قبل زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تل أبيب يسارع السيسي ونظامه العسكري لعقد أي حوار مع أي أطياف سياسية بمصر، سواء كانت أحزابا كرتونية أو نشطاء مستقلين أو أي أشباح محسوبة على العمل السياسي في أوقات سابقة، من أجل الحظوة بلقاء مع بايدن على أشلاء الفلسطينيين والعرب في الأراضي المحتلة، وهو يبدو هدفا مخططا لكسر ما تبقى من أية رمزية لمصر، بعد أن هتك السيسي كل الأعراف والتاريخ السابق للنظم المصرية في علاقاتها، حتى الظاهرية مع الكيان الصهيوني المغتصب.

وجاءت دعوة السيسي للحوار بشكل هامشي دون أن يوليه اهتماما مناسبا كقضية أساسية ينتظرها الشارع المصري، الذي بات تتقاذفه جرائم العسكر واستبدادهم، بين أزمات سياسية واقتصادية وتشرذم سياسي واجتماعي يهدد مصر ، تاريخا وحاضرا ومستقبلا.

وعلى الرغم من أن دعوة السيسي الهامشية للحوار ، التي بدأت صغيرة ومهمشة، إلا أن تعاطي بعض القوى السياسية معها قد عظّمها ، فإذا بالسيسي ونظامه يضربهم الفزع من مجرد وجود حوار جدي، يدور بمصر بغض النظر عن أطرافه.

وجاءت دعوة السيسي للحوار عن غير قناعة حقيقية؛ بل لأهداف اقتصادية بحتة، من أجل إشراك المجتمع في الكارثة التي تسبب بها على مدار تسع سنوات عجاف أدت لفقدان مصر احتياطيها النقدي وزيادة التضخم لنسب غير مسبوقة وارتفاع نسب الفقر لأكثر من 35% وفق الإحصاءات الرسمية، وزيادة نسب البطالة والعاطلين عن العمل وانتشار الجوع والمرض على أثر ارتفاع الأسعار والغلاء غير المسبوق ، ومع زيادة حجم كرة الحوار السياسي  ذهب السيسي مجددا لتقزيم حجم الحوار ، واختزاله في أكاديمية الشباب ، التي إليها إدارة الحوار، وجاء التقزيم للحوار لخفض سقف التوقعات والطموحات التي انتابت القوى السياسية.

ومع السجال السياسي الذي يعم المجتمع المصري حول الحوار، بدا كثير من التباين بين القوى السياسية، حيث جاء موقف القوى المدنية وأحزاب جبهة الإنقاذ مؤيدة للحوار من أجل استعادة دورهم السياسي المندثر،  فيما وضع المئات من المستقلين والنشطاء السياسيين في بيان مشترك اشتراطات للحوار السياسي الناجح، من بينها إطلاق سجناء الرأي والإفرج عن المعتقلين السياسيين الذين أمضوا سنوات بالحبس الاحتياطي دون الإحالة للمحاكمة، وتعزيز الحريات الإعلامية، وهو ما ردت عليه أساطين النظام بحملة إعلامية عبر أذرعها الإعلامية، كنشأت الديهي وغيره من إعلاميي الحظيرة العسكرية، الذين استنكروا أن يشترط أحد على الدولة المصرية من أجل الجلوس للحوار السياسي. وهو ما يمثل قمة العته السياسي ويثبت أن النظام لا عقل له، وأنه لا يفهم سوى لغة الإملاءات وفقط ، وليس إدارة المجتمع السياسي.

بينما تحفظت أطراف متصلة بجماعة الإخوان المسلمين على الحوار، كون السيسي ونظامه العسكري الباطش لا أساس لشرعيته وأن عليه الرحيل من أجل استقرار المجتمع ، وتغيير وجهاته وفلسفته الحاكمة.

 

اختبار بايدن

ومع زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي الأخيرة للقاهرة، قدم السيسي العديد من الوعود لواشنطن حول تعهدات بمراعاة حقوق الإنسان وتخفيف القبضة  الأمنية والإفراج عن المعتقلين وإجراء حوار سياسي فاعل بالمجتمع المصري، وهو ما يمكن أن ينبئ بإجراء شبه حوار منقوص  ، ليس من أجل مصر وإنما من أجل حماية كرسي السيسي وتقوية قبضته على المجتمع المصري.

 

رحيل السيسي ضمانة نحاح الحوار

وعلى صعيد ذي صلة، أكد المعارض والمنسق المساعد للجمعية الوطنية للتغيير سابقا، محمد صلاح الشيخ، أن الدعوة التي أطلقها السيسي للحوار الوطني، إنها تهدف لإنقاذ سفينته الغارقة ذاهبا إلى أن أي حوار حقيقي يبدأ برحيل السيسي.

وشدد الشيخ، في مقابلة خاصة مع "عربي21" على أن هذه دعوة غير جادة على الإطلاق لحوار وطني يعمل على إنهاء الأزمة المصرية المتفاقمة، وهذا ليس بجديد على السيسي الذي أطلق العديد من الوعود السابقة، بينما أثبت الواقع كذب وخداع جميع تلك الوعود، ومن ثم فقد أضاع كل الفرص التي كانت أمامه طوال تلك السنوات الماضية.

ونوّه إلى أن ما وصفها بالأزمة الاقتصادية الطاحنة، والضغوط الخارجية المتزايدة، هي التي دفعت رأس النظام لإطلاق تلك الدعوة، موضحا أن العملة المصرية فقدت نحو 50 ضعفا من قيمتها منذ 1952 وحتى الآن، نتيجة 70 سنة من حكم العسكر، بينما الشعب هو من يدفع ثمن النهب المنظم، بعدما تحول نظام يوليو إلى حكم عصابات مافياوية فاشية بشكل صريح لا مواربة فيه.

