حذر الباحث الصحفي أنس حسن من أدوار جديدة للجان الإلكترونية التي تدعمها أطراف إقليمية (الثورة المضادة) بما في ذلك الاستخبارات الصهيونية ، للتلاعب الثقافي والاختراق من خلال تبني الخلط بين جانب ضئيل من الحقيقة وآخر أكبر من الانحراف، في سبيل مزيد من التضليل والتطرف.
وتحت عنوان "الهندسة الاجتماعية والجيل الجديد من الذباب الإلكتروني" أكد أن هذه الحسابات لا تأخذ خط العداء الواضح ضد من تستهدفهم، بل تندمج في خطاباتهم، تحمل نفس صورهم الرمزية، وولاءاتهم الأساسية (دين – عقيدة – مذهب – قيادات – دول)".
وأكد أنه في ضوء الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي كمنبر رأي عام ، فإن صراعاتنا الثقافية الفترة القادمة لم تعد بريئة، وأن الذباب ستجده رفيقك في معركتك أحيانا ويدعمك بالأدلة الثقافية أو الشرعية، وكذلك سيعزز خطاباتك أحيانا ليخرجها عن نطاقها نحو نطاق احتراب ثقافي هو يريده.
وأشار إلى أهمية المقال وغيره في تحقيق المعرفة المتعلقة بفهم وتحليل تلك الأنماط والشبكات ، أصبح مهما لكل جهة أو شخص مهتم بدخول المجال العام ويحمل فكرا اجتماعيا أو سياسيا".

منهجية العمل
وأشار "حسن" إلى أن هذه المجموعات الجديدة لها عدة صفات: 
– تنحاز في المجمل للاتجاهات الثقافية العامة، ليست شيئا شاذا ومنبوذا من الأساس، ولا تستخدم أساليب لفظية قبيحة، وإنما تمارس دورة حياة تفاعل يومية تقليدية.
– تتوزع أدوار الذباب الجديد، بأن كل مجموعة لها قائد "مايسترو" متعلم ويفهم ما يفعل، ويراقب مؤشرات التفاعل ويوجه باستمرار حسب المعطيات.
– حين تتحرك هذه الشبكة لا تبادر بالتغريد في القضايا، فأغلب تغريداتها اجتماعية، وإعادة نشر لمحتوى عام، ولكن يتركز تفاعلها في الردود والنقاشات في حسابات الآخرين.
– حين تتحرك مجموعة من تلك الشبكات في قضية محددة، ينقسمون إلى فريقين "مؤيد ومعارض" لتوزيع الآراء وفرزها، وإتاحة الفرصة للجدل والانقسام.
–  تميل أغلب هذه الشبكات إلى اختراق الضحية أو الطرف المهاجم بآلاف الحسابات الموالية للضحية، تتكلم بنفس منطقه وبنفس محدداته الرئيسية، ولكنها دوما تجنح للإرباك وقت احتداد النقاشات.

أبعد من نقاش
وقال أنس حسن إنه "يتم اختيار قضايا محددة لإشعال النقاش وحرق الضحية، مثلا لو لديك دولة "ضحية" ستهاجم هذه الحسابات بعض مشاريع التنمية مثلا، ولو كنت جماعة دينية، ستفتعل هذه الحسابات معارك دائمة مع خصومك بشكل وقح، ولو كنت مجتمعا سيسعون لإبراز أسوأ الظواهر الاجتماعية بغرض تعميم الفحش أو إبراز الهوامش داخل المجتمعات على أنها رئيسية".
وكشف أن أبعادا أخرى تدخل في منهجيتهم، حيث  لم يستبعد أن يكون هناك نشاط تجاري أصبح موجودا خلف تلك الحسابات، بخلاف الحسابات التي تعمل تحت مظلة أجهزة استخبارات أو دول، هناك شبكات تجارية تعزز نجاح مسلسل أو تناقش ظهور فنان أو تحاول إسقاط منافس في انتخابات نادي أو مجلس إدارة شركة مثلا".

