في مشهد مؤلم، يقف المصريون بين أزمات كارثية على مستوى الصحة بعد أزمات الجوع والغذاء الناقص، إثر الغلاء الفاحش بزمن العسكر الفشلة. وبين نقص آلاف الأصناف من الأدوية وغلاء أسعار المزيد من الأصناف المهمة والحيوية، يأتي الغش الدوائي ليزيد أزمة المصريين.

وحذرت هيئة الدواء المصرية من وجود بعض المضادات الحيوية المغشوشة داخل الصيدليات، والتي تسببت في حصول وفيات خلال الأسابيع القليلة الماضية، إذ أصدرت قرارا بضبط وتحرير العبوات المقلدة والمغشوشة من مستحضر "سيبرالكس 10ملجرام"، موضحة في منشور توعوي الفرق بين المنتج الأصلي والمغشوش.

ومن جانبها أعلنت شركة المهن الطبية عن سحب مستحضر "زوراكسون 1 ملجرام" من كافة الصيدليات وذلك عقب وجود عبوات مغشوشة ومقلدة من نفس المنتج، وكذلك لمستحضر "يونيكتام 1500 حقن".

وأكدت الشركة، في بيان لها، أنه نتيجة لحدوث بعض الآثار العكسية من هذه العبوات المغشوشة تقدمت إلى هيئة الدواء المصرية بطلب لسحب احترازي لتشغيلات مستحضر "يونيكتام 1500 حقن" من السوق المصري، وذلك بشكل مؤقت لحين فرز التشغيلات السليمة من المقلدة.

 

الحلقة الأضعف 

ويقول الدكتور حاتم البدوي، سكرتير عام شعبة الصيدليات باتحاد الغرف التجارية، إن "الحلقة الأضعف في سلسلة وصول المنتج الدوائي للصيدليات هي المخازن والتي سمحت الدولة بإنشائها، ووصل عددها إلى أكثر من 1700 مخزن على مستوى الجمهورية، والتي عن طريقها يتم وصول تلك الأدوية المغشوشة إلى الصيدليات".

وأشار، في تصريحات صحفية، إلى أن الصيدلي من الصعوبة أن يكتشف تلك الأدوية، ولا سيما أنها تكون مقلدة بطريقة يصعب اكتشافها ظاهريا، بخلاف أنها صادرة بفواتير رسمية من مخازن مرخص لها، لافتا إلى أن الصيادلة لا يكتشفون تلك الأدوية إلا بعد الإعلان عنها من قبل الجهات المختصة، بعد اكتشاف حالات وفيات سببتها تلك الأدوية.

وتابع  "المصانع التي يتم فيها عمليات غش الأدوية، والتي يطلق عليها مصانع "بير السلم" تعتمد على خطوط إنتاج بدائية، يتم شراؤها من الشركات الكبيرة التي تطور خطوط إنتاجها، لذلك يجب على السلطات المعنية مراقبة هذه الخطوط عقب تكهينها".

كما يرجع خبراء أسباب انتشار الأدوية المغشوشة، ولا سيما في السنوات الأخيرة، إلى رفض شركات الأدوية استلام الأدوية منتهية الصلاحية من الصيدليات، الأمر الذي يضطر معه الصيدلي إلى التخلص منها خشية المساءلة القانونية وذلك بإلقائها في سلال القمامة، ما يجعلها عرضة  لضعاف النفوس وإعادتها للسوق مرة أخرى وهو ما يستوجب تفعيل منظومة التتبع الدوائي لمراقبة عمليات تصنيع الدواء بدءا من دخول المادة الخام عبر المطار، وحتى وصول الدواء إلى رفوف الصيدليات.

ويوضح الدكتور محمود حسن، صاحب إحدى الصيدليات، أن معظم الأدوية المغشوشة تكون خاصة بالمضادات الحيوية، وذلك لسهولة غش "البودرة" مع صعوبة اكتشافها بخلاف صعوبة غش الأقراص وأدوية الشرب، إذ يسهل اكتشافها عن طريق تغير اللون أو الخواص.

مضيفا أن مسألة غش الأدوية تأتي عن طريق مخازن "حرق الأدوية" إذ يعرض المندوب على المخازن الصغيرة أدوية معينة بخصومات قد تصل إلى 50% من سعرها الأصلي، فيتم التعامل معها كأدوية "محروقة" وليس كأدوية مغشوشة، وخاصة أنه يصعب اكتشافها ظاهريا.

 

الحق في الدواء 

ومؤخرا، كشف محومد فؤاد، مدير مركز الحق في الدواء، عن  كارثة أدوية الرصيف، بنشره قبل شهرين صورة على صفحته الشخصية على "فيس بوك"، لسيدة تبيع أدوية في سوق الجمعة، في غياب الرقابة تماما، وسط إقبال من المواطنين على شراء الأدوية منها، ما يعرض حياتهم إلى الخطر.

 وقال فؤاد إن "المركز تلقى شكاوى عديدة من بيع أدوية مغشوشة قرب محطة مترو المعادي، وخلف مسجد الفتح برمسيس، وسوق الجمعة، واتضح أنها سيدة، ولها زبائن".

وأضاف ، أن سوق الدواء في مصر أصبح فوضويا، ولا يوجد رقابة عليه، لافتا إلى أنه يوجد أدوية مغشوشة في الأسواق، تصل قيمتها إلى 700 مليون جنيه تأتي من مصادر مختلفة.

 ونوه بأن هناك أكثر من 200 صنف دواء منتهي الصلاحية تنتجها شركات أدوية غير معروفة، موزعة على علاج الأمراض الجلدية والباطنة والصداع والقلب والسكر وغيرها و50% منها منشطات.