وأردف الشيخ "هذه المجموعة العسكرية التي خرجت علينا في انقلاب 23  يوليو 1952 لتحتكر وتصادر قرار الدولة المصرية، تمثل نموذجا أسوأ من التجربة النازية الهتلرية، ولتطعن في تجربة حزب الوفد وثورة 1919، بينما لم تفهم حتى الآن أن زمانها انتهى تماما في عالمنا الحديث، ومن ثم فهم غير مؤهلين للحوار بأي صورة من الصور.

وأضاف "فليرحل السيسي وكفى ما دفعه المصريون من أثمان باهظة بسببه، هذا السيسي زاد الجباية الظاهرة من المصريين أربعة أضعاف، أما الجباية غير الظاهرة فحدث ولا حرج، وهو أشبه بشخص مجنون يجلس على عجلة القيادة، وهو يتزعم عصابات الاستبداد واللصوصية، بينما يجب عقاب من أخذ المصريين إلى طريق الأشواك إفقارا وإرهابا، وصم الأذن عن صوت الحق والعقل والحكمة.

وأكمل "عصابات العسكر صانعة الإجرام والإرهاب، تضع اليوم حوالي ربع مليون إنسان في سلخانات غير آدمية في أماكن حجز أقسام شرطة عصابة صريحة، وتضع أكثر منهم في سلخانات سجون شبه دولة تم إفقار وقهر أصحابها ، مضيفا قبل آلاف السنين صنع المصريون جيشهم، وكانت هناك صفحات بيضاء كثيرة، لكن أغلبها كان بعد صفحات خيانة سوداء من عسكريين جعلوا جيشنا علينا لا لنا".

واستطرد المنسق المساعد للجمعية الوطنية للتغيير سابقا، قائلا "القطار لكي يسير لا بد له من قضبان وسائق جيد، لكن مصر اليوم بلا قضبان أو سائق، ومن ثم فلن يسير عليها أي قطار".

وتابع القيادي السابق في حزب الوفد "الدولة العسكرية العميقة صنعت النخب الحالية من أحزاب، ومنظمات مجتمع مدني وجمعيات أهلية، ورجال أعمال ورؤساء جامعات ورجال دين وإعلاميين؛ فهي كلها مجرد صور مصنوعة برداءة، ولذلك فعلى الشعب أن يفرز نخبا جديدة وحقيقية بدلا من النخب العفنة".

 

الإطاحة بالسيسي

وفي الوقت الذي عبر فيه عن تفهمه لموقف بعض الشخصيات العامة من التعاطي مع دعوة الحوار، انطلاقا من محاولة إيجاد حل وسط والإفراج عن بعض سجناء الرأي، أضاف "الحل الوسط، وبداية حل الأزمة، لن يخرج من هذا الحوار؛ لأن إصلاح أي شيء يبدأ من العقل والرأس، فلا يمكن تصور حدوث أي إصلاح حقيقي في ظل وجود السيسي في منصبه".

وتابع الشيخ "لا يمكن ترك السيسي المغتصب لمنصب الرئاسة في هذا الموقع أكثر من ذلك، خاصة بعد تآمره الكبير والواضح على ثورة يناير، وبعدما باتت الأزمات والمصائب الخطيرة تلاحقنا من كل صوب وحدب، ومَن يقول غير ذلك فهو يخادع نفسه والآخرين".

 

إلغاء التعديلات الدستورية

وطالب بإلغاء التعديلات الدستورية التي تم إدخالها على دستور 2014، والتي قال إنها "جاءت تفصيلا على مقاس السيسي ومنظومته العسكرية، ولذلك يجب علينا تفعيل دستور 2014 وإيجاد مخرج قانوني للأزمة الخانقة، وقد يكون ذلك عبر تفويض إدارة الدولة لرئيس وزراء مستقل ووطني كالدكتور زياد بهاء الدين، المعروف بتوجهه الديمقراطي والاجتماعي".

وقال "يجب استعادة دستور 2014 الديمقراطي، ومحاسبة المنقلبين عليه، ثم البدء خلال عامين في مسار انتقال ديمقراطي واقتصادي حقيقي، يكون على رأسه تحقيق العدالة الانتقالية لكل جرائم ما قبل ثورة يناير وبعدها، والاتفاق على قوانين حقيقية لاستقلال القضاء والإعلام وغيرهما، مع قيام أحزاب حقيقية، وحينها فقط سنكون إزاء جمهورية جديدة حقا".

واتفق الشيخ مع التصريحات التي قالها الحقوقي والناشر البارز، هشام قاسم، في مقابلة سابقة مع "عربي21" بأن "السيسي سيكون آخر الحكام العسكريين لمصر" مرجعا ذلك إلى "طبيعة العالم الحديث الذي نعيشه، وبعدما أدرك الجميع الفشل الذريع للحكم العسكري، بالإضافة إلى أن هناك إدراكا عالميا متناميا بخطورة وجود مستبدين؛ كبارا كانوا أو صغارا".

وحول مستقبل الحكم العسكري في مصر، قال؛ إن "التاريخ يخبرنا أن هذا النموذج من الحكم يستمر في الصعود إلى قمة الجبل لفترة، طالت أو قصرت، إلا أنه حتما سيهوي إلى سفح الجبل يوما ما، وحينها لن تقوم له قائمة".

Facebook Comments