على مدى عقود من الزمن كانت مصر في قلوب السودانيين وداخل مؤسسات الحكم والسياسة والاقتصاد لها مكانة متميزة وكبيرة، وكان شعار الإخوة والأشقاء هو التوصيف السائد للعلاقات المشتركة بين البلدين ، إلى أن جاء المنقلب السفيه السيسي ونظامه العسكري، الذي لا يفهم في السياسة ولا يؤمن إلا بالحلول الأمنية والخيانات والجرائم بحق مصر وأشقائها سبيلا  للتعاطي السياسي والاجتماعي مع القضايا.

وهو ما تدفع مصر ثمنه غاليا في ملفات استراتيجية في السودان وفي الجوار، سواء الليبي أو الإفريقي وحتى الفلسطيني ، حيث باتت مصر ملفوظة لدى شعوب المنطقة قبل أنظمتها السياسي.

وهو ما تجلى مؤخرا في شكل العلاقات المشتركة بين السودانيين، حكاما ومحكومين وقوى سياسية تجاه مصر، حيث برزت دعوات كثيرة بالسودان للانفصال عن المسار المصري في التعاطي مع أزمة سد النهضة الأثيوبي، ورفض أي تدخلات مصرية في الشأن السوداني، ورفض أي وساطة مصرية سواء من قبل المعارضة السودانية أو الحكومة والعسكر السودانيين.

سبب ذلك يكمن في الأدوار غير الحيادية للسيسي ونظامه العسكري، تجاه السودانيين منذ التحركات الشعبية الأولى، حيث تلاعب السيسي بالشعب السوداني، منحازا  للعسكر، ثم تعددت مؤامرات السيسي ومخابراته للتلاعب بالشعب السوداني، ثم انتقلت مؤامرات السيسي للوقيعة بين محمد حمدان دقلو وعبد الفتاح البرهان وخلق فجوات سياسية ونشر أجواء عدم الثقة بين الطرفين.

تلك التلاعبات القميئة، دفعت السودانيين للفظ أي وجود مصري أو دور لها. وهو ما قرأت خطورته المخابرات المصرية، والتي قامت بإعداد وتنسيق زيارة له ، إلا أنها تعاطت أيضا بالعقلية الأمنية، محاولة الضحك على السودانيين الذين هم أذكى بمراحل من السسي ومخابراته ، وكشفوا حقيقة الوفد المرتبط بالمخابرات وأطراف الحكم المصرية، ولكنه بزي شعبي.

فبعد نحو أسبوع أمضاه وفد شعبي مصري في السودان بهدف إذابة الجليد بين القوى الشعبية والثورية السودانية والسلطات في مصر، ومحاولة إصلاح ما أفسده تعامل الأجهزة المصرية مع الملف السوداني، كان الفشل هو العنوان الأبرز.

 

المهمة الأساسية للوفد 

وعلى الرغم من أن المهمة الأساسية للوفد هي تلبية رغبة القوى السياسية ذات الثقل في الشارع السوداني والقوى الثورية هناك، الرافضة للتعاطي مع التحركات التي يقوم بها جهاز المخابرات العامة ، وتأكيدها أن العلاقة مع مصر يجب أن تكون على المستوى السياسي والشعبي، إلا أن المسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية أصروا على فرض رؤيتهم في ما يتعلق بتركيبة ومهمة الوفد.

وترأس الوفد وزير الخارجية السابق محمد العرابي، وضم في عضويته جيهان زكي عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، وهادية السعيد عضو لجنة الشباب والرياضة في المجلس، بالإضافة إلى  رئيس تحرير صحيفة الأهرام ويكلي، عزت إبراهيم والدكتورة نيفين مسعد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، والسفير محمد بدر الدين زايد مساعد وزير الخارجية الأسبق.

وكان المسؤولون في جهاز المخابرات العامة رفضوا إشراك وزارة الخارجية في طرح رؤية متعلقة بتشكيل الوفد، واقتصر دور الوزارة فقط على الترتيبات الإدارية الخاصة بالزيارات واللقاءات.

وذلك على الرغم من أن القوى السياسية في السودان تعلم جيدا حجم القوى الشعبية والسياسية في مصر، ومدى تأثير كل منها، وتعلم الحقيقي من الرموز السياسية الشعبية المصرية، ومن هم المحسوبون على الأجهزة".

ووفق تصريحات لدبلوماسي مصري ، تحدث لوسائل إعلام عربية "لم يحدث اختراق حقيقي يمكن أن تُبنى عليه أي مواقف مستقبلية بشأن الملف السوداني، لافتا إلى أن المسؤولين في الخارجية المصرية كانوا قد اقترحوا تطعيم الوفد ببعض الرموز السياسية والشعبية المصرية المعروفة بشيء من الاستقلالية لدى القوى السودانية".

يشار إلى أنه كانت هناك مقترحات بأسماء شخصيات مثل حمدين صباحي، وبعض السياسيين مثل عمرو الشوبكي نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وهو ما رفضه المسؤولون عن الملف السوداني في جهاز المخابرات العامة.

ويأتي ذلك في الوقت الذي أكد فيه رئيس الوفد المصري، خلال لقائه بعدد من الشخصيات السياسية في السودان أنه جاء في مهمة محبة وإخوة لشعب السودان.

