يجد نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي نفسه في ورطة لعدم اهتمامه مطلقا بتحقيق الاكتفاء الذاتي للبلاد من الغذاء منذ اغتصابه للحكم بانقلاب عسكري دموي في يوليو 2013م؛ لا سيما في أعقاب القرار الأخير الذي اتخذته الحكومة الهندية بحظر تصدير الحبوب وعلى رأسها القمح بسبب موجة الحر الشديد التي أثرت بشدة على حجم المحصول.

وكشف رئيس الحجر الزراعي أحمد العطار ــ وفقا لوكالة رويترز ــ أن مصر تجري محادثات مع مسؤولين هنود للحصول على إعفاء من قرار الهند حظر تصدير القمح. مؤكدا أن هناك محادثات جارية بين القاهرة ونيودلهي على أعلى المستويات لتكون مصر جزءاً من استثناءات هذا القرار، مضيفاً أنّ هناك اتصالاً مستمراً مع السفير المصري لدى نيودلهي.

وكانت الحكومة الهندية قد اتخذت الجمعة 13 مايو 2022م قرارا بحظر تصدير القمح  بعد أيام من إعلانها أنها تستهدف تحقيق شحنات قياسية هذا العام، إذ أدت موجة حر قائظ إلى تقليص الإنتاج وارتفعت الأسعار المحلية إلى مستوى قياسي. وقالت الحكومة إنها ستستمر في السماح بتصدير القمح بخطابات ائتمان صدرت بالفعل وإلى تلك البلدان التي تطلب الإمدادات "لتلبية احتياجات أمنها الغذائي".

ومع تطبيق القرار سيتم السماح بالتصدير في حالتين فقط، إما التعاقدات غير القابلة للإلغاء التي تمت بالفعل، أو استثناءات تصدر بإذن حكومي لصالح دول الجوار والدول التي تسعى لتلبية احتياجات أمنها الغذائي بناءً على طلبات رسمية تقدمها حكومات هذه الدول لنظيرتها الهندية، بحسب نص القرار، الذي لم يُحدد معايير تحديد هذا الاستثناء.

وتعاقدت مصر الشهر الجاري على شراء 60 ألف طن قمح، من أصل مليون و300 ألف طن تعاقدت الهند على تصديرها عالميًا منذ مطلع مايو حتى يوم  الحادي عشر بالشهر نفسه وفقًا لصحف هندية. ما يعني أن إجمالي القمح الهندي الذي تعاقدت عليه مصر منذ إقرارها الهند كمنشأ للأستيراد وحتى الآن لا يتجاوز 115 ألف طن فقط، ولم يغادر أي منها الموانئ الهندية حتى الآن.

وقبل يوم واحد من قرار الحظر، أعلنت الهند عن سعيها الوصول لصادرات قياسية من القمح هذا العام، مستغلة في ذلك توقف إمدادات القمح من البحر الأسود بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. وللدفع بذلك قررت إرسال وفود حكومية إلى عدة دول من بينها المغرب ولبنان وتركيا وإندونيسيا وتايلاند، متغاضية عن تقلص إنتاج القمح المحلي إثر موجة الحر.

كانت مصر قد أقرت الهند كمنشأ لاستيراد القمح  الشهر الماضي رغم رفضها منذ عامين الاستيراد من هناك اعتراضًا على جودة القمح الهندي. لكن انخفاض سعره نحو 100 دولار مقارنة بأسعار القمح العالمي شجع الحكومة على الموافقة، خاصة في ظل أزمة إمدادات القمح العالمية. كما سمحت وزارة التموين للمصدرين المصريين بالتعاقد المباشر مع الهند دون مناقصات كما هو الوضع مع الدول الأخرى، لتسهيل عملية الشراء وتسريعها، وتشجيع المستوردين المصريين على التعامل مع المصدر الهندي، وفقًا لتغطية سابقة لـ«مدى مصر».

وفي إبريل أعلنت وزارة الزراعة بحكومة الانقلاب، أنها وافقت على الهند كمصدر لإمدادات القمح، إذ تسعى القاهرة إلى بدائل تحل محل المشتريات التي تعطلت بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا. وتعمل الحكومة على تنويع مصادر مشترياتها، وتجري محادثات مع فرنسا والأرجنتين والولايات المتحدة. وقال العطار، في وقت سابق اليوم، إنّ مصر تدرس أيضاً استيراد قمح من باكستان والمكسيك.

وكان وفد من الحجر الزراعي برئاسة العطار قد سافر إلى الهند، الأسبوع الماضي، لتفقد أول شحنة قمح هندي متجهة إلى مصر، وهي شحنة اشتراها القطاع الخاص المصري.وبحسب العطار، تم تحميل أكثر من 45 ألف طن من أصل 63 ألف طن على السفينة بالفعل قبل إعلان حظر التصدير.وذكر بيان لوزارة الزراعة أنّ الشحنة اجتازت عملية التفتيش، وقال العطار إنها تحتوي على أعلى مستويات بروتين مقارنة بأي منشأ آخر.

وفي تصريحات سابقة لمستورد الحبوب، هشام سليمان، فإن لجنة حكومية مماثلة رفضت شراء القمح من الهند منذ عامين، بعدما اعترضت على جودته، متوقعًا أن يكون قرار الحكومة بالتفكير مجددًا في القمح الهندي نتيجة انخفاض سعره مقارنة بأسعار القمح العالمية، إضافة إلى ذلك، فإن  جودة القمح الهندي أقل من نظيره الروسي والأكراني؛ فيما يتعلق بانخفاض كمية الدقيق المنتجة منه (الاستخراج)، فكل طن قمح ينتج 720 كيلو دقيق أبيض، في حين ينتج القمح الهندي كمية لا تتجاوز 680 كيلو دقيق من الطن، وهو ما يعني، وفقًا لسليمان، ضرورة خلطه بأقماح أخرى لتعويض فائض الاستخراج.

وكشفت أحدث عملية شراء أجرتها الحكومة عن قفزة كبيرة في تكلفة الشراء مقارنة بأسعار ما قبل الغزو الروسي لأوكرانيا؛ حيث اشترت الحكومة طن القمح مؤخرا بمتوسط سعر ​490 دولارا للطن بعد احتساب الشحن في الاعتبار مقارنة بـ 350 ألف طن قبل الحرب الأوكرانية، وفقا لوكالة "بلومبيرج" الأمريكية.

وتشترى الحكومة القمح المحلي الأكثر جودة 5900 جنيه للطن الواحد ما يعادل 321 دولارا، وهو ما يعني أن الحكومة المصرية تشتري القمح من الفلاحين بأقل من سعره العالمي بنحو 169 دولارا (نحو 3000 جنيه) للطن الواحد؛ الأمر الذي أدى إلى عزوف الفلاحين عن توريد القمح للحكومة ما يفاقم من حجم الأزمة التي قد تنعكس على معدلات إنتاج الخبز المدعوم خلال الشهور المقبلة.

وتستورد مصر نحو 65% من  غذائها؛ حيث تتربع على قمة الدول المستوردة للقمح بحجم 13.5 مليون طن سنويًا، ونُعتبر رابع أكبر مستورد للذرة الصفراء بنحو 10 ملايين طن سنويًا، وخامس أكبر مستورد لزيوت الطعام بنحو 3 ملايين طن سنويًا، ومعها 1.25 طن من السكر ونحو 50% من احتياجاتنا من اللحوم الحمراء والألبان المجففة، و100% من احتياجاتنا من العدس ونحو 80% من الفول وفقا للبيانات الرسمية.

Facebook Comments