في تأكيد على أن الهدف من الحوار الوطني الذي دعا إليه الديكتاتور عبدالفتاح السيسي مؤخرا ما هو إلا وسيلة دعائية من أجل تبييص صورة النظام على المستوى الدولي، انتقد رئيس حزب الإصلاح والتنمية الموالي لسلطات الانقلاب، محمد أنور السادات، إسناد تنظيم وإدارة ما يسمى بالحوار الوطني الذي دعا إليه الدكتاتور السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية يوم 26 إبريل 2022 الماضي إلى بعض المؤسسات الشبابية التي تدار بمعرفة أجهزة أمنية بعينها في الدولة؛ محذرا بأن الحوار بهذا الشكل سيتحول إلى "كرنفال مفتوح" لا يحقق الأهداف المرجوة منه. في إشارة إلى "الأكاديمية الوطنية للتدريب" التي أعلنت في بيان لها إدارتها للحوار والتي يديرها ويهيمن عليها جهاز المخابرات العامة.
وفي بيان أصدر السادات، الإثنين 16 مايو 2022، قال: "كنت وما زلت من المرحبين بالحوار الوطني الشامل الذي دعا إليه (….)، ولكنني غير راض أو مطمئن لإسناد تنظيم الحوار وإدارته لمؤسسات تنتمي وتدار بمعرفة بعض الأجهزة، حتى لو صاحبت هذه الدعوة والاحتفالية انفراجة مؤقتة ومحدودة تتمثل في الإفراج عن بعض المحبوسين احتياطياً، أو إصدار عفو رئاسي عن المحكوم عليهم في قضايا سياسية".
وأضاف السادات، الذي يشغل عضوية "المجلس القومي لحقوق الإنسان" في مصر: "المشكلة ستظل قائمة ومتكررة، وكما تابعنا السرعة والجدية في المؤتمر الصحفي العالمي الذي عقده رئيس مجلس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي، الأحد، بمناسبة إطلاق حزمة حوافز جديدة لجذب الاستثمارات، وتشجيع القطاع الخاص، فكذلك يجب أن يعقب الحوار الوطني التأسيس إلى نظام سياسي وعقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكومين".
وتابع ــ بحسب موقع مدى مصر ــ: "المصريون يجب أن يشعروا بأحقيتهم في المشاركة في السياسات والقرارات التي تتعلق بآمالهم وتطلعاتهم، وأيضاً حرياتهم في تحديد أولوياتهم بشأن الإنفاق العام، وأهمية ترشيده في مشروعات الدولة الحالية والمستقبلية، وبأن هناك فصلاً وتوازناً بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ومساءلة ومحاسبة عن طريق احترام الدستور والقانون، وتطبيقه على الجميع وفق نظام قضائي عادل ومستقل، ليس فيه تمييز أو تفرقة بين القطاع الخاص والأهلي ومؤسسات الدولة، بما فيها شركات القوات المسلحة".
وزاد السادات في بيانه: "لا نريد أن نتشاءم، ولكن أتمنى أن ننتهز فرصة الحوار الوطني المرتقب لإعادة بناء الثقة، ومد جسور التفاهم بين السلطة الحاكمة والشعب المصري، والتي غابت لفترات طويلة سابقة، وذلك حتى نستطيع البناء الصحيح لمستقبل هذا الوطن، والأجيال القادمة".
وكانت "الأكاديمية الوطنية للتدريب" الخاضعة لإشراف مباشر من الديكتاتور، ويديرها من وراء ستار مدير مكتب رئيس جهاز المخابرات العامة، العقيد أحمد شعبان، قد زعمت أنها "ستدير الحوار الوطني بكل تجرد وحيادية تامة"، مدعية "اقتصار مهمتها على التنسيق بين الفئات المختلفة المشاركة في الحوار، من دون التدخل في مضمون أو محتوى المناقشات التي سيشملها".
