نشرت صحيفة "الأخبار" اللبنانية تقريرا موسعا حول التدهور الحاد في الاقتصاد المصري، مؤكدة أن مصر باتت في ورطة كبرى وأن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي يستنجد حاليا بعدد من العواصم الخليجية لإنقاذ من السقوط؛ مشيرة إلى أن الجنرال طلب معونات مالية من دول خليجية، بالتزامن مع اقتراب البلاد من شفا كارثة اقتصادية جديدة في ظل عجز متعاظم في الميزانية لم تعد القروض الضخمة تكفي لعلاجه.

 

قروض غير مجانية

بحسب الصحيفة اللبنانية فإن هذه المساعدات المرتقبة من الدول الخليجية لن تكون بالمجّان، بل هي مرهونة بشروط من بينها بيع أصول الدولة للسعوديين والإماراتيين، مقابل الحصول على "الرز". في إشارة إلى المساعدات المالية.  وكان السيسي خلال إفطار الأسرة المصرية (الثلاثاء 26 إبريل 2022) قد تحدث عن بيع أصول بالدولة بما يساوي نحو 10 مليارات دولار سنويا لمدة أربع سنوات؛ بما يعني أن السيسي سيشرغ في موجة خصخصة جديدة تصل إلى نحو 40 مليار دولار على مدار السنوات المقبلة.

 

وعود زائفة وديون ضخمة

وتناولت الصحيفة اللبنانية وعود السيسي الزائفة خلال السنوات الماضية منذ اغتصابه للسلطة بانقلاب 03 يوليو 2013م؛ فالتقرير يشير إلى أن نظام السيسي عجز عن الوفاء بوعوده منذ سنة 2014م الخاصة بتحسين الأوضاع الاقتصادية دون جدوى. ويعيد التقرير إلى الأذهان احتجاج بعض المصريين سنة 2012م إبان عهد الرئيس مرسي على وصول سعر صرف الدولار إلى نحو 7 جنيهات، رافضين تحريكاً طفيفاً في أسعار المحروقات، وسط تَوجّه حكومي، آنذاك، إلى الاقتراض من "صندوق النقد الدولي" بقيمة نحو 6 مليارات دولار. لكن قيمة القرض نفسه، قفزت بعد أقلّ من عامين فقط، مع وصول السيسي إلى السلطة، إلى 12 مليار دولار، بالإضافة إلى عشرات القروض الأخرى التي ارتفعت بديون مصر إلى 145 مليار دولار، بعدما كانت نحو 35 ملياراً في عام 2011، وأقلّ من 55 ملياراً في عام 2014، وفق الصحيفة.

 

التقرير يؤكد غياب أي رؤية استراتيجية للتعامل مع وضع اقتصادي آخذ في التدهور، حيث تستمرّ الأزمات المعيشية في سحق المصريين، بدءاً من تدهور سعر الصرف وانهيار القدرة الشرائية وتبدّد المدّخرات، مروراً بالغلاء المستمرّ في أسعار السلع والخدمات بما فيها السكن والكهرباء، وليس انتهاءً بالإجراءات والقيود التي من شأن استمرارها تهشيم ما تبقّى من الصناعات المحلّية.

وبحسب الصحيفة فإن البنك المركزي لا يزال يمتنع عن ذكر تبيان الحجم الحقيقي للديون، وما إذا كانت متضمّنة أيضاً قيمة قرض الـ25 مليار دولار من روسيا، الخاصّ بإنشاء مفاعلات الضبعة النووية، وهو واحد من المشروعات التي تتكتّم الحكومة على تفاصيلها المالية بشكل كبير.

 

مشروعات عملاقة بلا جدوى

وقالت الصحيفة إن المشاريع التي تمّ تنفيذها لا تعود بفوائد تُعادل ما جرى اقتراضه من أجلها، فيما فشل النظام في إدارة الوضع الاقتصادي، وسط غياب الرؤية الشاملة المتناسبة مع ضخامة الاقتصاد المصري، الذي أصبح رهينة الإعانات الخليجية، التي انتهى زمنها هي الأخرى، لا لأسباب سياسية فقط، بل وأيضاً لشعور أنظمة الخليج بأن استثماراتها لا تدرّ أيّ عوائد ذات قيمة عليها.

ويضيف التقرير أنه جرى التوسّع في تنفيذ المشروعات من دون دراسة عوائدها، كما في حفر التفريعة الجديدة لقناة السويس خلال عام واحد، ومشاريع الطرق و"الكباري" التي كلّفت مليارات الدولارات ونُفّذت في زمن قياسي، في وقت قرّر فيه الرئيس رفع الدعم عن جميع فئات الشعب وزيادة الضرائب والرسوم بصورة غير مسبوقة، وفقا للصحيفة اللبنانية.

