على مدى سنوات حيّرت ديمومة التمرد الجهادي في سيناء الخبراء، فمنذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في مصر عام 2014، أعلن في مناسبات عدة أن التمرد في سيناء "تحت السيطرة" وأن "الوضع "مستقر تماماً"، وفي 26 نيسان/ أبريل الماضي قال السيسي، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية بمناسبة شهر رمضان: "عندما ننتهي من إزالة العبوات الناسفة والمتفجرات التي كانت موجودة والتي وضعها الإرهابيون في أماكن كثيرة من رفح إلى الشيخ زويد والعريش، نستطيع وقتها الإعلان عن تطهير أو انتهاء الإرهاب في سيناء"، مشيراً إلى عدد القتلى من القوات المسلحة والشرطة منذ 2013 وحتى الآن بلغ 3277 قتيلا وأكثر من 12 ألف مصاب، بالإضافة إلى التخريب الذي حدث. وأكد السيسي أن تلك الخسائر كانت الثمن الذي دفعناه جميعاً لنصل إلى ما وصلنا إليه من "استقرار وتقدم".

بعد أيام معدودة من إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن تحقيق الاستقرار، تمكنت "ولاية سيناء" التابعة لتنظيم الدولة من تنفيذ هجومين معقدين، حيث أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية في السابع من أيار/ مايو 2022 أن هجوماً استهدف محطة رفع مياه شرق القناة أسفر عن مقتل ضابط وعشرة جنود وإصابة خمسة آخرين. وكانت وسائل إعلامية متعددة قد أشارت في اليومين التاليين إلى تشييع 17 عسكرياً قتلوا في الهجوم الذي استهدف محطة رفع مياه شرق قناة السويس. وقد تناولت وسائل إعلامية جملة من التناقضات في بيات القوات المسلحة، فالمتحدث العسكري كان قد حدد موقع الهجوم "شرق القناة"، قبل أن يقوم بتعديل صيغة البيان، في اليوم التالي، وإزالة "القناة"، مكتفياً بالإشارة إلى أن الهجوم وقع "غرب سيناء"، وذلك في إشارة صريحة لخطورة وصول الهجمات المسلحة إلى تخوم قناة السويس، فضلاً عمّا يوضحه من تطور في سير المعارك داخل شمال سيناء.

وحسب مصادر محلية في منطقة الجفجافة وسط سيناء، والقريبة من موقع الهجوم، أوضحت لـ"مدى مصر" أنه استهدف محطة رفع مياه "عرام 2" التي تبعد أقل من 30 كيلومتراً عن قناة السويس، وتقع على طريق "الطاسة/ الفردان" الواصل إلى معدية 6 التابعة لمحافظة الإسماعيلية، وهي منطقة تقع جغرافياً في محافظة شمال سيناء، ولكنها تتبع محافظة الإسماعيلية إدارياً.

وأفاد الجيش المصري في بيانه بأنه "تم ملاحقة ومحاصرة عدد من العناصر الإرهابية بالمناطق المنعزلة والمتاخمة للمناطق الحدودية بتنفيذ ضربة جوية مركزة أسفرت عن تدمير عدد من البؤر الإرهابية.. ومقتل تسعة عناصر تكفيرية". وقد تبنى الهجوم تنظيم الدولة عبر وكالة أعماق التابعة له، دون الإشارة إلى خسارة أي من عناصره، وقال إن "مقاتليه قتلوا جنودا مصريين واستولوا على أسلحتهم وأحرقوا مواقعهم غرب سيناء".

 

بعد أيام على الهجوم الدامي، أسفر هجوم آخر شمال سيناء عن مقتل خمسة جنود مصريين في 11 أيار/ مايو 2022 وفقا لما ذكره الجيش المصري في بيان، ونقلت وكالة رويترز عن مصدرين أمنيين قولهما إن أربعة جنود آخرين أصيبوا عندما فتح مسلحون النار على نقطة تمركز أمنية في المنطقة الساحلية بشمال شرق سيناء على بعد بضعة كيلومترات من الحدود مع قطاع غزة. وأفاد بيان نشره المتحدث باسم الجيش المصري بأنه "تمكنت قوات إنفاذ القانون صباح اليوم من اكتشاف تحرك عدد من العناصر الإرهابية بمحيط أحد الارتكازات الأمنية وتم التعامل معها ما أدى إلى مقتل سبعة عناصر تكفيرية"، مؤكدا مقتل ضابط وأربعة جنود كما أصيب جنديان آخران.

رغم أن القوات المصرية حققت بعض التقدم في مكافحة التمرد الجهادي في سيناء، إلا أن الهجمات الأخيرة تكشف عن حالة التقلب وعدم الاستدامة، فالاستراتيجية المصرية لا تزال تستند إلى مقاربة عسكرية أمنية فجّة تتجاهل الأسباب الجذرية العميقة للتمرد الجهادي، وهي أسباب متجذرة في الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية وطبيعة التركيبة القبليّة والجهويّة والمسألة الهويّاتية. ولا تزال الاستراتيجية المصرية لمكافحة التمرد في سيناء تستند إلى مقاربة تتعامل مع سيناء كمصدر خطر وتهديد، وتنظر إلى أهالي سيناء كإرهابيين أو مجرمين محتملين.