وقالت الأكاديمية، في بيان لها، إنها "انتهت من وضع الملامح التنفيذية للحوار المرتقب بين مختلف فئات المجتمع، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس السيسي للمؤتمر الوطني للشباب، الذي يتم تنظيمه تحت مظلة الأكاديمية، في شأن التنسيق مع التيارات السياسية الحزبية والشبابية لإدارة حوار جاد حول "أولويات العمل الوطني خلال المرحلة الراهنة، ورفع نتائج هذا الحوار إلى الرئيس شخصياً".
ويشكك مراقبون في جدية مبادرة السيسي للحوار الوطني الشامل، إثر تكليفه "المؤتمر الوطني للشباب" التابع للمخابرات لتنظيم الحوار، كونه لا يمثل سوى حلقة جديدة من المنتديات الدعائية التي عكفت الدولة على تنظيمها خلال السنوات الأخيرة، وتقتصر المشاركة فيها على الدوائر القريبة من السلطة الحاكمة، وتحت رعاية وإشراف كامل من الأجهزة الأمنية.
وبحسب مراقبين، تظل الأسباب الحقيقية التي دفعت النظام إلى الدعوة إلى مثل هذا الحوار غير واضحة. وقد ترتبط بضغوط يتعرّض لها من الدائنين الدوليين، والذين يشعرون بأن مصر تسير في الطرق الخطأ، ولم يعد من المقبول أن تحصل على مزيد من الديون من دون القيام بإصلاحات أساسية، مثل إعادة بناء المؤسسات، والعودة، ولو قليلا، إلى احترام حكم القانون وتحرير القطاع الخاص والحد من توغل شركات المؤسسات العسكرية في الاقتصاد. وربما ارتبطت بالأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر والتكاليف الباهظة التي تفرضها على المصريين، وسعى النظام إلى تحميل "المعارضة" بعض تلك التكاليف. وقد ترتبط أيضا بمساعي التهدئة التي يشهدها الإقليم لأسباب مختلفة، وسعي دول المنطقة إلى إعادة ترتيب أوراقها.

ويذهب الصحفي والمعتقل السابق، خالد داود إلى أن منطلق الحوار الذي دعا إليه السيسي هو «تقوية الجبهة الداخلية» في ظل مرور مصر بظروف استثنائية جرّاء تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، فضلًا عن أزمات إقليمية مثل ليبيا وفلسطين والسودان. ويذهب آخرون إلى أن التدهور الحاد في الوضع المالي والاقتصادي هو ما دفع النظام نحو إطلاق هذه الدعوة في هذا التوقيت؛ حيث تراكمت الديون الخارجية وارتفعت من 43 مليار دولار في منتصف 2013 إلى نحو 145 مليارا في ديسمبر 2021م وفقا لبيانات البنك المركزي المصري. وارتفعت الديون المحلية من 1.3 تريليون جنيه في منتصف 2013م إلى نحو 5.5 تريليونا في ديسمبر 2021م. ووفقا لأرقام مشروع الموازنة الجديدة (2022/2023) فإن بند خدمة الدين وحده يبلغ نحو (تريليونا و655 مليار جنيه) وهو ما يزيد عن الإيرادات المتوقعة والتي تبلغ نحو (تريليون و517 مليار جنيه). بمعنى أن جميع إيرادات الدولة لا تكفي لسداد فوائد الديون (الربا) وأقساط الديون المستحقة خلال العام المالي المقبل؛ وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ مصر. ولكي يستطيع السيسي إدارة دواليب الدولة فإنه سوف يقترض نحو (تريليون و523 ملياراً و639 مليون جنيه، بزيادة تبلغ 455 ملياراً و131 مليون جنيه)، وبالتالي سوف ترتفع فوائد الديون وأقساطها العام المقبل على نحو مخيف. وإلى جانب تداعيات تفشي جائحة كورنا من جهة والغزو الروسي لأوكرانيا من جهة ثانية فإن مصر تمر بمرحلة فارقة للغاية بينما يقف السيسي ونظامه عاجزين عن إيجاد أي حلول لهذه المشاكل المتراكمة. وتخشى تقديرات موقف أعدتها أجهزة السيسي من انفجار الأوضاع على نحو واسع لا يمكن احتواؤه أو السيطرة عليه بسبب الغلاء الفاحش وتردي الأوضاع على نحو مخيف.

Facebook Comments