 

من الغش إلى الغياب من السوق

على صعيد آخر، تواجه غالبية الصيدليات، أزمة نقص حادة للمستحضرت الطبية.

وكشفت مصادر طبية محلية ، عن نقص الأدوية التي زادت حدتها خلال الأيام الماضية، بارتفاع أسعار البنزين مؤخرا،  ولجوء بعض الشركات إلى تقليل كميات الأدوية الحيوية أو وقف تصنيعها، بانتظار رفع سعر الدواء، والضغط على المريض لتقبل زيادة الأسعار بالتزامن مع صعود أسعار الوقود.

وبدأت أزمة جديدة في نواقص الأدوية مع حلول عام 2019 بعد تصريح  أعلنته حكومة العسكر نهاية العام الماضي، بفرض مزيد من الأعباء على الغلابة وارتفاع أسعار 119 دواء جديدا.

وأعلن هشام توفيق وزير قطاع الأعمال بحكومة الانقلاب أن هناك 129 مستحضرا دوائيا تنتجهم شركات تابعة للقابضة للأدوية وافقت وزارة الصحة على تحريك أسعارها، وأن سعرها سيرتفع بمعدل من 15 إلى 30%، زاعما أن هناك 360 عقارا خاسرا، وسيتم تحريك أسعارها على دفعات.

وبحسب مصادر بغرفة صناعة الدواء، فإن إنتاج الأدوية صار يكلف أموالا أكثر بعد قرار تقليل الدعم عن المواد البترولية، وبالتأكيد ستزيد هذه التكلفة حين تبدأ شركات الأدوية بدفع مبالغ أكثر مقابل استهلاكها للكهرباء.

وتسيطر شركات الدواء المحلية على 60% من سوق الدواء، في حين تمتلك الشركات متعددة الجنسيات حصة تبلغ نحو 40%.

ويشكو المصريون، الذين يعيش الملايين منهم تحت خط الفقر، من صعوبات في تلبية الحاجات الأساسية، بعد قفزات متتالية في أسعار الوقود والدواء والمواصلات، خلال السنوات الست الماضية، تزايدت حدتها بعد أن قررت الحكومة تعويم سعر صرف الجنيه مقابل الدولار 2016، استجابة لشروط صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار.

 

نواقص حياة أو موت

ومن أهم الأدوية الناقصة، تلك المتعلقة بأمراض ضغط الدم والسكر والمضادات الحيوية وأدوية الاكتئاب والبرد ومنشطات الدورة الدموية والكولسترول وأدوية أمراض الكبد والكلى والصداع والسرطان والروماتيزم وآلام العظام والقولون وأمراض العيون.

وخلال الأشهر الماضية مهدت حكومة الانقلاب لتلك الزيادة الجديدة، بعدما أجرت مفاوضات مع شركات الأدوية وأسفرت عن الزيادات التالية:

– الدواء الذي يزيد سعره عن 100 جنيه تكون زيادته 15%.

– الدواء المتوسط سعره من 50 إلى 100 جنيه سيشهد زيادة 20%.

– الدواء الذي يبدأ من جنيه حتى 50 جنيها سيشهد زيادة 30%.

– الأصناف التي تستخدم مكونات محلية تكون زيادة أسعار منتجاتها في المتوسط 15% من مستحضراتها.

– أدوية الشركات ذات المكونات المستوردة تكون الزيادة فيها بنسبة متوسط 20% من مستحضراتها.

يأتي ذلك بعد عدة أشهر فقط من آخر زيادة قررتها وزارة قطاع الأعمال بحكومة الانقلاب برفع أسعار 400 صنف دوائي بالأسواق.

وخلال الأعوام الماضية نشطت الزيادات المؤلمة للمصريين، حيث تكررت في العامين الماضيين  فقط. ارتفاع أسعارالدواء لـ 4 مرات، بعد التعويم، وتحرير سعر صرف الجنيه، فكانت البداية في مايو 2016  بزيادة تصل إلى 20% للمستحضرات الطبية التي لا يتجاوز سعرها 30 جنيها.

وبعد مرور ثمانية أشهر صدر القرار الثاني من حكومة الانقلاب بإعادة تسعير 15% منها الأدوية المحلية، ومن 20 إلى 50% من الأدوية المستوردة شملت  (3010 مستحضرات طبية).

 بينما الزيادة الثالثة كانت في يناير 2018، ووافقت وزارة الصحة على رفع أسعار 30 صنفا دوائيا، بنسب تتراوح من 10 إلى 50%، شمل القرار بعض أدوية الأمراض المزمنة التي تشهد نقصا، مثل: أدوية أمراض السكر والضغط والقلب والمخ والأعصاب، ثم أعلنت الصحة عن زيادة ستة أصناف أخرى للدواء في يوليو 2018.

ويتوقع أن تشهد مبيعات الأدوية في مصر زيادة بنحو 6.6% عام 2022، وتصل إلى 8.6% عام 2026.

وقدرت وكالة "فيتش سولوشنز" حجم المبيعات المتوقعة من الأدوية المصرية في 2022 بنحو 82.3 مليار جنيه، ترتفع إلى 112.6 مليار جنيه في 2026، فيما سترتفع صادرات مصر من الأدوية بنسبة 4.7% خلال عام 2022 الجاري، تصل إلى 5.8% في 2026.

وفي خضم تلك المأساة، من غلاء الأدوية وغشها ونقصان بعضها في السوق المصري، يطرح تساؤل ، أين يذهب المريض؟

Facebook Comments