ يحاول السيسي تقديم شيء من الدعم والمساندة للمسلسل بعد فشله الذريع من خلال القسم بأن ما جرى هو عين الحقيقة؛ فهل يظن السيسي ــ بعد تاريخه الطويل مع الكذب ــ أن المصريين سيصدقونه؟  من الواضح أن السيسي يعاني من أزمة مصداقية نفسيه، لأنه لا يلجأ إلى القسم إلا الكذوب وفقا للمثل المصري الدارج «قالوا للحرامي: احلف.. قال: جالك الفرج”، في إشارة إلى أن اللصوص والقتلة والبلطجية وأرباب السوابق لا يقيمون وزنا لليمين والقسم؛ ألم يغدر السيسي بقسمه أمام الرئيس باحترام الدستور والقانون والنظام الجمهوري ثم غدر به وانقلب على الدستور والقانون  واغتصب الدولة كلها؟! فهل يظن السيسي مثلا أن قسمه هذا سوف يجعل للمسلسل قيمة أو سوف يحقق له النجاح المفقود؟!

 

افتراءات التهديد بحرق مصر

النقطة الثانية في الحفل هي تدخل السيسي كالعادة بتصريحاته التي تمتلئ بأكوام من الكذب والافتراءات؛ مدعيا أن القوات المسلحة تعرضت لتهديد مباشر من جماعة الإخوان ثلاث مرات قبل ٣٠ يونيو ٢٠١٣م.

المرة الأولى ــ بحسب السيسي ــ تهديد  للمشير حسين طنطاوى وزير الدفاع الأسبق بإحراق مصر، فى حال لم تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية محسومة للرئيس الراحل محمد مرسى.  وهو التهديد الذي تم بثه في المسلسل واتضح أن مرسي يحذر المجلس العسكري من تزوير نتيجة الانتخابات والتلاعب بها لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى الفوضى وهو كلام موزون وعندما تم بثه في المسلسل جاء لصالح الرئيس مرسي لا ضده. فمرسي وقتها لم يطالب بتزوير النتيجة لصالحه بل شدد فقط ــ وهذ حقه ــ بعدم التلاعب بالنتيجة وتزويرها على أي نحو.

المرة الثانية ـ بحسب السيسي ـ هي تهديد مباشر من خيرت الشاطر عندما قال إن جماعة الإخوان استطاعت حرق مقار الأمن الوطنى، وهدد بأن تقوم الجماعة بمحاكمة شعبية لهم وتحاكمهم.  أما المرة الثالثة ـ بحسب السيسي ــ كانت تهديدا شخصيا له، حيث ظل الشاطر لمدة ٤٥ دقيقة يشير بإصبعه فى إشارة تهديد باستخدام السلاح والقيام بأعمال القتل والحرق واستقطاب المقاتلين من الخارج. وفق مزاعم الجنرال.

المرة الأولى التي يمتلك السيسي عليها دليلا (تسريب الرئيس مرسي مع طنطاوي والسيسي) اتضح أنه لصالح مرسي وكشف مدى جرأته وشجاته وقوته أمام الجنرالات، وكيف هيمن على  اللقاء حتى تلاشت إلى جواره شخصيات المشير واللواء، فلماذا لا يقدم السيسي تسريبا آخر يبرهن على صحة ادعائه ويثبت بتسريباته أن الشاطر هدده بالفعل؟ أين كان ذلك؟ بالطبع لم يكن في أي مقر للإخوان أو لحزب الحرية والعدالة؛ ومثل هذه اللقاءات عادة ما تتم في مقار رسمية (مقر المخابرات الحربية ــ مقر وزارة الدفاع ـ فندق من فنادق القوات المسلحة) وكلها مقار تهيمن عليها أجهزة الدولة؛ فلماذا لم يسجل السيسي هذه لتهديدات ويعرضها بالصوت والصورة حتى نتأكد من صحتها؟  ألم يكن لنظام منذ عقود يتنصب على مكتب الإرشاد ومقرات الجماعة؟ فلماذا لم يقدم دليلا واحدا على صحة أكاذيبه؟

الأمر الآخر، إذا كان الشاطر قد هدده بالفعل، فلماذا لم تتم محاكمة الشاطر بهذه التهمة رغم أنه يحاكم صوريا بعشرات القضايا الكيدية والملفقة؛ ألم يكن من الأولى محاكمته بهذه التهديدات ويكون السيسي شاهدا عليها؟ فلماذا لم يحدث ذلك؟

 

كنا نظنهم من الأشرار!

العجيب أن السيسي لا يزال يردد عبارة “أهل الشر” على  الإخوان، فخلال الاحتفال، ادعى أن الهدف من هذه المسلسلات هو عدم تزييف التاريخ، وإظهار الحقيقة للمصريين. وقال إن رد الفعل على مسلسل «الاختيار» جعل هناك حالة من الاستنفار الشديد والادعاء والتشويه والزيف من جانب جماعة الإخوان، مشيرا إلى أنه لم يذكرهم مرة واحدة طوال سبع سنوات، وكان يقول دائما «أهل الشر» حتى يمنحهم فرصة لأن يتراجعوا عن الشر.

حديث السيسي عن أهل الشر يذكرنا بالخاسرين يوم القيامة عندما يجتمعون في النار فيبحثون في النار عمن كانوا يصفونهم في الدنيا بأهل الشر؛ فلا يجدون لهم أثرا؛ يبحثون مرات ومرات فلا يجدونهم؛ فيتساءلون متعجبين: {مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالࣰا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ۝٦٢ أَتَّخَذۡنَـٰهُمۡ سِخۡرِیًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ ۝٦٣ إِنَّ ذَ ٰ⁠لِكَ لَحَقࣱّ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ۝٦٤﴾}. فهؤلاء الذين يراهم السيسي أهل شر هم المؤمنون الصادقون القابضون على الجمر، العاشقون  لتراب وطنهم، وعند الله سوف يدرك السيسي وأمثاله كيف كانوا جبارين في الأرض يسفكون الدماء ولا يبالون، ويظلمون الناس ولا يكترثون. وأمام محكمة العدل الإلهية التي تكون أحكامها قطعية لا هوى فيها ولا نقض لها يتقص كل مظلوم من جبارة الأرض وطغاتها.

Facebook Comments