وزار الوفد مقر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كما التقى مجموعة من ممثلي "لجان المقاومة" في الخرطوم، ومنظمات أسر شهداء الثورة السودانية، كما اجتمع مع عضو مجلس السيادة رئيس الجبهة الثورية، الهادي إدريس، بحضور اثنين من أعضاء المجلس ، هما مالك عقار والطاهر حجر، وعدد آخر من أعضاء الجبهة الثورية، كذلك التقى الوفد برئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.

وكان الهدف من الزيارة هو تحييد موقف قوى المعارضة السودانية في ما يتعلق بتوحيد الجهود من أجل اتخاذ موقف موحد في مواجهة التحركات الإثيوبية بشأن سد النهضة، في وقت تتبنى فيه تلك القوى موقفا مناوئا للقاهرة، وأقرب إلى أديس أبابا.

 

المواقف السودانية 

ومع تباعد المواقف السودانية من مصر، جاء الدور المخابراتي ليجسد معالم الفشل المضاعف فيما يخص الموقف المصري في دول الجوار الأفريقي، إذ أن المخابرات العامة المصرية وهي الجهة التي شكلت الوفد يبدو أنها لا تعلم جيدا مدى اطلاع السودانيين على المشهد المصري، إذ أن قوى المعارضة السودانية الفاعلة التي تتخذ موقفا مناوئا لمصر، بعضها وبعد ساعات قليلة من لقائه بالوفد وصفه بالحكومي، وليس بالشعبي.

وهو دليل فشل المساعي المصرية المحكومة بالرؤية الأمنية، التي يعاقر بها السيسي كل قضايا الداخل والخارج.

ووفق تقديرات استراتيجية، فإن السودانيين يرغبون في نقل التعامل معهم من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، فهناك شخصيات من الوفد تدرك كافة المكونات السياسية في السودان مدى ارتباطها بالأجهزة الأمنية في مصر.

 

ملف سد النهضة 

وفق مصدر دبلوماسي سوداني في القاهرة، فإن ترتيب زيارة الوفد جاءت بعدما طلب المسؤولون في جهاز المخابرات العامة السماح لهم بهذا التحرك في محاولة لاختراق موقف القوى الثورية، الرافض لأية وساطة مصرية في حل الأزمة، وكذلك موقف بعض قوى المعارضة المتمسك بالتحرك في ملف أزمة سد النهضة من منظور سوداني خالص، من دون التقيد بالموقف المصري.

وتواجه مصر فشلا ذريعا في ملف سد النهضة، وسط إصرار أثيوبي على الملء  للسد دون التوصل لاتفاق قانوني ملزم تنشده مصر، ورفض أديس أبابا اطلاع الجانب المصري على أية معلومات تخص السد وتوليد الكهرباء وعمل التوربينات وحجم المياه المتدفقة، بالمخالفة لكافة القوانين والمواثيق الدولية، التي سبق وأن أهدرها السيسي نفسه بتوقيعه اتفاق المبادئ في مارس 2015، وتنازل بمقتضاه عن حقوق مصر المائية التاريخية في النيل، وحول النيل لشأن أثيوبي داخلي.

 

الراقص على نار الخلافات

ومنذ انقلاب السفاح السيسي على الديمقراطية كخيار شعبي، اعتمد السيسي سياسات تنحية السياسة والاجتماع والقانون والاجتماع، وسيطر بعقليته الأمنية على مقاليد كل شيء بمصر وخارجها، ففي ليبيا انحاز السيسي ونظامه العسكري للانقلابي خليفة حفتر، ضد الحكومة الليبية الشرعية المعترف بها دوليا، وهو ما تسبب في خروج مصر عن دورها المفترض أن يكون أقرب لكل الليبيين كوسيط محايد يهمه أمن واستقرار كل ليبيا، بل إن دعم السيسي للعملية العسكرية التي شنها حفتر على طرابلس وأهدرت دماء الآلاف من الليبيين، كان لها مفعول كبير في كراهية الليبيين بقطاعات مختلفة للدور المصري، وذهبوا للاستنجاد بتركيا والأمم المتحدة والغربيين، تاركين مصر غير واثقين في نظامها العسكري.

وضد إرادة التونسيين دعم السيسي انقلاب قيس سعيد ضد شعبه، متسببا في فشل الدولة التونسية وشلها لنحو عام، وأيضا حاول السيسي إقحام الجزائر في انحيازات سياسية يريدها الانقلابيون داخل ليبيا، رفضها تبون، فانحاز السيسي للمغرب وذهب وزير خارجيته سامح شكري لدعم المغرب معلنا انحياز مصر لموقف المغرب في قضية الصحراء الغربية، بالمخالفة للمواثيق العربية التي التزمت بها  السياسة المصرية بين الأشقاء العرب لعقود من الزمن ، وهو ما يضع مصر مع الكثير من الأزمات الدولية والإقليمية ويجعلها تعوم على مخزن من البارود المتفجر، مثلما حدث في السودان ومن قبل في فلسطين، وغيرها من الملفات الدولية والإقليمية ، وهو ما يؤكد بدوره فشل الرؤية الأمنية في حل الإشكالات السياسية المصرية ويضع المصريين وقضاياهم في مواجهات سياسية مع الشعوب والنظم ويكشف أن الدولة لا تُدار بالأمن  فقط.

Facebook Comments