على مدى عقود من سياسات الإهمال والتجاهل والإهانة لسيناء، تطور التمرد الجهادي بصورة مطردة، من حقبة إلى أخرى، حيث شهدت أعوام 2003-2006 ظهور تنظيم التوحيد والجهاد، ثم ظهرت خلال أعوام 2007-2010 مجموعة من الحركات الجهادية، وشهدت أعوام 2011-2014 صعود تنظيم "أنصار بيت المقدس" ومجموعات جهادية عدة. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 ظهرت "ولاية سيناء"، حين أعلن تنظيم "أنصار بيت المقدس" ولاءه لزعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي. وارتفعت خلال العام التالي نسبة الهجمات في سيناء بنسبة 130 في المائة تقريباً، بينما ازدادت نسبة الوفيات 250 في المائة وفقاً لإحصاءات قاعدة بيانات الإرهاب العالمية.

 

بعد انقضاء نحو عقد من الزمن على انطلاق الجهود التي تبذلها القوات المسلحة المصرية لمحاربة التمرد في شمال سيناء، لم تعلن هذه القوات بعد عن تحقيق نصر حاسم أو هزيمة نهائي، رغم الزعم أن عملياتها أسفرت عن مقتل الآلاف من الجهاديين منذ عام 2013 وتدمير معدات وملاجئ.

وحسب أليسون مكمانوس، فقد أعرب الجيش، من خلال العملية العسكرية الكبرى الأخيرة التي أُطلِق عليها اسم "العملية الشاملة سيناء" في شباط/ فبراير 2018، عن نيته "وضع حد للإرهاب" في المحافظة. وقد رُبطت أهداف مماثلة بعمليات سابقة واسعة النطاق، بدءاً من العملية نسر في عام 2011.

يكرر المتحدث باسم القوات المسلحة الإشارة، في البيانات الصادرة عن الجيش، إلى الرغبة في "استئصال الإرهاب"، علماً بأنه لا يُقدّم أي معلومات محدّثة عن سير عملية 2018 منذ البيان الثاني والثلاثين الذي صدر في 12 آذار/ مارس 2019. على الرغم من هذه البيانات الطموحة، تشي تحركات الجيش المصري في شمال سيناء بأن الهدف من الاستراتيجية هو الاحتواء والاستنزاف لا الاستئصال.

منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014، اتّبعت مصر نهجاً قاسياً لوقف الحركات القتالية في سيناء، حسب عيدو ليفي، فبدأت العمليات العسكرية المكثفة في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام مع استراتيجية الأرض المحروقة بهدف تفكيك شبكات التهريب بين غزة وسيناء. وفيما أقامت القوات المصرية منطقة عازلة امتدت لعمق ألف متر على طول الحدود مع غزة، دمّرت ما وصل إلى 2000 منزل، وجرفت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية، وأخرجت 3200 أسرة من منازلها. ومع أن الحكومة وعدت بالتعويض عن هذه الخسائر، إلا أن الكثير من السكان لم يحصلوا بعد على أي تعويض.

 

وقد ساهم انتقال الجيش إلى التعاون مع القبائل في الحد من الهجمات الجهادية. وفي أيار/ مايو 2017، أعلنت كبرى قبائل سيناء (الترابين والسواركة والرميلات وغيرها) الحرب على الجهادي، وشكلت قوات "اتحاد قبائل سيناء" بدعم من الجيش بالتمويل والأسلحة، وأنشأت "الكتيبة 103" التي يدعمها الجيش في الشيخ زويد، لكن جهود القاهرة المتعثرة في مجال التنمية وحقوق الإنسان قد تترك شبه الجزيرة عرضةً لتجدّد التمرد في المستقبل.

لم تقتصر عمليات مكافحة التمرد الجهادي في سيناء على سياسة الأرض المحروقة التي ينفذها الجيش، وفائض القوات الذي بلغ بحلول مطلع العام 2018 في سيناء 88 كتيبة مصرية مؤلفة من 42 ألف جندي. ففي الوقت الذي كان الجيش يكثف من عملياته، نفّذت إسرائيل ضربات جوية في سيناء في أوقات مختلفة وتبادلت المعلومات الاستخباراتية مع القاهرة. ففي مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في شباط/ فبراير 2018، كتب ديفيد كيركباتريك أن إسرائيل نفّذت مائة ضربة على الأقل ضد عناصر تنظيم الدولة في سيناء منذ عام 2015.

خلاصة القول أن الاستراتيجية المصرية في التعامل مع التمرد الجهادي في سيناء تفتقر إلى الاستدامة والنجاعة، فهي ترتكز بصورة أساسية على القوة الصلبة ولا تستثمر في القوة الناعمة. وهي لا تعالج الأسباب الجذرية العميقة لظاهرة التمرد الجهادي، وهي أسباب متجذرة في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فعوضاً عن تبني استراتيجية متكاملة تقوم على مبدأ استئصال التهديد الجهادي، فإن الاستراتيجية التي تنتهجها القوات المسلحة المصرية في شمال سيناء تستند إلى مبدأ الاحتواء، وهو ما يجعل التهديد الجهادي مستمرا، وهو ما يفسر صعود وهبوط نسق عمليات "ولاية سيناء".

Facebook Comments