وقالت "الأخبار" إن السيسي حاول ترسيخ اسمه ومكانته على حساب الاقتصاد المصري، حيث قام ببناء العاصمة الإدارية الجديدة من خارج موازنة الدولة، لكن الأموال التي ضُخّت فيها غالبيّتها من الداخل وليس الخارج. كما أن التوسّع في المشاريع العقارية أحدث قفزة غير مسبوقة في الأسعار، ومن دون مبرّر، سوى جشع الدولة لجمع مليارات الجنيهات من المواطنين الراغبين في التملّك، والذين جرى منعهم من البناء على نحو منفرد إلّا في أضيق الحدود.

 

غلاء وتضخم مرتفع

كما تسبب النظام ـ وفقا للصحيفة اللبنانية ــ في تبديد مدّخرات المصريين، جرّاء الانخفاض المتواصل في سعر العملة المحلّية، وانخفاض قيمة الفائدة الفعلية على الرغم من تسجيلها 18 و20%، فضلاً عن رفع الأسعار لتكون تقريباً معادِلة للأسعار العالمية، بما فيها أسعار الكهرباء والمحروقات وحتى الخدمات، في وقت انخفضت فيه قيمة الحدّ الأدنى للأجور إلى أقلّ من 153 دولاراً، حتى مع زيادته رقمياً قبل أيام.

وفي مقابل طلب السيسي من المصريين تحمّل الظروف الاستثنائية والأوضاع الصعبة عالمياً، لم يتحرّك نظامه للتخفيف عن المواطنين حتى في عزّ تلك الأزمات. وأكدت الصحيفة اللبنانية أن السيسي ينتهج سياسات اقتصادية متناقضة، حيث أنه تحدث عن أهمية توقّف الاقتراض إلّا للضرورة فقط قبل أكثر من عام، لكنه مرّر ميزانية حكومته بقروض جديدة لتسديد القروض القديمة.

وتسود المنابرَ الإعلامية الرسمية، اليوم، انتقاداتٌ لعمليات استيراد بعض السلع التي يتوافر لها بديل متواضع محلّياً، مع تضخيم لعمليات السحب التي يجريها المصريون من البنوك، بهدف القول إن قدرة هؤلاء الشرائية لم تتأثّر سلباً، فيما الواقع يقول إن تضخّم الأسعار سيتواصل خلال الفترة المقبلة من دون سقف، خاصّة بالنظر إلى تناقض الرسائل التي يبعث بها النظام حول الوضع الاقتصادي، وغياب أيّ رؤية بعيدة المدى لديه من أجل إصلاح موازنة الدولة التي أصبحت تسدّد القروض بفوائد تلتهم أعلى من نصف قيمتها.

وبدأ البنك المركزي إجراءات من شأنها الحدّ من قدرة الشركات على تنفيذ عمليات الاستيراد، بدايةً من توفير الدولار من البنوك وهو ما يتعذّر في غالبية الأحوال، مروراً باشتراط وضع المبالغ كاملة قبل إتمام العمليات، وصولاً إلى استغراق وقت أطول من اللازم في الإجراءات، وفرض قيود تحجّم من نشاط الشركات. ولاحقا، خرج السيسي ليعلن استثناء المواد الضرورية للصناعة المحلية من قيود الاستيراد.

أمّا بخصوص الضرائب الجديدة على السلع المستورَدة، يؤكد التقرر أنها تضع فعلياً على المستورد أعباء إضافية مرتبطة باضطراره لشراء الدولار من السوق السوداء بنسبة ارتفاع تُراوح بين 10 و20% على الأقلّ، إلى جانب زيادة الرواتب والأجور التي يُفترض بدء تطبيقها خلال الشهر الحالي، الأمر الذي تسبّب بزيادة كلفة الإنتاج المحلّي، وفقا للصحيفة.

وعقب تحرير سعر الصرف للمرّة الثانية، ورفع سعر الفائدة قبل شهرَين، يتحدث النظام عن تسهيلات لتشجيع الصناعة المحلية، لكن هذه الوعود تبقى حبراً على الورق فقط، من دون إجراءات على أرض الواقع، في ظلّ استمرار الروتين الحكومي، وتعقيد ترتيبات الاستثمار، بينما تتعزّز قبضة وزارة المالية من خلال مصلحة الضرائب للحصول على مزيد من الأموال، سواءً بإجراءات مراقبة لتقليص عمليات التهرّب الضريبي، أو حتى في جمع متحصّلات ضريبية لم تكن ضمن المنظومة من قبل.

Facebook Comments