الأجندة الثقافية
واعتبر الصحفي أنس حسن أن "أخطر تلك الشبكات هي التي تعمل على أجندة ثقافية، ففي دول معينة، تحاول بعض الشبكات تصعيد أجندة أخلاقية معينة، وتضخيم حسابات بعينها، وظواهر اجتماعية، بهدف خلخلة البُنى الثقافية للمجتمعات والتيارات المستهدفة.
وقال إنها "تلك التي ترتبط بأنشطة تجارية وثيقة، بمعنى أن هناك حسابات بيع على إنستغرام لمنتجات نادرة أو مميزة، وخلال عمليات البيع "أونلاين" يتم اختراق أجهزة، أو الوصول لمعلومات حساسة، تحت غطاء النشاط التجاري الذي يستهدف بإعلانته فئة اجتماعية أو وظيفية معينة".
وحذر من أنها شبكات تعمل وفق أجندة سياسية دقيقة، بمعنى أنها لم تعد تحرق نفسها في مواجهات كبيرة وضخمة، بل مثلا في الكويت تعمل اللجان على تفتيت وإفشال التجربة البرلمانية تماما، عبر إشعال نقاشات مجتمعية على كل استجواب أو كل تصريح، وتسريب نقاشات من كل جهة، وهكذا".
وأضافت أن هذا النمط يظهر أيضا في نقاشات المتدينين، والقضايا الاجتماعية، يأخذون فيها صيغة متطرفة لدى الطرفين، بحيث إشعال أي نقاش هو في النهاية يخدم تفكيك المستقر اجتماعيا.
ولم يستبعد أن يكون هناك مشاهير أو شخصيات كبيرة أو منصات ثقافية يدعمونها بكثرة  ، بهدف تعزيز اختراقها للنقاش العام في الدول".
وقال "هذا النشاط بالمناسبة تستخدمه إسرائيل بكثرة، بجانب الدول التي تحوم في فلكها، وأصبحت لهم مراكز عمل مشتركة في دول إقليمية وأوروبية ، وهذا النشاط تم فضح أسلوب مشابه له تماما في تقارير اختراق الاستخبارات الروسية للنقاش العام الأمريكي في الانتخابات وكذلك في موجة أزمة الكونغرس وهناك أبحاث منشورة فيما يتعلق بهذا الأمر".

تحول منهجي
وقال إنه "بعد سنوات من الربيع العربي، وسنوات أخرى من الثورات المضادة، وأزمات الخليج وغيرها، تحول نشاط الذباب الإلكتروني من مرحلة الشغب الإلكتروني إلى مرحلة أكثر تعقيدا وهي مرحلة التلاعب الثقافي والاجتماعي.
وأضاف أن أجيال الذباب الإلكتروني القديمة والتي تكون وظيفتها الشتم ورفع التريندات فقط والتخوين تضاءلت مع تراجع الأزمات الحادة بين الدول، وكذلك بسبب نشاط المنصات الاجتماعية لكشف الشبكات وإغلاقها، وحاليا نشهد جيلا جديدا.
ولفت إلى أن ما استقاه من واقع جاء من خلال تناول الواقع مع خبراء مختصين في تحليل هذه الشبكات، اطلعت على تحليل دقيق رقمي وبرمجي لهذه الشبكات،  ولم أكن مهتما أبدا بتتبعها الإلكتروني، بمعنى أنني لم أكن أهتم بما تقوله البرمجيات عن علاقات هذه الشبكات أو تفاعلاتها، بقدر ما كان يهمني كصحفي أن أفهم تحليل مضمون الخطاب داخل تلك الحسابات، باحثا في تساؤلاته عن؛ المضمون الثقافي والسياسي وأسلوب الخطاب المستخدم، والمعارك التي يقررون دخولها والأخرى التي يتركونها، والقضايا التي يعززون فيها النقاشات العامة، وعلاقتها بالمجريات السياسية، وبحثهم عن تدعيم مقولات ثقافية أو تيارات بعينها.

Facebook Comments